4 - كايرن لافيليون (3)
كانت أديليا، في ذلك اليوم أيضًا، ما إن رأتني جالسةً بلا حيلة في المنزل الذي داهمه الدائنون مرّةً أخرى، حتّى احتضنتني وانفجرت باكيةً بصوتٍ عالٍ.
وكأنّ مشاعرها انتقلت إليّ، فاحتضنتها بدوري، وأفرغت كلّ ذلك البكاء القاسيّ والحزين الذي لم أستطع أن أبكيه حتّى في الجنازة.
وعندما خرجنا من الغرفة بعد أن تلقيتُ عزاء أديليا، لم يكن الدائنون قد اختفوا من داخل القصر فحسب، بل من محيطه كلّه أيضًا، وكأنّهم لم يكونوا هناك قطّ.
كان ذلك بفضل كايرن، إذ طرد الجميع بلا استثناء.
ولم يكتفِ بذلك، بل سَدَّد كلّ الديون التي تُرِكت على عاتق عائلتنا، وفوق ذلك، ولئلّا يتكرّر ما حدث، صار هو بنفسه خطيبي.
‘كلّما تذكّرتُ تلك الأيام، يفيض قلبي بالمشاعر.’
أشخاصٌ ممتنّةٌ لهم حدّ الألم.
هؤلاء الذين أنقذوني من قاع الظلام كانوا بالنسبة إليّ أناسًا لا أجد حرجًا في أن أهبهم حياتي.
وبعد ذلك، استخدمتُ ما أملكه من مهاراتٍ ومزايا لأُخفِّض الديون التي قالوا إنّني لستُ مضطرّةً لسدادها حتّى سُوِّيَت كلّها.
وفوق ذلك، ورغم أنّه مبلغٌ ضئيل إذا ما قورن بثروة الدوقيّة، فقد جمعتُ ما يكفي لأعيش بمفردي براحةٍ وزيادة.
ولهذا، كان عليّ أن أمنح كايرن حريّته قبل أن يفوت الأوان.
كان عمره هذا العام يقترب من أواخر العشرينات، ستّةً وعشرين عامًا.
وبالنظر إلى أنّ سنّ الزواج المناسب لدى النبلاء هو أوائل العشرينات، فإنّ البدء الآن باستقبال آنسةٍ نبيلةٍ جديدة والتحضير للزواج يُعَدّ متأخّرًا جدًّا.
مع ذلك، وبالرغم من تجاوزه سنّ الزواج المثاليّ، فإنّ كايرن الذي أعرفه لن تنقطع عنه طلبات الزواج من هنا وهناك.
متى يكون الوقت الأنسب لفتح هذا الموضوع؟
مهما فكّرت، كنتُ واثقةً من أنّ كايرن لن يكون قادرًا على أن يطرح مسألة فسخ الخطوبة بنفسهِ.
لذلك، كان الطريق الصائب لأجله هو أن أبدأ أنا بالكلام.
وبينما كنتُ غارقةً في هذه الأفكار، أدرتُ رأسي دون وعيٍ نحو المكان الذي كان فيه، فالتقت عيناي بعيني كايرن، الذي لم يكن ينظر إلى الكتاب، بل إليّ بنظرةٍ حارّة.
“مَـ-ماذا هناك؟ لماذا تنظر هكذا؟”
سألتُه بارتباٍك، وأنا أتمتم بأيّ كلامٍ يخطر في بالي، لكنّه لم يجبني، بل نهض من مكانه.
وبينما كنتُ أراقب تصرّفه بوجهٍ حائر، انفتح باب العربةِ فجأة.
“انزلي.”
قالها ورمى بكلمةٍ واحدة، ثم نزل من العربة أوّلًا.
حينها فقط أدركتُ أنّ العربة قد توقّفت، إذ لم أعد أشعر بأيّ اهتزاز.
يبدو أنّني كنتُ غارقةً في أفكاري إلى درجةٍ لم ألاحظ معها توقّف العربة.
نهضتُ من مكاني وألقيتُ نظرةً سريعة من النافذة.
‘آه…’
كان القصر والحديقة المألوفان يبدوان خارجها.
‘لقد وصلنا إلى البيت.’
وبينما أفكّر في الدخول إلى غرفتي والراحة سريعًا، اقتربتُ من باب العربة، فإذا بكايرن يمدّ يده نحوي.
