كان من المفترض أن الساحر المتخصص في قراءة النجوم قد تنبأ بكل شيء. وحين سألت نوي، أجابها فينغارو بملامح مترددة لا تخلو من الضيق:
“هناك.”
رمشت نوي بعينيها بدهشة، ثم اتبعت إصبع فينغارو بنظرها.
كان يشير إلى… باب المدخل.
“…ماذا؟“
“أحضرناه إلى هنا.”
“ماذا قلت؟!”
اتسعت عينا نوي، فاندفعت نحو الباب وفتحته بعنف.
— فظهر أمامها طفل واحد مكبل وتحت حراسة مشددة.
جسد نحيل، وثياب من الكتان الخشن متسخة ومهترئة.
وشَعرٌ طويل متدلٍّ من رأسه، حتى لا يُعرف أهو فتى أم فتاة.
كانت يداه وقدماه مقيدتين بأغلال سميكة لا تكاد تفلح الفؤوس في قطعها، ومحبوسًا داخل قفص متين، كأنه وحش كاسر.
“فينغارو!”
صرخت نوي بصوت خفيض لكنه مشحون بالغضب.
“طفلٌ— كيف تجرؤ على فعل هذا؟!”
لكن فينغارو الذي تقدم خلفها، لم يعد ذاك الرجل المتردد قبل لحظات، بل قال بصوت بارد قاسٍ:
“أنتِ مخطئة. هذا لم يعد إنسانًا.”
“بل هو إنسان!”
“لا. سيجسد ملك الشياطين يومًا ما، وإن قُتل صار هو نفسه ملكًا للشياطين. وعاء يحمل ملك الشر في داخله— أو إن شئتِ، بيضة ملك الشياطين.” ( المقصد انلو حد قتله بيتحول الولد لملك شياطين بسرعه )
“حتى لو كان كذلك— لا تظن أنني سأسمح بهذا!”
فتحت نوي كفيها، وراحت تحرك أصابعها بسرعة مذهلة.
وفي اللحظة التي تشكّلت فيها الدائرة السحرية، تحطمت القيود والقفص بصوت حاد وسقطا أرضًا.
كان سحرًا هائلًا.
حديد سميك تعجز عنه الأسلحة البشرية، حطمته نوي بسهولة تامة، فتعالت همهمات الحراس دهشة.
أما فينغارو، فلم يبدُ عليه أي انبهار، بل قال ببرود:
“ما دمتِ قد تلقيتِ الأمر، فعليكِ إطاعتي.”
“سخيف. ما دمتُ أنا من تولّى الأمر، فسأفعل ما أراه صوابًا.”
“نوي!”
اندفعت نحو الطفل.
رغم تحرره، لم يتحرك من مكانه قيد أنملة.
لقد كُسر قلبه.
عينان حمراوان فارغتان، لا تعكسان نوي ولا فينغارو، بل تحدقان في الأرض فقط.
لم يكن في الطفل ما يشبه ملك الشياطين—
قوة سحرية هشة، ضعيفة، تكاد تتلاشى مع نسمة.
ذلك المشهد كان مؤلمًا حدّ الوجع.
فضمّت نوي جسد الطفل الصغير بقوة.
صرخ فينغارو، وقد عجز عن كتم انفعاله:
“إنه ملك الشياطين!”
“كلا! إنه إنسان! — ومن الآن فصاعدًا… سيكون تلميذي أيضًا!”
شدّت الطفل إلى صدرها، وحدّقت في فينغارو بعينين متحديتين.
تراجع خطوة واحدة، وهز رأسه ببطء.
“لقد أمرتُ بالقضاء عليه! فتجعلينه تلميذًا؟!
أتنوين أن تمنحيه الحب الذي تلقيناه نحن من معلمنا؟! ألا ترين في ذلك تهورًا أعمى؟!”
رفع صوته ثم وضع يده على جبينه، مطأطئًا رأسه.
“هذا… لا يبدو تصرف شخصٍ عاقل.”
ازدادت قبضة نوي إحكامًا حول الطفل.
“…لو لم يكن هذا الطفل إنسانًا، لكنتُ أنا أيضًا— وحشًا.”
شهق فينغارو.
في الماضي—
قبل أن تُعرف نوي بأنها أعظم ساحرة في المملكة—
كانت منبوذة.
فقد كانت عاجزة عن السيطرة على طاقتها السحرية الهائلة.
تلك القوة التي جعلت منها لاحقًا ساحرة المملكة الأولى.
قوة لا يمكن التحكم بها كانت تُعرّض الحقول، والمنازل، بل والناس للخطر.
ولهذا، لم يكن لنوي الصغيرة من سند سوى معلمها، وأخيهما الأكبر في التلمذة فينغارو.
“…نوي.”
