5 - أيّامٌ مختلفةٌ عمّا سبق (1)
في الحقيقة، كان هناك كثيرٌ من الرجال الذين حملوا مشاعرًا لأديليا في قلوبهم.
فأديليا كانت جميلةً إلى حدٍّ يجعلها تبرز أينما وُجدت.
ولهذا، كان الإعجاب بها، من وجهة نظرٍ ما، أمرًا طبيعيًّا جدًّا.
وعلى أيّ حال، من بين كلّ أولئك الرجال، كان سبب تذكّري للوكاس إيكر هو حادثة الاعتراف التي قام بها.
في عيد ميلاد أديليا الثامن عشر، قبل عامين، أعدّ لوكاس إيكر حدثًا ضخمًا للغاية ليعترف لها بمشاعره.
لكن اعترافه الحارّ تحطّم تمامًا أمام ردّها البارد، ولم يحصد سوى الإحراج الكبير.
وكان فشله أمرًا لا مفرّ منه، لأنّ أديليا كانت قد وقعت في حبّ كاليكس من النظرة الأولى، وغرقت فيه تمامًا.
وبالنسبة لها، كان جميع الرجال الآخرين، باستثناء كاليكس، أقلّ شأنًا من حجرٍ على جانب الطريق، كما أنّ قلبها لم يكن يملك أيّ فسحةٍ لغيره بسبب تجاهل كاليكس لها آنذاك.
‘مع ذلك، بعد تلك الحادثة، سارت الأمور على ما يرام نوعًا ما.’
في الواقع، في ذلك الوقت، وبعد أن أصبحتُ على درايةٍ كاملةٍ بكلّ أحداث الرواية، كنتُ رغم ذلك أُشجّع لوكاس إيكر سرًّا، وأتمنّى أن ينجح اعترافه وتسير الأمور على خيرٍ بينه وبين أديليا.
فإن كانت من عائلة إيكر، فهي لا تقلّ شأنًا عن عائلة لافيليون، ولو تمّ الأمر بنجاح، لما اضطُرّت أديليا إلى اختيار طريقٍ شاقٍّ عن قصد.
ولهذا السبب، ورغم أنّني لم أقدّم له مساعدةً مباشرة، كنتُ أبادر إلى فتح الحديث حين ألتقيه في الأكاديميّة، لأتيح له فرصة التحدّث مع أديليا براحة.
لكن اعتراف لوكاس إيكر انتهى بفشلٍ ذريع.
وبما أنّني كنتُ قد شاهدتُ المشهد بأكمله من البداية إلى النهاية، شعرتُ بالأسف والذنب، فواسيته عدّة مرّات.
ولحسن الحظّ، وبفضل طبيعته الإيجابيّة، تعافى لوكاس إيكر سريعًا من جرحه.
ومنذ ذلك الاعتراف، طوى مشاعره تجاه أديليا تمامًا، وتعامل معها بوصفها صديقةً لا أكثر.
‘لكن كايرن كان يعلم بذلك أيضًا.’
أظنّ أنّ أديليا حينها شدّدت على الخدم ألّا ينبسوا بكلمةٍ واحدة لكايرن، معتبرةً الأمر تافهًا لا يستحقّ الذكر……
وفي وقت وقوع تلك الحادثة، لم يكن كايرن موجودًا في العاصمة.
كان قد حاول، بأيّ وسيلة، أن يصل في موعد عيد ميلاد شقيقته الوحيدة، لكنّ أمرًا طارئًا حال دون ذلك، فلم يتمكّن من الحضور.
وأديليا، رغم أنّها تفهّمت سبب غيابه بعقلها، إلّا أنّ غياب فرد عائلتها الوحيد عنها في يوم ميلادها جعلها حزينةً جدًّا.
ولهذا السبب، ما زالت تلك الحادثة محفورةً بوضوحٍ في ذاكرتي.
‘حسنًا، من وجهة نظر الأخ، من الطبيعيّ ألّا ينظر بعين الرضا إلى رجلٍ أحبّ شقيقته.’
كنتُ أومئ برأسي في داخلي محاولةً تفهّم كايرن، لكنّ كلماته التي تلت ذلك مباشرةً جعلتني أُصاب بالذهول.
“لوكاس إيكر كان يحمل مشاعر لأديليا؟”
“……نعم؟”
رفعتُ رأسي إليه بوجهٍ مصدوم، وفمي مفتوح من شدّة الدهشة.
“أعني…… ألم تكن تعلم؟”
تحرّك رأس كايرن ببطء من الأعلى إلى الأسفل.
