3 - كايرن لافيليون (2)
‘ما هذا؟’
هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟
لا أظنّ أنّني قلتُ ما قد يزعج كايرن…….
أبعدتُ نظري عنه قليلًا، وحدّقتُ في الفراغ، وبدأتُ أسترجع بهدوء كلّ ما قلته حتى الآن.
لم أستطع أن أواجه ذلك الوجه البارد، القاسي كقطعةِ جليد، بشكلٍ مباشر.
وفي الوقت نفسه، خشيتُ أن يبدو إبعادُ نظري عنه بشكلٍ واضح تصرّفًا يسيء إليه أكثر، فكان هذا حلًّا ظننتُه ذكيًّا بما يكفي.
على أيّ حال، أخذتُ أحرّك عقلي بسرعة، أستعيد الأحداث واحدةً تلو الأخرى، لكن مهما فكّرتُ، لم أجد ما يمكن أن يكون خطأً.
‘لا أفهم. حقًّا لا أفهم.’
يبدو أنّ هذا لن يجدي نفعًا.
أن أكون على انفرادٍ مع الشخص الذي أحبّه سرًّا كان أمرًا جميلًا حقًّا، لكن كثرة الأفكار جعلت رأسي في فوضى عارمةً منذ قليل.
رأيتُ أنّ الأفضل هو أن أبتعدَ عن هذا المكان أوّلًا، ثمّ أفكّر بهدوء لاحقًا، فحرّكتُ عينيّ من جديد.
وفي تلك اللحظة، التقت عيناي الحائرتان بعينيه الباردتين، اللتين كانتا تراقبانني بصمت طوال الوقت.
“يا دوق، أظنّ أنّه ينبغي عليّ أن أذهب الآن.”
تكلّمتُ محاوِلةً أن أبدو طبيعيّةً قدر الإمكان.
“……ستغادرين الآن بالفعل؟”
عند سماعه كلمتي، عقد حاجبيه قليلًا.
“نعم. حين فكّرتُ بالأمر، تذكّرتُ أنّ هناك بعض الأمور التي يجب ترتيبها، وما زالَ لديّ أعمالٌ عليّ إنجازها.”
أسرعتُ بقول ما يجب قوله فقط، كي لا أنجرف مجدّدًا مع إيقاعه.
“وهل هذه الأعمال ممّا يجب إنجازه فورًا؟ إلى درجة أنّكِ مضطرةٌ للمغادرة بهذه العجلة؟”
كان كايرن غريبًا اليوم على نحوٍ غير مألوف.
لم يكن من عادته أن يستجوبني بهذا الإلحاح.
حين أقول إنّني سأغادر، كان دائمًا يسبقني بالانصراف، حتّى لو كان مع أديليا…….
“أعني…….”
لم أتوقّع أن يسألني مجدّدًا، فتلعثمتُ قليلًا، وحاولتُ بسرعة أن أفكّر في أمرٍ أفعله فور عودتي إلى المنزل.
“آه، نسيتُ أن أقدّم لأديليا أحد الهدايا.
إنّه شيءٌ مهمّ، وأودّ أن أرسله إليها في أسرع وقت. أعتقد أنّها ستفرح أكثر إن وجدت الهدية في بيتها الجديد عند وصولها، ولهذا أشعر بالعجلة.”
لم يكن ذلك كذبًا.
فقد نسيتُ بالفعل أحد الأشياء التي أعددتُها هديّةً لزفاف أديليا، وكنتُ أنوي إرساله مع رسالةٍ فور عودتي إلى المنزل.
“……سأوصلكِ.”
“نعم؟ لا، لا داعي لذلكَ…… لا بدّ أنّك مشغول، يمكنني العودةُ بمفردي.”
يبدو أنّ ارتجالي نجح، لكنّ اقتراحه بإيصالي أربكنَي، فابتسمتُ ابتسامةً متكلّفة ورفضتُ بلطف.
غير أنّه ألقى عليّ نظرةً سريعة، ثمّ تجاهل كلماتي تمامًا وبدأ بالتحرّك.
‘آه……’
تنفّستُ في سرّي بعمق، ثمّ تبعته بصمتٍ، إذ لم يكن أمامي خيارٌ آخر.
كانت عربةُ عائلة لافيليون، على عكس عربة عائلتنا، واسعةً من الداخل بشكلٍ ملحوظ.
وبفضل ذلك، استطعتُ أن أترك مسافةً مناسبة بيني وبينه.
ركبنا العربة، وبقينا صامتين طوال الطريق إلى وجهتنا.
