في المرآة المصقولة بعناية، كانت هناك نسخةٌ من نفسها في زمن الطفولة.
يبدو أنها قد صغرت نحو عشر سنوات.
كان ذلك العمر الذي كانت تقضيه منغمسة في التدريب على السحر تحت إشراف جدّها، معلمها.
فتحت فمها بدهشة.
نعم، وكما ذُكر سابقًا، فإن نوي لم تكن معتادة على أن تُفاجَأ.
“يا لها من فتاةٍ مضطربة… حقًا، من تكون هذه الفتاة؟“
“من يدري. كانت ملقاة في الحديقة.”
“في الحديقة—؟ لا يمكن أن تكون ملقاة في مكانٍ كهذا!”
“حتى لو قلت ذلك… آه، لكنني سألتُ عن اسمها. قالت إن اسمها نوي.”
“وشعرها أبيض على نحوٍ لافت. لا غرابة في أن تحمل هذا الاسم.”
وبينما كان أورنيس والكونت هيويتوس يتحدثان إلى جوارها، لم يدخل كلامهما رأس نوي على الإطلاق.
‘— لُفّي الخيط، لُفّي الخيط، دوّريه دوّريه.’
بدأت نوي تُنشِد في ذهنها أغنية.
أرادت أن تُهدِّئ نفسها بفعلٍ اعتادت عليه. وأكثر ما اعتادت عليه نوي هو—فتلُ الطاقة السحرية.
لكن الأمر كان غريبًا.
شعرت نوي بالريبة، فأخذت تُدوِّر أصابعها.
كانت تلك وضعية التدريب الأولى التي يتعلمها المتدرّبون للتحكم بالطاقة السحرية؛ يمكن اعتبارها الشكل الأساسي.
لكن مهما دارت أصابعها—
“ما بكِ؟ لماذا تقومين بحركاتٍ تشبه حركات السحرة؟“
نظر الكونت هيويتوس إلى حركة يدي نوي كما لو أنه يرى شيئًا غير متوقَّع، وأمال رأسه متحيّرًا.
“مهما رغبتِ في استخدام السحر، فسيكون الأمر صعبًا من دون طاقةٍ سحرية.”
“هاه؟“
أطلقت نوي أغبى صوتٍ في حياتها.
كان هذا أمرًا يستحيل حدوثه أبد الدهر، في كل زمانٍ ومكان.
بالنسبة إلى نوي، لم تكن الطاقة السحرية شيئًا يمكن فصله عنها. ولو عُدِّدت الأشياء التي تُشكِّل كيانها، لكانت طاقتها السحرية الهائلة هي البند الأول—أي السمة الأبرز التي يجب ذكرها أولًا.
لكن الآن كما قال هو لم تعد تشعر بها إطلاقًا.
‘— أن تختفي… الطاقة السحرية؟‘
لم يحدث هذا من قبل، ولم تسمع عنه قط.
لم يكن الأمر كنفادٍ مؤقتٍ للطاقة يعود بالراحة؛ فلم تشعر نوي بأي قدرٍ من الطاقة السحرية داخلها.
أصابها الذهول.
لأنها تعرف طاقتها معرفةً تامة، أدركت الحقيقة من دون حاجةٍ إلى محاولاتٍ عبثية.
“أن لا تكون لديّ طاقة سحرية… ماذا يعني ذلك؟“
وفوق رأس نوي المذهولة، سأل أورنيس الكونت هيويتوس بريبة:
“هل يمكن للمرء أن يعيش بلا طاقةٍ سحرية…؟ أعني، هي حيّة، أليس كذلك؟“
“إنها حيّة.”
ضحك الكونت هيويتوس ضحكةً رنّانة، ردًّا على أورنيس الذي بدا متحفظًا قليلًا.
‘…صحيح! حتى إن لم أستطع استخدام السحر، فلا يهم! أنا حيّة!’
ما دمت حيّة، فبوسعي أن أحرّك قدميّ.
وإن استطعتُ التحرك، يمكنني الذهاب إلى كارديا.
سأفكّر في أمري لاحقًا. الأهم أولًا أن أطمئن على سلامته.
لكن إن لم أستطع استخدام السحر، فلن بدّ من طلب العون من أحد. وحتى لو فقدتُ طاقتي السحرية، فما زالت لديّ مدّخرات. وإن كان المقابل مالًا، فبوسعي الدفع ما لم يكن الطلب مبالغًا فيه.
بدّلت نوي حالتها النفسية ورفعت رأسها.
عندها قال الكونت هيويتوس وهو يبتسم لها :
“على أي حال، أفهم تمامًا الإعجاب بالسحر. يبدو أن مهرجانًا سيُقام في العاصمة احتفالًا بمرور خمسين عامًا على تولّي جلالة الملك العرش. لِنبحث هناك عن لعبةٍ سحريةٍ طريفة.”
“…خمسون عامًا على التولّي؟“
الملك الذي تعرفه نوي في مملكة إيسريا هو والد فينغارو. لم يتجاوز الخامسة والأربعين بعد، لذا فحديث الخمسين عامًا مستحيل.
‘مستحيل… هذا غير معقول.’
تلبّد شعورٌ سيّئ في رأس نوي.
جمعت صوتها وسألت الكونت هيويتوس:
“…عذرًا.”