‘آه…….’
إذًا، لماذا كان ذلك التعبير؟
عندما ذكر اسم لوكاس إيكر بملامح غير مطمئنّة، افترضتُ بطبيعة الحال أنّه كان يعلم بقصّة الاعتراف تلك.
لكن اتّضح أنّه لم يكن يعلم……
لا، مهلاً.
لم يكن هذا هو المهمّ الآن.
الأمر الأخطر هو أنّني أفشيتُ بلساني ما طلبت أديليا صراحةً ألّا يُقال.
في لحظةٍ واحدة، اجتاحني شعورٌ بالذنب تجاه أديليا، واحتقارٌ للذات بسبب تسرّعي، كأنّهما موجتان عاتيتان.
“إذًا، لماذا…….”
لا.
لم يكن عليّ أن أقول هذا، ولا أن ألومه أصلًا.
فكلّ ما يحدث الآن كان نتيجةً مباشرةً لتهوّري أنا.
لقد قدّرتُ تعبيره على هواي، واستنتجتُ أمورًا من تلقاء نفسي، فانتهى الأمر إلى هذا.
“يا دوق.”
شدَدتُ عزيمتي وناديته بنبرةٍ جادّة بعض الشيء.
“هل يمكنك أن تنسى ما قلته الآن؟ أديليا لا تحبّ هذه القصّة كثيرًا.”
صحيحٌ أنّ طلب نسيان ما سُمِع لا يمحو الحقيقة، لكن لم يكن لديّ ما أقوله غير ذلك.
وبينما كنتُ غارقةً في تأنيب نفسي وضيقٍ نفسيٍّ شديد، رفعتُ يدي دون وعيٍ لأضرب رأسي، لكنّ كايرن، الذي لا أدري متى اقترب، أمسك بمعصمي.
“ليس لأنّ أديليا تلقّت اعترافًا منهُ.”
“ماذا؟”
سألته بذهولٍ، غير قادرةٍ على فهم ما يعنيه.
“أنتِ…….”
نظرتُ إليه بعينين متسائلتين، أنتظر بقيّة كلامه.
لكن، مهما طال انتظاري، لم تخرج أيّ كلمةٍ من فمه.
وبعد لحظة، لم يفعل سوى أن زفر زفرةً خفيفة، ثم أنزل يده عن معصمي بحذر.
ربّما بسبب حرارة يده التي ضلت تلامسنيَ قد أفترقتُ، ظلّ معصمي ساخنًا ويبعث إحساسًا غريبًا بالوخز.
كان إحساسًا جديدًا تمامًا، استحوذ على كلّ انتباهي، لدرجة أنّني لم أدرك أنّه صعد إلى العربة إلّا عندما سمعتُ صوته.
“سآتي لاصطحابكِ قبل الذهاب إلى القصر الإمبراطوريّ.”
قال كايرن، وهو داخل العربة، الجملة نفسها التي قالها قبل قليل.
“انتظريني براحةٍ.”
ومع تلك الكلمات، انطلقت العربة التي تقلّه بسرعةٍ، مغادرةً القصر.
وبقيتُ واقفةً بوجهٍ شارد، أراقبها تختفي عن ناظريّ لوقتٍ طويل.
* * *
بعد تخرّجي من الأكاديميّة، كانت أيّام حياتي متشابهةً إلى حدٍّ كبير.
في الصباح، أعتني بالحديقة محاطةً بالزهور التي أحبّها، ثم أتولّى شؤون العائلة.
وعندما يحلّ المساء، أعمل في مجال العناية بالحدائق الذي كنتُ أزاوله منذ زمن، وبعد ذلك فقط أستطيع قضاء وقتي الشخصيّ.
وأغلب ذلك الوقت الشخصيّ كنتُ أقضيه مع أديليا التي أحبّها، نشرب الشاي ونتبادل الأحاديث، أو نشاهد المسرحيّات في الأحياء المزدحمة.
منذ أن توفّي والداي وبقيتُ وحيدة، كان لا بدّ لي من تحمّل مسؤوليّة عائلتي بأيّ طريقة.
لكنّني، وأنا في ذلك العمر الصغير، لم أكن أملك الكثير ممّا أستطيع فعله.
صحيحٌ أنّ كايرن سَدَّد الديون التي تُرِكت لي، لكن كان عليّ أيضًا تأمين المال اللازم لاستمرار العائلة.