هو بطبيعته رجلٌ قليلُ الكلام، لا يتحدّث إلا عند الضرورة، لذا بدا الأمر طبيعيًّا بالنسبة إليه.
أمّا أنا، فلم أكن كذلك.
كنتُ أحبّ الحديث والتواصل مع الآخرين، ولذلك كان هذا الصمت الثقيل مزعجًا لي إلى حدٍّ كبير.
لكنّني الآن كنتُ أكتمُ رغبتي في الكلام بكلّ ما أوتيتُ من قوّة.
فكان لديّ شعورٌ غامض بأنّني إن نطقتُ بكلمةٍ أخرى، فقد أسمع منه شيئًا لا أستطيع تحمّله.
والحمد لله، أنّه بعد أن ركبنا العربة، انشغل بالقراءة ولم يكلّمني أوّلًا.
وأنا بدوري، كنتُ أراقبه خلسةً دون أن يلاحظ.
‘إنّه وسيمٌ حقًّا، بلا مبالغةٍ.’
كانت أديليا ذات جمالٍ لافتٍ، ومن الذين يسرقون الأنظار أينما ذهبوا، لكنّ شقيقها كايرن لم يكن أقلّ منها شأنًا في مظهره.
لو رأى أحدٌ الشقيقين من عائلة لافيليون واقفَين جنبًا إلى جنب، لخرجت من فمه صيحةُ إعجابٍ لا إراديّة.
ملامحهما كانت متشابهةً إلى حدٍّ كبير، لكنّ اختلافًا بسيطًا جعل الإحساس الذي يبعثه كلٌّ منهما مختلفًا تمامًا.
كان شعرُ أديليا أسودَ يميل إلى البنيّ الفاتح، أمّا شعرُ كايرن فكان أسودَ داكنًا، كأنّه قطعةٌ من ليلٍ حالك.
أديليا ورثت عيني والدها، الدوق السابق للافيليون، بلونهما الأزرق، بينما ورث كايرن عن أمّه، الدوقة السابقة، عينيها الحمراوين الواضحتين.
وبينما كنتُ أنظر إليه، وقد تذكّرتُ أديليا فيه، اشتقتُ إلى صديقتي فجأة، رغم أنّ فراقنا لم يمضِ عليه وقتٌ طويل.
‘ماذا سأفعل الآن…….’
كنتُ قد هيّأتُ نفسي جيّدًا، ومع ذلك هاجمتني مشاعرُ الحزن والوحدة دفعةً واحدة، وأنا أفكّر في الأيّام التي سأقضيها من دون أديليا، فانخفض رأسي تلقائيًّا.
شعرتُ بعينيّ تترطّبان من شدّة الكآبة، فشدَدتُ على جفنيّ بقوّة كي لا تنهمر الدموع.
إن بكيتُ هنا، سأضطرّ إلى تبريرٍ طويلٍ لكايرن، وهذا آخرُ ما أريدهُ.
وبينما كنتُ أفتّش في رأسي المزدحم عن فكرةٍ أخرى، خطرت لي فجأة فكرةٌ هزّتني من الداخل.
انتظر لحظة…….
‘لمَ لا…… أذهب إلى مكانٍ قريبٍ من حيث تعيش أديليا، وأقضي أيّامي بهدوء في العناية بحديقة؟’
فكرةُ أن أبتعد عنها هكذا بدت فجأةً أصعب ممّا توقّعت، فلمَ لا أعيش بالقرب منها كما في السابق؟
‘لا.’
لا، هذا غير ممكن.
تماسكتُ بصعوبة، واستعدتُ وعيي.
الآن، صار لأديليا شخصٌ سيقضي معها عمرها كاملًا.
مهما اشتقتُ إليها، لا يحقّ لي أن أتدخّل في حياة زوجيْن قد بدأ لتوهِ فصلٌ جديدٌ من حياتهما.
كنّا دائمًا معًا ما لم يحدث أمرٌ استثنائيّ، واعتبرنا ذلك أمرًا طبيعيًّا، لكنّ الوقت حان ليعيش كلٌّ منّا حياته الخاصّة.
‘حياتي أنا.’
حين فكّرتُ بالأمر، أدركتُ أنّني لم أفكّر يومًا بجدّية فيما سأفعله بعد تخرّجي من الأكاديميّة.
كنتُ أعتقد ببساطة أنّ أديليا ستكون دائمًا إلى جانبي، أيًّا كان ما سأفعله في المستقبل.
