1 - زفافُ الشرّيرةِ في العملِ الأصليّ والبطلِ.
“شكرًا لكِ، هيلينا. كلُّ هذا بفضلكِ.”
بعد انتهاء حفلِ زفافِ أديليا وكاليكس، وقبل أن تصعدَ إلى العربةِ متّجهةً إلى إقليمِها، عانقتني أديليا وعبّرت لي عن امتنانها.
“يجب أن تكوني سعيدة. مفهوم؟”
“نعم. بالتأكيد سأكون. وأنتِ أيضًا، هيلينا…….”
توقّفت أديليا عن الكلام، وحدّقت للحظةٍ في مكانٍ ما.
ثمّ عادت فالتقت عينانا، وابتسمت ابتسامةً مشرقة، وتابعت كلامها.
“أتمنّى أن تصبحي سعيدةً حقًّا مع الشخصِ الذي تحبّينه. أنتِ تفهمين قصدي، أليس كذلك؟”
الشخصُ الذي أحبّه…….
للأسف، الشخصُ الذي أحبّه لم يكن يحبّني.
ولهذا، كان من الواضح أنّ أمنية أديليا، وكذلك أمنيتي، لن تتحقّق أبدًا.
لكن…….
‘لا داعي لأن أقول مثل هذا الكلام لأديليا، التي تقف الآن على أعتابِ بدايةٍ جديدة.’
“نعم، بالطبع. لذلك ركّزي فقط على حياةِ زواجكِ السعيد مع كاليكس.”
أومأتُ برأسي بخفّة، وابتسمتُ لها بابتسامةٍ لطيفة.
“إذًا، سأغادر الآن. اعتني بنفسكِ.”
“كوني بأمانٍ، أديليا.”
ومع انتهاءِ كلماتِ الوداع الأخيرة، انطلقت العربةُ التي تقلّ أديليا وكاليكس.
وبينما كنتُ أحدّق بشرودٍ في مؤخرةِ العربةِ المسرعة، متمنّيةً السعادةَ لصديقتي، انهمرت دمعةٌ صغيرة من عيني دون أن أشعر.
‘لم أكن لأصدّق أنّني سأتمكّن فعلًا من تغيير المستقبل…….’
بصراحة، في البداية لم أكن واثقةً من أنّ هذه الخطة ستنجح.
فهذا المكان كان عالمَ روايةٍ قد كُتبت نهايتُها سلفًا.
في أحدِ أيّامِ عامي الثامن عشر، بعد أن عشتُ حياةً عاديّةً للغاية، استيقظتُ من نومي لأدرك فجأةً حقيقةً صادمة.
أنّني وُلدتُ من جديد داخل عالمِ رواية.
وبمجرّد أن أدركتُ تلك الحقيقة، بدأتُ على الفور بجمعِ القصص والأخبار المتناقلة في الصحف وعلى ألسنةِ الناس، وشرعتُ أبحث في هذا العالم.
وهكذا توصّلتُ إلى حقيقةٍ واحدة.
وهي أنّ للشخصيّاتِ الرئيسيّة في الرواية مصيرًا محدّدًا لا محيد عنه.
بالطبع، لم يكونوا مجرّد دمى مسرحيّة تردّد حواراتٍ محدّدة وتقوم بأفعالٍ مقرّرة سلفًا.
لكنّهم، في المقابل، لم يظهروا سلوكًا يناقضُ أحداثَ العملِ الأصليّ تمامًا.
أمّا أنا، فكنتُ مختلفة.
كنتُ مجرّد شخصيةٍ ثانويّة، لا حوارَ لها، لا يُذكر اسمُها في الكتاب إلا باعتبارها صديقةَ الشرّيرة.
في البداية شعرتُ بخيبةِ أملٍ طفيفة لأنّني لم أكن بطلةَ القصّة، لكنّ هذا الشعور تغيّر بعدما بدأتُ أبحث في هذا العالم.
بل على العكس، لكوني شخصًا عديمَ الأهميّة تقريبًا في العملِ الأصليّ، صار بإمكاني أن أحقّق الحياةَ التي أرجوها والأهدافَ التي أطمح إليها إن أردتُ.