غير أنّني، في ذلك الوقت، كنتُ أدرس في الأكاديميّة، وكان الحصول على المنح الدراسيّة يتطلّب التفرّغ والانتظام، لذا لم يكن بإمكاني العمل بانتظام.
ولهذا، كان عليّ البحث عن أعمالٍ يمكن القيام بها في العطل أو الإجازات.
ولحسن الحظّ، كنتُ أمتلك موهبةً في تنسيق نباتات الحدائق وجعلها متناسقةً وجذّابة، بفضل سنواتٍ من دراسة النباتات.
وهذه الموهبة، في الحقيقة، لم تكن اكتشافًا ذاتيًّا خالصًا، بل كان لأديليا فضلٌ كبير فيها.
حين علمت أنّني أنا من تولّى تنسيق حديقة منزلنا، أوكلت إليّ أديليا حديقة القصر الدوقيّ فورًا.
كما أنّها، في كلّ مرّة تحضر فيها حفلًا أو مأدبة رقص، أو تقيم حفلة شاي في القصر، كانت تحرص على إخبار الجميع بأنّني من صمّمتُ وأدرتُ حديقة القصر، فتغدق عليّ المديح.
كانت السيدات النبيلات في إمبراطوريّة رويدين يَعُدْنَ تنسيق حدائق منازلهنّ والحصول على الإعجاب أمرًا بالغ الأهميّة.
ولهذا، رغبت زوجات العديد من العائلات في أن أُحدِث تغييرًا في حدائقهنّ بقدراتي.
صحيحٌ أنّ الأمر لا ينطبق على جميع النبلاء، لكنّ نبلاء العاصمة على الأقلّ كانوا يملكون قدرًا هائلًا من حبّ المظاهر، والمال الكافي لإشباعه.
وبفضل سمعة أديليا، ومساعدة التاجر الذي عرّفني به كايرن، تمكّنتُ من رفع هذا العمل المتعلّق بالحدائق إلى الواجهة في وقتٍ قصير.
وبهذه الطريقة، استطعتُ استغلال مهاراتي وموهبتي لسداد دَيني لكايرن، والحفاظ على استمرار عائلتي حتّى الآن.
كان العمل الأوّل الذي بدأته يتمثّل في زيارة قصور النبلاء، وتحديد أنواع النباتات والزهور المناسبة لكلّ حديقة، ثم إرشادهم بالتفصيل إلى طرق التنسيق والعناية.
لكن، بينما كان الأمر ممكنًا في العطل، كان من الصعب عليّ زيارة القصور بنفسي أثناء الدراسة في الأكاديميّة، لذا لم يكن العائد الماليّ كبيرًا.
ولهذا، خطّطتُ لمنتجٍ إضافيّ، وهو بيع الشاي وأكياس العطر المصنوعة من أزهار ونباتات الحدائق.
وكان هذا المشروع مناسبًا، إذ يكفي تعليم الخدم طريقة التصنيع، ويمكن العمل عليه حتّى أثناء وجودي في الأكاديميّة.
كما أنّ هذا العمل أفادني في اتجاهٍ غير متوقّع، وهو أبحاث النباتات وإعداد الأوراق العلميّة.
فمع دراسة العطور والنباتات التي يفضّلها سكّان العاصمة وزراعتها، تراكمت لديّ بشكلٍ طبيعيّ بيانات البحث وأساليب العناية.
وفوق ذلك، وبفضل تلقي آراء الزبائن كما كان يحدث في المجتمع الحديث قبل تناسخي، لم أعد مضطرّةً إلى زراعة كلّ نبتةٍ بنفسي وانتظار النتائج واحدةً تلو الأخرى.
وعلى أيّ حال، وكما في كلّ يوم، أنهيتُ أعمال الصباح اليوم، وتناولتُ الغداء، ثم ذهبتُ لأداء عملٍ متعلّق بالعناية بالحدائق في منزل الكونت هايين، وكنتُ في طريقي للعودة.
وعندما نظرتُ إلى الخارج عبر نافذة العربة، كنتُ أمرّ لتوّي بالحيّ المزدحم.
وكانت أرجاء ذلك الحيّ مليئةً بذكرياتي مع أديليا.
Chapters
Comments
- 5 - أيّامٌ مختلفةٌ عمّا سبق (1) منذ 3 ساعات
- 4 - كايرن لافيليون (3) منذ 3 ساعات
- 3 - كايرن لافيليون (2) منذ 3 ساعات
- 2 - كايرن لافيليون (1) منذ 4 ساعات
- 1 - زفافُ الشرّيرةِ في العملِ الأصليّ والبطلِ. منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 5"