نظرتُ إلى يده الكبيرة لحظةً، ثم وضعتُ يدي في يده.
وعلى عكس الانطباع البارد الذي توحي به ملامحه، كانت يده دافئةً ومطمئنّةً على نحوٍ غريب.
“شكرًا لكَ، يا دوق.”
لم أنسَ أن أعبّر عن امتناني وأنا أنزل من العربة.
“شكرًا لإيصالك إيّاي إلى البيت، آه، أنا…”
وبعد أن شكرتُه أيضًا على مرافقتي إلى هنا، حاولتُ أن أسحب يدي التي كانت بين يديه، لكنّني لم أستطع.
لأنّ كايرن لم يُفلِت يدي.
“يا دوق…؟”
حين نظرتُ إليه بوجهٍ مرتبك، شعرتُ أخيرًا بأنّ قبضته قد ارتخت قليلًا.
وبين شعورٍ خفيفٍ بالأسف، سحبتُ يدي من يده بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الطبيعيّة.
ثم وقفتُ أنتظر أن يستدير ويرحل، لكن، وعلى عكس توقّعاتي بأنّه سيصعد العربة ويغادر فورًا، لم يُبدِ أيّ نيّةٍ للحركة.
“يا دوق… هل هناك ما تودّ قولهُ لي؟”
لذلك خاطبته بحذر.
“الأسبوع القادم…”
آه، إذًا كان لا يزال لديه ما يقولهُ لي.
فهمتُ الآن سبب عدم عودته فورًا، وارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ هادئة، وأنا أنتظر بقيّة كلامه.
“تعلمين أنّ هناك حفلًا في القصر الإمبراطوريّ الأسبوع القادم، أليس كذلك؟”
“حفل؟”
“نعم.”
“آه، أعلم. إنّه حفل ذكرى ميلاد سموّ الأمير، صحيح؟”
أومأ كايرن برأسه.
لكن، لماذا يتحدّث عن الحفل؟
كايرن لم يكن من الأشخاص الذين يحضرون الحفلات كثيرًا.
فهو مشغولٌ على الدوام، ونادرًا ما يمكث في العاصمة، ووفقًا لما قالته أديليا، لم يكن مهتمًّا أصلًا بالحفلات أو بالمجتمع الأرستقراطيّ.
صحيحٌ أنّه إذا كان الحفل من تنظيم العائلة الإمبراطوريّة، فإنّ النبلاء المقيمين في العاصمة يُؤمَرون بالحضور ما لم يكن لديهم عذرٌ خاصّ، لكنّ كايرن، رغم ذلك، نادرًا ما ظهر في حفلات القصر.
لذا، كنتُ أظنّ أنّه لن يحضر هذه المرّة أيضًا.
‘أنا أيضًا لا أرغب في الذهاب…’
فكرة الحفل من دون كايرن، ومن دون أديليا، جعلتني أفقد أيّ حماسة.
‘سأظهر بوجهي قليلًا ثم أعود سريعًا.’
هكذا فكّرت، على الأقلّ سيكون هناك بعض الوجوه المألوفة، أحيّيهم وأغادر.
وفي تلك اللحظة، سمعتُ صوت كايرن المنخفض.
“سنذهب معًا في ذلك اليوم.”
“نعم؟”
كان تصريحًا غير متوقّعٍ على الإطلاق، أشبه بقنبلةٍ سقطت فجأة، فتعثّرتُ من شدّة الدهشة، لكنّ كايرن أمسك بي بسرعة.
“شكرًا، آه، لكن… هل تقصدني الآن…؟”
وبينما كنتُ أتلجلج والكلمات تتبعثر وأنا لا أزال ممسوكةً من معصمي، كرّر كلماته بأسلوبٍ آخر.
“سآتي لأصطحبكِ في ذلك اليوم، فانتظريني.”
وبينما كان يستدير بعد أن قال ما يريد، بقيتُ أحدّق في ظهره بلا وعي، إلى أن أيقظني صوت جحذ العربةِ المستعدةُ للمغادرةِ.
“يا دوق!”
لم أستطع فهم كلامه إطلاقًا، فبادرتُ إلى مناداته على عجل.
كان على وشك الصعود إلى العربة، فتوقّف أمامها واستدار لينظر إليّ من علٍ.
“هل تقصد، يا دوق، أنّك ستذهب معي إلى هذا الحفل؟”
“نعم.”