“نعم؟“
“ما هو… العام الحالي وفق تقويم مملكة إيسريا؟“
“أي عامٍ كان؟“
“إنه العام الأربعمئة واثنان وثمانون.”
أجاب أورنيس بدلًا من الكونت هيويتوس الذي لم يتذكّر.
اتّسعت عينا نوي حتى كاد لون النعناع فيهما أن ينسكب.
‘ما الذي يحدث…؟ ماذا جرى…؟‘
لم تفهم الوضع إطلاقًا.
“…من أكون أنا؟ …وأين نحن؟“
نظر تاكونت هيويتوس إلى نوي التائهة بنظرة شفقة.
“—لا تقلين إنكِ فاقدة للذاكرة؟“
“لهذا بدت ردود أفعالك بطيئة.”
قال أورنيس كلامًا فظًّا قبل أن تجيب نوي، لكنها لم تكن في حالٍ يسمح لها بالاهتمام بذلك.
‘فاقدة للذاكرة—؟ لا، هذا غير صحيح. أنا نوي غاليني، وقد بلغتُ الرشد منذ زمن، وأنا أقوى ساحرة في البلاد، وأعيش في الجبل المجاور للعاصمة، والآن هو العام الثلاثمئة واثنان وثمانون من تقويم إيسريا…’
لكن من بين تلك الذكريات، لم يبقَ صحيحًا سوى الاسم.
“هي فاقدة للذاكرة. ربما تقلّد لاشعوريًا طريقة كلام الشخص الأقرب إليها. أعرف شخصًا كان كذلك.”
ضيّق الكونت هيويتوس عينيه وكأنه يسترجع ذكرى، ثم وضع يده برفق على رأس نوي الصغيرة.
“لا بد أنكِ خائفة. ولا وجهة لكِ. ابقي هنا.”
“يا معلمي.”
وجّه أورنيس نظرةً باردة إلى الكونت هيويتوس. وإذ أدركت نوي أن سبب تلك النظرة هو هي نفسها، شعرت بحرجٍ شديد.
‘…حتى لو أسرعتُ بالعودة إلى العاصمة الملكية.’
بعد مرور مئة عام، من المرجّح أن كارديا مصدر قلقي لم يعد على قيد الحياة. بل الأرجح أنه لم يبقَ أحدٌ ممّن عرفتهم.
‘وفوق ذلك…’
إن مرور مئة عام بحدّ ذاته دليلٌ لا غير على أن ملك الشياطين قد زال في ذلك الوقت. وتمامًا كما تنبّأ ساحر قراءة النجوم، فقد استطاعت نوي القضاء على ملك الشياطين.
‘—فقدان الطاقة السحرية هو ثمن ذلك، إذن.’
إن كان الأمر لأجل إنقاذ العالم، فربما يمكن تقبّل هذا الوضع.
لكن بعد مئة عام، لا أحد يعلم إن كان البيت ما يزال قائمًا أصلًا. وحتى إن كان موجودًا، فقد تكون عائلة أخرى قد سكنت فيه.
وفوق ذلك، سواء عدتُ إلى البيت أم خرجتُ في رحلة، فهناك شيءٌ لا بدّ منه.
‘—آه، المال.’
لم يكن لدى نوي في تلك اللحظة أي مال.
أن تكون بلا طاقةٍ سحرية—يعني أن كل ما بنته طوال حياتها من إنجازاتٍ ومكانة قد تلاشى.
ولو كانت تملك بطاقة البنك فقط، لما واجهت صعوبةً في العيش—لكن تلك البطاقة كانت قد أودعتها لدى فينغارو عندما كانت على قيد الحياة.
ولو أنها اقتحمت القصر الملكي قائلةً: أنا نوي غاليني التي عاشت قبل مئة عام، أودعت بطاقتي لدى ملكٍ سابق فأعيدوها لي، لكان الطرد من الأبواب أقلّ ما سيحدث. وربما كان قطع الرأس مصيرها.
ثم حتى لو عادت البطاقة إلى يدها، فبدون طاقةٍ سحرية ستنتهي بها الحال فريسةً لسفينكس الغامض الذي يلتهم الحسابات بنهم.
سيكون السحب مستحيلًا.
‘تبًّا… أنا—أليس لديّ مكان أذهب إليه؟‘
لا، لديّ. نعم، لديّ.
‘لحسن الحظ، أليست هناك يدٌ قد امتدّت إليّ لتوّها؟‘
مفعمةً بالأمل، استدارت نوي نحو الكونت هيويتوس، ذلك الرجل اللطيف كأنه رسولٌ من السماء.
“أم—!”
—لكن الدنيا ليست بهذه السهولة.
فالرجل الجميل الذي ظنّته رسولًا سماويًا، كان قد غيّر ملامحه في غفلةٍ منها إلى شيطانٍ ماكر.
“مع أنني أقول هذا، فأنا على كل حال ساحر أحمل لقب كونت، وفوق ذلك كما ترين، لديّ تلميذٌ كثير الشكوى.”
“هاه؟! لا تقصدني أنا، أليس كذلك؟“
وعلى عكس تعبير الاعتذار البالغ الذي ارتسم على وجه الكونت هيويتوس، برزت عروق الغضب على جبين أورنيس.
التعليقات لهذا الفصل " 12"