كان الثلج الأبيض الخالص الممدود على المنحدر الجبلي الحاد يسحب كارديا بلا توقف نحو الأسفل.
ثنت نوي أصابعها لتُطلق سحرها.
لكن السحر لا يُفعَّل فورًا.
فمهما كان نوع السحر، لا بد من نسج دائرة سحرية أولًا، وهذا يتطلب وقتًا في لحظة البداية.
حتى وإن كان النسج خشنًا بعض الشيء، حيكت نوي الدائرة بأقصى سرعة ممكنة.
ارتفعت الثلوج محاولةً احتضان جسد كارديا، لكن في اللحظة التي ارتفعت فيها، كان جسده قد تدحرج إلى موضع أدنى.
فحتى أعظم ساحرة في البلاد لم تكن قد درّبت قدرتها على قراءة مسار وسرعة الأجسام المتحركة.
تتابعت جدران الثلج التي أطلقتها نوي، لكن أياً منها لم يلحق به في الوقت المناسب، وأخيرًا اصطدم كارديا بشجرة عند أسفل المنحدر.
كان جسده مسندًا إلى الجذع، مترهلًا بلا حراك.
ومن النظرة الأولى، كان واضحًا أنه فاقد للوعي.
“آآه…!!”
أطلقت نوي صرخة وهي تعدو نحوه.
فقد كان الدم الأحمر يتسرب من بطن كارديا مصبغًا الثلج الأبيض.
لعلّه، لسوء الحظ، قد انغرز في جذر شجرة حاد.
“كارديا!”
السحر لا يؤثر في أجساد من يمتلكون طاقة سحرية.
والسحر لا يستطيع شفاء البشر.
خرج صوت نوي أشبه باليأس.
كانت تفكر بجنون في ما يجب عليها فعله الآن.
‘اهدئي— أولًا إيقاف النزيف، ثم فحص حالته، وبعدها أضعه على المزلجة وأخذه إلى الطبيب…’
وبينما كانت تنحدر راكضةً كأنها تتدحرج، دوّى في أذنيها صوت غريب، كأن الهواء نفسه يتمدد وينتفخ.
— بوووان!
كان صوتًا مرعبًا. وبدأ يهزّ الأرض بأكملها.
اهتزّت الأشجار، والأرض، والهواء.
ومع دويّ رجفة الأرض، طارت الطيور دفعة واحدة من الأغصان.
وتعالت أصوات الحيوانات الجبلية أشبه بصراخٍ متسلسل يتردد بين فجوات الأشجار.
اقشعرّ جسدها كله.
من بطن كارديا النازف، وُلد تشوّه أسود ضخم.
كان ذلك الاعوجاج يبتلع ما حوله ويزداد عنفًا.
يحفر ببطء، ثم بشراسة، ثم بعمقٍ مروّع.
رياح هائجة وظلام حالك التفّا في دوامة مركزها بطن كارديا.
وسط العاصفة العنيفة، خفّضت نوي جسدها كي لا تقتلعها الرياح، وبالرغم من الغبار الذي أعماها، حدّقت فيه بكل ما تملك.
“— كارديا!”
هالتها طاقة سحرية وحشية، حتى ارتجف جسدها منها.
وقبل أن يدرك عقلها، فهم جلدها المحترق بالخطر:
إنه ملك الشياطين.
في تلك اللحظة، دفعت نوي كلتا يديها إلى الأمام. وتحركت أصابعها بسرعة لا تُرى.
ما وُلد فجأة في وسط جسد كارديا كان فراغًا أسود يطلق موجات مشؤومة.
انطلقت منه هالة سوداء تزحف ككائن حي، وفي لمح البصر غلّفت جسد كارديا بالكامل.
بدأ جسده يتحول إلى السواد، وراحت مادة صلبة كقشرة الحشرات تغطي جلده بصوت طقطقة حاد. وكانت قد وصلت بالفعل إلى وجهه.
وعلى وجه كارديا الذي كان قد فقد وعيه أثناء التدحرج، ارتسم خوفٌ مفاجئ.
لقد استعاد وعيه.
وعندما رأت نوي ملامحه المشوّهة بالرعب، ضيّقت عينيها.
“م–معلمتي—”
ناداها بصوتٍ مخنوق، كالغريق.
“ستكون بخير!”
من دون أن تتوقف أصابعها عن نسج الدائرة السحرية، ابتسمت نوي له.
“سأنقذك… حتمًا.”
لكن صوتها لم يصل إليه.
ففي تلك اللحظة، كان وجه كارديا قد غطّته القشرة السوداء بالكامل.
الكائن الذي استولى على جسد كارديا—
ذلك الذي لم يعد كارديا—
ملك الشياطين… قد وُلد.
دوّى الرعد.
برقٌ خاطف شقّ السماء، وتناثرت الشرارات.
وفي لحظة، وُلد الظلام من جسد ملك الشياطين.