لكنّ الأمر لم يعد كذلك.
فماذا عن مستقبلي أنا……؟
نظرتُ إلى كايرن دون وعي، ثمّ أدرتُ رأسي بسرعة.
خشيتُ أن تلتقي أعيننا، لكنّه كان ما يزال غارقًا في كتابه.
تنفّستُ الصعداء، وواصلتُ التفكير.
في الحقيقة، بالنسبة إلى فتاةٍ نبيلة، لم يكن هناك سوى طريقٍ واحدٍ واضح للمستقبل.
الزواج من رجلٍ من عائلةٍ نبيلة، وإنجاب وريث.
وقد يرى الآخرون أنّ هذا هو مستقبلي أنا أيضًا.
ففي النهاية، لديّ خطيبٌ رائعٌ يتمناه الكثيرون.
لكنّ خطوبتي من كايرن لم تكن عاديّة.
لم يكن زواجَ مصلحة، ولا عقدًا سياسيًّا، بل مجرّد خطوبةٍ نشأت من طيبته ورغبته في حمايتي.
ولهذا السبب، في بعض الصور التي تخيّلتُها عن مستقبلي…… لم يكن هو موجودًا أبدًا.
بل، لم يكن ينبغي له أن يكون موجودًا.
فمشاعري من طرفٍ واحد، التي وُلدت من إحسانه، كان حدّها هناك فقط.
‘آه…….’
كان حبًّا حزينًا إلى حدٍّ مؤلم، لكن مهما بلغ حبّي له، إن لم تكن مشاعره نحوي مماثلة، فالتخلّي هو الخيارُ الصحيح.
سيؤلمني ذلك لاحقًا، لكنّني كنتُ أتمنّى له من قلبي أن يلتقي امرأةً صالحة.
ولهذا، كنتُ أفكّر في طلب فسخ الخطوبة.
كنتُ أعلم أنّه لن يبادر إلى ذلك أبدًا، ولهذا رأيتُ أنّه أقلّ ما يمكنني فعله، أنا التي حماني من أجلها.
تمّت خطوبتنا حين كنتُ في الرابعة عشرة، وكان كايرن في العشرين.
في العام الذي بلغتُ فيه الرابعة عشرة، فقدتُ والديّ في حادثِ عربة.
كنتُ معهم في العربة نفسها، لكنّهما توفّيا، ونجوتُ أنا وحدي، بمعجزة.
كان ذلك بفضل أمّي، التي احتضنتني وحمتني بجسدها حين انقلبت العربة.
لكنّ فقدان والديّ لم يكن وحده ما بقي لي.
فإلى جانب لقب النبل، كانت عائلتنا، عائلة البارون، تعاني من نقصٍ حادّ في المال، وكانت هناك ديونٌ كثيرة اقترضها والداي من هنا وهناك.
بعد ذلك، خاف الأقارب من أن تنتقل تلك الديون إليهم، فراحوا يحاولون بأيّ وسيلةٍ أن يزوّجوني إلى عائلةٍ ثريّة.
إلى درجة أنّهم طمعوا حتّى في إرسالي زوجةً ثانيةً لمركيزٍ عجوزٍ ثريّ.
ولحسن الحظ، لم ينجحوا في ذلك، لكنّني كنتُ أعلم أنّ مثل هذه المخاطر ستلاحقني باستمرار.
وفي يومٍ كنتُ أرتجف فيه قلقًا، لا أدري ماذا أفعل، زارني كايرن وأديليا.
كان الشقيقان قد فقدا والديهما قبلي، وبقيا وحدهما.
ورغم صغر سنّه، كان كايرن، في العشرين من عمره، يقود دوقيّة لافيليون بحزمٍ واقتدارٍ جعل باقي النبلاء لا يجرؤون على الاستهانة به.
ما زلتُ أتذكّر ذلك اليوم بوضوح.
يومًا لا يمكنني نسيانه أبدًا، يومًا يجب ألّا يُنسى، حتّى لو هدّدني أحدهم بسيفه وأمرني أن أنساه.
Chapters
Comments
- 5 - أيّامٌ مختلفةٌ عمّا سبق (1) منذ ساعة واحدة
- 4 - كايرن لافيليون (3) منذ ساعتين
- 3 - كايرن لافيليون (2) منذ ساعتين
- 2 - كايرن لافيليون (1) منذ ساعتين
- 1 - زفافُ الشرّيرةِ في العملِ الأصليّ والبطلِ. منذ ساعتين
التعليقات لهذا الفصل " 3"