فينغارو، الذي ظل إلى جوارها منذ طفولتها، أدرك ما تعنيه كلماتها فورًا.
لكن نوي لم يكن لديها متسع لترد عليه بلطف.
“فينغارو، عد إلى بيتك اليوم.”
“…….”
“لا تقلق. سأفي بالمهمة حتمًا.”
خفض فينغارو رأسه متألمًا، ثم ابتسم بسخرية مريرة.
“…بالطبع. لا أحد أثق به أكثر منك.”
ثم استدار وغادر المنزل مع الحراس.
وهكذا، أصبح الطفل الذي يحمل ملك الشياطين في داخله… تلميذ نوي.
هرب التلميذ من بين ذراعيها، وتحصّن تحت الطاولة.
أما هي، فاستلقت على الأرض وألصقت خدها بالأرض، تزحف نحوه وتحادثه بصبر:
“ماذا نأكل على العشاء؟ آه، صحيح. لقد أعطاني تاجر جوّال سمكًا مملحًا قبل أيام. يقولون إن وضعه فوق بطاطا مطهوة على البخار لذيذ جدًا. يبدو رائعًا… ويليق مع الشراب أيضًا.”
وما إن قالت ذلك حتى أدركت أنها هي نفسها لم تعد قادرة على الصبر.
وضعت يدها على بطنها الخاوي، فإذا بصوت خافت مبحوح يأتي من تحت الطاولة:
“حقًا؟“
“همم؟“
مدّت عنقها قدر استطاعتها، لكنها لم تسمع الصوت جيدًا، فسألت مجددًا.
فتح الطفل فمه مرة أخرى دون أن يتحرك.
“هل أنا… حقًا… إنسان؟“
كان صوته واهنًا إلى حدٍ لا يُسمع إلا مع تركيز كامل، ومرتجفًا بصورة مؤلمة.
بهذه الجملة وحدها، فهمت نوي كيف عومل هذا الطفل حتى وصوله إلى هنا.
عضّت شفتها بقوة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة من أعماق قلبها.
“بالطبع!”
قالتها نوي بنبرة مشرقة، وهي تخاطب من تحت الطاولة.
“هل تعرف من أكون؟ أنا نوي، التي يُقال عنها إنها أعظم ساحرة في المملكة. وإذا قالت لك ساحرة مثلي هذا الكلام، فاطمئن… لا مجال للخطأ.”
تحركت في الظلام عينان حمراوان تطلان من بين خصلات الشعر الأسود وارتعشتا بخفة.
حدّقت نوي في وجه تلميذها الصغير، منتظرة أن ينطق. وبعد تردد طويل، فتح الطفل فمه بخجل:
“— إذًا…”
“نعم؟“
“إذًا… أنتِ لن تموتي؟“
“ماذا؟“
“حتى لو بقيتُ إلى جانبكِ… حتى لو كان ملك الشياطين هنا، في داخلي… أنتِ لن تموتي؟“
اتسعت عينا نوي، وسرت في جسدها قشعريرة.
‘هذا الطفل…!’
لقد قيل له إن وجوده، وهو يحمل ملك الشياطين في داخله، سيؤذي من يكون قريبًا منه. وكان يرتجف خوفًا من ذلك.
لم يكن يفكر في نفسه، بل في الآخرين.
رقّ قلب نوي لهذا الإخلاص المؤلم، ولعجز الكبار الذين دفعوه إلى هذا اليأس، حتى كادت الدموع تفيض من عينيها.
“— أنا ساحرة قوية جدًا!”
قالت ذلك، متعمدة أن يكون صوتها مرحًا.
“وذاك الملك الذي يسكنك مؤقتًا؟ سأخرجه بنفسي، وأقضي عليه بسرعة، وأطرُده شر طردة!”
راحت تلوّح بيديها، متظاهرة بأنها تهزم ملك الشياطين. ثم لوّت وجهها في حركة مضحكة، وضيّقت عينيها بلونهما الأخضر النعناعي، محاولة أن ترسم أوسع ابتسامة ممكنة—
ابتسامة تطمئنه من أعماقه.
“لذلك… ابقَ إلى جانبي.”
وقبل أن تُكمل جملتها، دوّى صوت ارتطام عنيف، واندفع الطفل من تحت الطاولة.
كان جسده الصغير يرتجف، وأنفاسه متقطعة، ومن شهقاته أدركت أنه يبكي.
‘…طفلٌ بريء إلى هذا الحد.’
حتى لو كان يحمل ملك الشياطين في داخله، فلا يمكن لطفلٍ كهذا أن يتحمل عبء مصير العالم وحده.
تشبث الطفل بها فاحتضنته نوي بكل ما أوتيت من قوة. ثم أمسكت وجنتيه بكلتا يديها، وانحنت تنظر في عينيه مباشرة.
التعليقات لهذا الفصل " 2"