في الحقيقة، لم أكن عاجزةً عن فهم كلامهِ بحدّ ذاته.
ما حيّرني هو سبب قوله ذلك، ونيّته من وراء هذا القرار.
لماذا يقرّر كايرن فجأة الذهاب إلى حفلٍ لا يهتمّ به أصلًا، ومعي تحديدًا؟
“أليس لأنّي أنا؟ لكن لا داعي لأن…”
وحين طرحتُ أوّل سببٍ خطر في بالي، رأيتُ التجاعيد تتشكّل بين حاجبيه الوسيمين.
كان واضحًا أنّ إجابتي لم تعجبهُ.
شعرتُ أنّ كلماتي قد تسبّبت في سوء فهمٍ آخر، فسارعتُ بالكلام.
“صحيحٌ أنّني خطيبتكَ، لكن لا داعي لأن تقلق عليّ إلى هذا الحدّ. قد يكون الأمر غريبًا قليلًا من دون أديليا، لكن هناك أشخاصٌ أعرفهم منذ فترة.”
ثم توقّفتُ لحظةً أراقب ردّة فعله.
لكن ملامحه لم تلِن.
لذا شعرتُ أنّه لا بدّ من توضيحٍ أكثر، فسارعتُ بذكر أسماءٍ أعرفها.
“هناك آنسة المركيز هافيس، التي تعرّفتُ إليها منذ أيّام الأكاديميّة، وكذلك الشابّ النبيل لوكاس إيكر، وأنا مقرّبةٌ منهما إلى حدٍّ لا يقلّ عن أديليا. لذلك، إن كنتَ قلقًا عليّ من أن أشعر بالوحدة، فلا داعي، أنا بخيرٍ.”
في الحقيقة، لم يكن أيٌّ منهما مقرّبًا منّي إلى هذا الحدّ.
فالصديقة الوحيدة التي أستطيع أن أسمّيها صديقةً حقًّا كانت أديليا.
لكن من أجل طمأنة كايرن، اضطررتُ إلى شيءٍ من المبالغة.
كنتُ أظنّ أنّه قلقٌ عليّ لأنّني سأحضر الحفل وحدي، لذلك ابتسمتُ له ابتسامةً عريضة وأنا أؤكّد له أنّني بخير.
لكن، وعلى عكس ابتسامتي، بدا أنّ إجابتي لم ترُق له، إذ ازدادت التجاعيد بين حاجبيه حدّة، ثم نطق باسم شخصٍ واحدٍ ممّن ذكرتهم.
“لوكاس إيكر؟”
“نعم؟ نعم، الشابّ النبيل من إيكر…”
آه، يا للمصيبة.
قلتُ أسماء الوجوه التي خطرت في بالي على عجل، ولم أكن أتوقّع أن أذكر لوكاس إيكر أمام كايرن تحديدًا.
كان ذلك خطأً فادحًا منّي.
لهذا السبب كان تعبيره سيّئًا إلى هذا الحدّ؟ بسبب ؟
ثم إنّ كايرن كان يعرف بالأمر إذًا.
“نعم؟ آه، نعم. أنتَ تعرف الشابّ النبيل إيكر، أليس كذلك؟ لقد حضر حفل عيد ميلاد أديليا قبل عامين…”
حاولتُ جاهدَةً أن أصلح الموقف وأنا أتمنّى لو أستطيع ابتلاع كلماتي.
“وكما تعلم، يا دوق، فإنّ أديليا قد تزوّجت الآن، كما أنّ الأمر مضى عليه عامان، فلا بدّ أنّ لوكاس إيكر قد تخلّى عن مشاعره تجاهها. بل، لا بدّ له أن يفعل ذلك!”
وكما قلتُ له، كان لوكاس إيكر، الابن الأكبر لعائلة إيكر الدوقيّة، واحدًا من بين أولئك الذين أحبّوا أديليا يومًا ما.
Chapters
Comments
- 5 - أيّامٌ مختلفةٌ عمّا سبق (1) منذ 3 ساعات
- 4 - كايرن لافيليون (3) منذ 3 ساعات
- 3 - كايرن لافيليون (2) منذ 3 ساعات
- 2 - كايرن لافيليون (1) منذ 4 ساعات
- 1 - زفافُ الشرّيرةِ في العملِ الأصليّ والبطلِ. منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 4"