2 - كايرن لافيليون (1)
كان معظم حديثنا يدور حول أديليا، فهي الاهتمامُ المشتركُ الوحيد بيني وبينه.
كنتُ حين أتكلّم، يجيب هو بإجاباتٍ قصيرة، أو يكتفي بهزّ رأسه كما فعل قبل قليل.
وفي الحقيقة، كان هذا الحوارُ الثنائيّ بيننا أقربَ ما يكون إلى الأوّل من نوعه.
ففي العادة، كانت أديليا دائمًا إلى جانبي، وكان كايرن يوجّه كلامه لأخته، ثمّ يضيف بضع كلماتٍ عابرةٍ لي وأنا إلى جوارها.
لذلك، كان وجودي معه في المكان نفسه من دون أديليا، والتحدّث إليه، أمرًا يبعث على شيءٍ من الحرج.
لكن، ومع تبادل الحديث على مهلٍ في أمورٍ متفرّقة، بدأت مشاعرٌ كنتُ قد تخلّيتُ عنها منذ زمنٍ بعيد تعود إلى الحياة شيئًا فشيئًا.
وربّما لهذا السبب، وبدون أن أشعر، ظللتُ أُكثرُ من كلامي، إلى أن خطرَت في ذهني فجأة فكرةٌ نطقتُ بها على غير تفكير.
“لكن في الحقيقة، مع أنّني قلتُ للدوق إنّني بكيتُ من شدّة الفرح، إلّا أنّ مشاعرَ الحزن كانت ممزوجةً بذلك أيضًا.”
كان منظرُ أديليا وهي سعيدةٌ بعدما أصبحت سيّدةَ بيتِ كرايتن مفرحًا، كما أنّني كنتُ أتطلّع إلى مستقبلها الهادئ مع كاليكس.
منذ أن أدركتُ حقيقة هذا العالم، عشتُ وأنا أركّز فقط على سعادةِ صديقتي الوحيدة، ولهذا شعرتُ براحةٍ كبيرة، وفي الوقت نفسه بإحساسٍ بالفراغ في زاويةٍ من قلبي.
وعند التفكير في الأمر بهدوء، كان من الطبيعيّ أن أشعر بمثل هذه المشاعر.
فنحن لم نفترق منذ طفولتنا، وكبرنا معًا دائمًا.
ولا سيّما أنّ علاقتنا كانت أوثق لأنّ والدَينا كانا مقرّبين جدًّا.
عائلةُ لافيليون كانت عائلةَ دوقٍ ذاتَ شأنٍ رفيع، بينما كانت عائلتُنا مجرّد عائلةِ بارونٍ صغيرة، ومع ذلك لم يكن لهذا أيّ تأثير، فقد كانت الصداقةُ بين الكبار عميقةً وصادقة.
وبسبب ذلك، أصبحتُ أنا وأديليا أقربَ صديقتين لبعضنا البعض.
لكنّني سمعتُ أنّ عائلة كاليكس والتي هي عائلة كرايتن، تقضي معظم وقتها في الإقليم بدلًا من العاصمة.
ولهذا، لن أتمكّن من رؤية أديليا كثيرًا كما في السابق.
وحين وصل تفكيري إلى هذه النقطة، تسلّل حزنٌ خفيف إلى قلبي.
“……ألم تقولي قبل قليل إنّكِ سعيدة؟”
مع كلماتي، تغيّر صوته فجأة، بعدما كان هادئًا متّزنًا بلا نبرةٍ واضحة، وكأنّه سمع شيئًا لم يكن يتوقّعه.
وفي لحظة، صار بريقُ عيني كايرن حادًّا، وشعرتُ بوضوحٍ أنّ الجوّ من حوله أصبح مشحونًا.
طوال معرفتي به، لم أره يومًا تتقلّب مشاعره بهذه السرعة، ولهذا توقّفتُ قليلًا أراقب تعابير وجهه بحذر.
كان ينظر إليّ نظرةً ثابتة، بعينين لا أستطيع فهم ما فيهما.
كان ذلك غريبًا ومربكًا، لكن بما أنّ اليوم يومٌ مميّز، قرّرتُ أن أتقبّل الأمر على طبيعته.
فزواجُ أديليا حدثٌ ذو معنى كبير، ليس لي وحدي، بل لكايرن أيضًا.
بل ربّما كان حزنه أكبر من حزني.
فها هي شقيقته الوحيدة تغادر، ويَبقى هو وحده في دوقيّة لافيليون.
ومع استشعاري لمشاعره تلك، فتحتُ فمي مجدّدًا.
