نوي التي كانت تقف أمام الموقد وسّعت عينيها بدهشة ونظرت إليه.
“مـ… ماذا قلت؟ قلها مرة أخرى.”
“قلت، هل يُعقل أن تُؤكَلَ مثل هذه الأشياء؟!”
أعاد أورنيس الجملة حرفيًا دون أن يغيّر كلمة.
وكان ما يمسكه بيده سيخ بطاطا مشوية محترقة حتى السواد—وهو الطبق الذي تتقنه نوي على حدّ اعتقادها.
“أنا لم أقل سوى أمرٍ بديهي، أليس كذلك؟! فما الذي يدهشك إلى هذا الحدّ؟!”
بينما كانت كلمات أورنيس تصدم نوي صدمةً تلو الأخرى، بدا وكأنه هو نفسه مصدوم من ردّة فعلها.
سلوك “صغار التابعين” أي القيام بالأعمال الشاقة — كان أمرًا طبيعيًا.
فمجتمع السحرة هرميّ، وحتى بين التلاميذ هناك مراتب.
حين كانت نوي تتتلمذ على يد جدّها، كان لها كثير من الزملاء الأكبر سنًا. وفي الفترة التي كانت فيها في أدنى المراتب، كانت تجوب الشرق والغرب مع فينغارو الذي التحق في الوقت نفسه.
ولكي تُخفّف عن نفسها ذلك العناء، ابتكرت العديد من الأدوات السحرية التي تملك براءات اختراعها الآن.
خرج الحديث عن مساره، لكن الخلاصة هي: لم تكن نوي تعترض على هذه المعاملة.
فمن يعيش في بيت ساحر، سواء كان طفلًا أم حتى بلا قوى سحرية، فمن الطبيعي أن يتحمّل الأعمال اليومية.
— لكن مع ذلك.
نوي التي لم تشك يومًا في طبخها، وقفت مذهولة أمام كلمات أورنيس الصريحة.
“لـ… لكن البطاطا تُؤكَل بعد تقشيرها، أليس كذلك؟ بل يجب تقشيرها أصلًا!”
لم يُقَل لنوي قطّ إنها سيئة الطبخ.
فحين كانت تعمل في بيت جدّها، كان فينغارو الذي عرف مدى جرأة نوي الكارثية في الطهي—يتدارك الأمر دائمًا.
وإضافةً إلى ذلك، كان جدّها ساحرًا عظيم الشأن، وكثرة المتدرّبين جعلت فترة بقاء نوي في أدنى المراتب قصيرة جدًا.
ثم إن نوي دون أن تشعر كانت شرِهة في الأكل ولا تتقزّز من شيء، فكانت تستطيب أي طعام.
لذلك لم يخطر ببالها قط أن ما تطهوه غير لذيذ—حتى إنها كانت تقدّم طعامها المنزلي لكارديا الذي اتخذته تلميذًا.
“هلّا توقّفتِ عن افتراض أن القشرة ما زالت موجودة؟ هذا ليس قشرًا ولا شيئًا من هذا القبيل. هذا فحم!”
“فـ… فحم…؟“
كان وصفًا قاسيًا.
ومن بين كل الإهانات التي وُجّهت إليها منذ الأمس، كانت هذه أشدّها إيلامًا.
تعثّرت نوي وكادت تسقط، لكن شخصًا من الخلف أمسك بها.
الذي مسكها بسهولة كان كارديا.
لا بد أنه عاد في وقت الغداء.
نوي التي كانت منشغلة بالضجيج في المطبخ، لم تلاحظ عودته.
نظر كارديا بالتناوب إلى نوي بين ذراعيه وإلى البطاطا التي يمسكها أورنيس.
“من الذي صنع هذا؟“
أشار أورنيس بصمت إلى نوي. فانحنت رأسها بخيبة ونظرت إلى الأرض.
‘… سيطردونني.’
مع أنها جدّدت عزمها على البقاء إلى جانب كارديا، إلا أنها لمجرّد أنها حوّلت البطاطا الثمينة إلى فحم ستُطرَد من هنا في هذه اللحظة.
ترك كارديا يدَي نوي المرتجفتين، وتراجع خطوة إلى الوراء.
ثم، هكذا ببساطة، انزلق ليجلس القرفصاء على أرضية المطبخ.
“مـ…”
“هـاه؟“
“… كـ…!”
أمام أورنيس ونوي المذهولين، كان كارديا ممسكًا ببطنه.
ويبدو أن ضبط نفسه لم يعد ممكنًا، إذ بدأت ضحكاته تتسرب من فمه شيئًا فشيئًا.
“آها… آهاها…!!”
ثم في النهاية وكأنه استسلم تمامًا، انفجر ضاحكًا.
“م–معلمي…؟“
ناداه أورنيس وهو يحدّق بعينين متسعتين وبصوت حذر للغاية وكأنه قلق من أن كارديا قد فقد صوابه.
“لـ… لم يكن من الضروري أن تشبهها إلى هذا الحد…!” ( يقصد نوي ما كان لازم تشبه نوي )
“لم أقم بسلقه. لقد شويتُه.”
“هـ… هييـه…!”
أطلق كارديا صوتًا أشبه بصرخة، وكأنه لا يريد من نوي أن تتابع الحديث أكثر.
شعرت نوي براحة وغيظ في آنٍ واحد، فضربت كارديا بقبضتها ضربة خفيفة.
اتسعت عينا أورنيس بدهشة، لكن كارديا لم يُبدِ أي اهتمام، بل واصل الضحك.
وحين حاولت نوي أن تضربه مرة أخرى، أمسك كارديا بيدها. ثم لفّ قبضتها الصغيرة بكلتا يديه الكبيرتين، وربّت عليها بطبطبة خفيفة، وكأنما يقول لها: كفى، احتفظي بقبضتك.
“منذ زمن لم أشم هذه الرائحة. شكرًا لكِ. سأأكله.”
“سـ… ستأكله؟! هذا؟!”
شهق أورنيس بدهشة، لكن كارديا ابتسم وهزّ رأسه.
“عروسي بذلت جهدها من أجلي. ثم إن الداخل على الأرجح لا يزال سليمًا.”
“كيف يكون سليمًا؟! هذا فحم!”
“انظر بنفسك—”
ترك كارديا نوي وتوجه نحو أورنيس. وبدأ الاثنان يتحدثان بشيءٍ ما عند الطاولة.
لكن نوي لم تكن تستمع إلى حديثهما. كانت تحدّق بصمت في قبضتها، تلك التي كانت قبل لحظات محاطة بيدي كارديا.
‘… كانت كبيرة.’
لم يعد ذلك الكارديا الصغير موجودًا. كانت تعلم ذلك بالطبع.
لكن الأمر لم يكن هذا—
‘… مهلاً؟ الرجال… هل هم، ربما… كبار إلى هذا الحد؟‘
ظلت نوي تنظر إلى قبضتها.
كانت مذهولة، بكل بساطة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 19"