ظلام لزج، غريب، كأنه يحاول ليَّ جاذبية الفضاء نفسه، زحف ممتدًا نحو السماء.
ببطءٍ يثير الدهشة، وبسرعة تخطف الأنفاس في آنٍ واحد، بدأ العالم يُبتلع في العتمة.
واكتسى الأفق كله بسوادٍ لا يخلق حتى ظلًا، واختفت الشمس من السماء.
السماء، والغابة، والبحر، والأرض—
كلها كانت تصرخ.
ارتجفت نوي رغمًا عنها.
فهذه أول مرة في حياتها ترى فيها كيانًا يمتلك طاقة سحرية تفوق طاقتها.
كانت الطاقة الشريرة لملك الشياطين تضاعف طاقة كارديا السحرية مراتٍ لا تُحصى.
“— كنتُ أنتظرك، يا ملك الشياطين.”
لكن نوي كبحت ارتجافها، وثبّتت نظرها في ملك الشياطين مواجهةً إياه مباشرة.
يبدو أن ملك الشياطين الذي وُلد لتوّه لا يعرف حتى كيفية لفّ طاقته السحرية، فأطلقها بدافع الغريزة وحدها.
تعصف الرياح بعنف.
اصطدام طاقتين سحريتين هائلتين ولّد عاصفة مروّعة.
ومع أصوات طقطقة حادة، اقتُلعت جذور الأشجار من الأرض، وتآكلت التربة، وانشقّ الجبل.
ارتمت نوي على عجل خلف شجرة قريبة.
بعثرت الرياح شعرها، ورفرفت ثيابها، وكانت الأغصان التي مزّقتها الانفجارات تدور في كل اتجاه.
“حتى نسج دائرة سحرية لا تجيد—!”
الطاقة غير المعقولة التي أطلقها ملك الشياطين لم تكن سوى كتلة خام من الطاقة السحرية.
لم تكن سحرًا حقيقيًا أصلًا، ومع ذلك كان تأثيرها مرعبًا، فاندفعت نوي بعنف تحت ضغط الرياح.
“غااا… آآآآآه——!!”
أطلق ملك الشياطين صرخته الأولى.
‘قليلًا بعد…! لم يبقَ إلا القليل!’
واصلت نوي نسج الدائرة السحرية بأطراف أصابعها المرتجفة.
‘حتى لو انتهت حياتي—’
كانت تصلّي بكل ما أوتيت من قوة.
‘…فليحيا ذلك الطفل، أرجوك.’
لعلّها ضخت طاقةً سحرية أكثر مما يحتمل جسدها، إذ بدأ الوهن يتسلل إلى أطرافها، وراح وعيها يتلاشى تدريجيًا.
غشا بصرها الضباب.
أخذت صرخات ملك الشياطين تبتعد شيئًا فشيئًا.
كانت أصابع نوي قد فقدت الإحساس تمامًا، ولم تعد تحرّك يديها إلا اعتمادًا على ذكريات مئات، بل آلاف، بل عشرات الآلاف من التعويذات التي مارستها من قبل.
“أردتُ أن أكون ساحرًا… مثلكِ يا معلمتي!”
آخر ما خطر ببالها كان وجه تلميذها الحبيب وهو يبكي.
امتدت أصابع نوي.
وفوق رأسها، كان يطفو سحرٌ هائل—دائرة سحرية ضخمة إلى حدٍّ لا يمكن لإنسان عادي أن ينسجها.
سحر تطهير جبار، لم يُخلق إلا من أجل إبادة ملك الشياطين.
وبمجرد أن لوّحت نوي بيدها، اندفع ذلك السحر نحو ملك الشياطين الذي كان لا يزال يطلق طاقته الشريرة بلا توقف.
‘— مستقبلٌ يستطيع فيه ذلك الطفل أن يعيش مبتسمًا… كساحر.’
في اللحظة التالية، غمر العالم وميض أبيض.
اتسعت الدائرة السحرية على نحوٍ هائل، وأطلقت نورًا ساطعًا قيّد ملك الشياطين. وواصل الضوء انتشاره بلا انقطاع، حتى ذاب ملك الشياطين في ذلك الإشعاع الكاسح.
من بين شقوق الظلام، انبثق خيط من الضوء.
أشرقت الشمس على الأرض التي تمزّقت. وعلى تربةٍ كشفت عن صخورها، كاد طفل أن ينهار، لولا أن رجلًا قدم ممتطيًا أسدًا مجنّحًا اندفع نحوه والتقطه قبل أن يسقط.
ساد الاضطراب أرجاء العالم.
ففي ذلك اليوم، اختفى من هذا العالم كلٌّ من ملك الشياطين—وأعظم ساحرة في البلاد.
وهكذا، نجا العالم.
— لمئة عامٍ كاملة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني 🩷
قناة تيليجرام فيها اخبار فصولي هنا ( لازم تعملو طلب انضمام )
التعليقات لهذا الفصل " 10"