“لن أتمكّن من رؤية أديليا كثيرًا كما في السابق. كما أنّه سيكون من الصعب عليّ زيارة قصر الدوق من دون وجود أديليا.”
كان قصرُ دوقيّة لافيليون يضمّ حديقةً بالغةَ الجمال، وكان منظرُ السماء منها رائعًا أيضًا.
إلى درجة أنّ كلّ من زار القصر أجمع على الإشادة بجمالها.
‘حتى إنّ معظم من يزورون الحديقة مرّةً واحدة، يبدأون بحجز الشايّ أو أكياس العطر المصنوعة من أزهارها في كلّ موسم.’
كنتُ أجلس أحيانًا على مقعدٍ في تلك الحديقة المليئة بأزهارٍ متنوّعة الألوان، أحدّق في الشفق الذي يصبغ السماء باللون الأحمر، وأتمنّى في قلبي أن تدوم أيّامُ السكينة هذه.
وفوق كلّ ذلك، كانت تلك الحديقة من الأماكن التي تولّيتُ العنايةَ بها بنفسي، بإذن العائلة، لأنّني أحبّ الزهورَ والنباتات.
ولهذا، كنتُ أعتزّ بتلك الحديقة كثيرًا.
“هل…… يمكنكَ أن تتركَ لي أمرَ العناية بتلك الحديقة في المستقبل أيضًا؟”
سألتُه، وأنا أنظر إليه بعينين لامعتين وقد جفّت دموعي.
في الحقيقة، أردتُ أن أقول إنّني أودّ الاستمرار في رعاية الحديقة، لكنّ الكلمات لم تسعفني.
خشيتُ أن يضيق ذرعًا بي، وأن يرى في قدومي عبئًا ما دامت أديليا لم تعد موجودة.
“لماذا…….”
“نعم؟”
“أنتِ خطيبتي، فلماذا تطلبين منّي الإذن للمجيء إلى قصر الدوق؟”
كانت نظرتُه وهو يقول ذلك تحمل شيئًا يشبه الجرح، فظللتُ أنظر إليه للحظاتٍ بشعورٍ من الحيرة.
وفي تلك اللحظة……
“هيلينا.”
ما إن نطق اسمي، حتى فرغ ذهني تمامًا، بعد أن كان مشغولًا بمحاولة فهم كلامه السابق.
تمتمتُ بصوتٍ شارد، وكأنّني فقدتُ وعيي.
“هل…… ناديتني باسمي الآن……؟”
لقد قال اسمي، هيلينا.
على الرغم من أنّني عرفتُ كايرن منذ طفولتي، لم ينادني باسمي مرّةً واحدة من قبل.
كان يناديني دائمًا بـ”الآنسة روزينتيا”.
وحتى هذا اللقب، نادرًا ما خرج من فمه.
ولهذا، كنتُ أعتقد أنّ بيني وبينه حدًّا لا يمكن تجاوزه، ومساحةً خاصّة لا يجوز انتهاكها.
فبين النبلاء، مناداةُ الاسم الأوّل أمرٌ لا يحدث إلّا بين علاقاتٍ مقرّبة جدًّا، كالعلاقة بيني وبين أديليا.
وهو أمرٌ لا يمكن أن يحدث أبدًا بينه وبيني، نحن اللذين لا يجمعنا سوى ارتباطٍ شكليّ بالخطوبة……
لكن……
في اللحظة التي نطق فيها اسمي، شعرتُ وكأنّ شيئًا ما انكسر بيننا.
“هيلينا.”
ناداني باسمي مرّةً أخرى، وكأنّه يؤكّد لي أنّ ما سمعته لم يكن وهمًا.
“آه، نعم، أعني…… صحيح، أنا هيلينا. لكن الدوق…….”
كِدتُ أسترسل بالكلام، ثمّ استفقتُ فجأةً، وابتلعتُ بقيّة عبارتي.
لأنّني أدركتُ أيّ مظهرٍ أبدو عليه الآن، وكيف أتحدّث.
‘تخبّطٌتُ وتلعثمتُ، ما الذي أفعلهُ بحقّ السماء؟’
إن بالغتُ في ردّة فعلي هكذا لمجرّد أنّه ناداني باسمي، فقد يظنّني غريبة الأطوار.
ولم أرد أبدًا أن أبدو كذلك في نظره.
سارعتُ إلى ترتيب أفكاري، وهدّأتُ قلبي، وحاولتُ أن أتصرف كما أفعل عادةً.
“أعتذر، يا دوق. هذه أوّل مرّة تناديني باسمي، لذا تفاجأتُ قليلًا…….”
رفعتُ زاوية فمي بابتسامةٍ محرجة، ونظرتُ إليه.
“هل مناداتي لكِ باسمكِ تزعجكِ إلى هذا الحدّ؟”
“لا، لا أبدًا! ليس هذا المقصود. لكنّ الاسم يُنادى به عادةً بين المقرّبين.”
إلّا أنّني كنتُ قد انجرفتُ بالفعل مع إيقاعه، فأيّ كلمةٍ تصدر منه كانت تزيد ارتباكي.
وعندما رأيتُ حاجبَي كايرن ينقبضان قليلًا بسبب ما قلته، عضضتُ على شفتي بشعورٍ بالحرج.
“آه، لا أعني أنّه لا يجوز لك مناداتي باسمي. بل على العكس، أنتَ شخصٌ مهمٌّ وعزيزٌ عليّ، بقدر أديليا تمامًا.”
“……شخصٌ مهمّ وعزيز؟”
“نعم. لذا رجاءً لا تسيء الفهم. لم أقصد أنّ سماع اسمي منك أمرٌ غير مرغوب فيه.”
حاولتُ جاهدًة أن أوصل قصدي ببساطةٍ.
وفي الوقت نفسه، كنتُ أراقب تعابير وجهه بحذر.
بعيدًا عن خوفي من انكشاف مشاعري، كنتُ أكره فكرة أن يسيء فهمي فيتأذّى.
صحيح أنّ تصوّر تعرّض كايرن للأذى على يد أحدٍ أمرٌ يصعب تخيّله، لكن لحسن الحظ، بدا أنّ صدقي وصل إليه، فعاد وجهه إلى حياده المعتاد.
“إذًا…….”
خفق قلبي بقوّة فجأة.
بعد سلسلة المفاجآت هذه، انتظرتُ كلماته التالية بشيءٍ من التوتّر.
“هل يمكنني أن أعتبر أنّني سأراكِ كثيرًا في القصر من الآن فصاعدًا؟”
“نعم؟”
لماذا توصّل إلى هذا الاستنتاج؟
كِدتُ أسأله ذلك، لكنّني تمالكتُ نفسي وأغلقتُ فمي.
“حتى لو لم تعد أديليا هنا، فأنتِ ما زلتِ خطيبتي، أليس من الطبيعيّ أن تزوري القصر كثيرًا؟”
“آه…… نعم، هذا صحيح. بما أنّنا مخطوبان…….”
“إذًا، إن أردتِ القدوم إلى الحديقة، فافعلي ذلك متى شئتِ. لا حاجة لطلب الإذن منّي.”
“حقًّا؟”
ما إن قال إنّه يمكنني الذهاب إلى الحديقة متى شئت، حتى ارتفع صوتي بحماسٍ دون أن أشعر.
لقد جاء أخيرًا الجوابُ عن سؤالي السابق.
“تلك الحديقة من صنعكِ ورعايتكِ، ومن الطبيعيّ أن يكون الأمر كذلك.”
أومأ كايرن برأسه بخفّة، من دون أن يرفع نظره عنّي.
“شكرًا جزيلًا، يا دوق. حتّى إن زرتُ القصر، سأهتمّ بالحديقة فقط. لن أزعجك أو أتسبّب بأيّ إرباكٍ، فلا تقلق.”
إذًا، كان يعلم أنّني أنا من أتولّى رعاية الحديقة.
مجرّد معرفتي بأنّه على درايةٍ بذلك جعل مزاجي يتحسّن كثيرًا، فابتسمتُ له ابتسامةً مشرقة وأنا أشكرهُ.
ثمّ شرحتُ له كيف سأتصرف مستقبلًا لأطمئنه.
لكن، لماذا مجدّدًا…….
‘حقًّا، لا يمكن توقّع شيءٍ اليوم.’
هو أصلًا شخصٌ يصعب فهم ما يدور في ذهنه، لكنّ الأمر اليوم بدا أشدّ غرابة.
لماذا أصبحت ملامحه باردةً فجأةً مرّةً أخرى……؟
Chapters
Comments
- 5 - أيّامٌ مختلفةٌ عمّا سبق (1) منذ ساعة واحدة
- 4 - كايرن لافيليون (3) منذ ساعتين
- 3 - كايرن لافيليون (2) منذ ساعتين
- 2 - كايرن لافيليون (1) منذ ساعتين
- 1 - زفافُ الشرّيرةِ في العملِ الأصليّ والبطلِ. منذ ساعتين
التعليقات لهذا الفصل " 2"