ولهذا، ولو كان الأمر بيدي وحدي، لذهبتُ إلى مكانٍ بعيدٍ عن العاصمة، وعشتُ حياةً آمنةً، دون أيّ تدخّلٍ في مجريات الرواية، أبحث فيها عن سعادتي فقط.
لكنّ مجرى القصّة ، قيّدني.
فحقيقةُ أنّ صديقتي المقرّبة أديليا، التي لم تجمعني بها رابطةُ دمٍ لكنها كانت كالعائلةِ الحقيقية، ستُتّهم ظلمًا وتُقتل باعتبارها شرّيرة، منعتني من المضيّ قدمًا.
وفوق ذلك، كان هناك أيضًا المصيرُ الذي ينتظر الإمبراطوريّة، التي ستقع في أتونِ حربٍ طاحنة، وأخوها الوحيد، وخطيبي أنا، كايرن، الذي سيفقد حياته.
قد يظنّ القرّاءُ الذين اعتادوا على هذا النوع من القصص أنّ كلّ شيءٍ سينحلّ بمجرد منعِ الحدثِ الذي يجعل أديليا تُتّهم بالشرّ.
لكن للأسف، سواء كان ذلك قدرًا محتومًا أم مجرّد عبثٍ من عبثِ الرواية، كانت أديليا، منذ اللحظةِ التي أدركتُ فيها حقيقةَ وجودي، منجذبةً بقوّةٍ إلى بطلِ العملِ الأصليّ، كاليكس كرايتن.
ومنذ أن وقعت في حبّه، لم تتحدّث أديليا عن شيءٍ سوى كاليكس طوال اليوم.
وأنا أراقبها، أدركتُ مرّةً أخرى مدى القوّةِ الهائلة التي تمتلكها الرواية في توجيهِ مصائرِ شخصيّاتها.
ولو بقيتُ متفرّجةً فقط، لكان مستقبلُ حتمًا كما كُتب في الأصل.
‘لا يمكنني أن أسمح لأديليا، ولا لعائلةِ لافيليون، بأن يسيروا في الطريقِ نفسه مرّةً أخرى.’
كان معنى الشقيقين لافيليون بالنسبة لي عميقًا وخاصًّا.
بعد وفاةِ والديّ في حادثٍ مفاجئ، حين كنتُ عاجزةً عن فعلِ أيّ شيء، هم من أنقذني، وأنقذوا عائلتي، وأوصلوني إلى ما أنا عليه الآن.
من أجل مستقبلٍ آخر لأديليا، بدأتُ أستعيدُ أحداثَ الرواية في ذهني، وأضع الخططَ واحدةً تلو الأخرى بهدوء.
ولحسنِ الحظ، لأنّ أحداثَ العملِ الأصليّ لم تكن قد بدأت بعد، استطاعت خطّتي أن تُحدث فرقًا كبيرًا، وتغيّر علاقةَ أديليا وكاليكس إلى مسارٍ إيجابيّ، مختلفٍ عمّا كُتب في الأصل.
‘كلّ ما فعلتُه هو منعُ بعضِ سوء الفهم، وجعلُهما يلتقيان أكثر فحسب.’
قد يبدو السببُ بسيطًا، لكنّه كان كافيًا لأن تنمو مشاعرُهما تجاه بعضهما البعض.
والآن، كنتُ أقف هناك، أراقب رحيلهما، ودموعُ الارتياحِ والفرح تختلط في عيني.
وفي تلك اللحظة……
شعرتُ بوجودِ شخصٍ قريب، وبينما كانت رؤيتي تزدادُ ضبابيّة، رأيتُ منديلًا يوضع أمامي، بينما كان محمولاً فوقَ يدٍ كبيرةٍ ذات مفاصلَ بارزة.
كان المنديلُ الأبيض ناصعًا، مطويًّا بإتقانٍ دون أدنى فوضى.
مسحتُ عيني بسرعة، ثمّ رفعتُ رأسي لأرى من قدّم لي المنديل.
‘آه…….’
وجهٌ وسيمٌ مألوف دخل مجالَ بصري.
كايرن لافيليون.
شقيقُ أديليا الأكبر، وربُّ أسرةِ دوقيّةِ لافيليون، الذي كان يجوبُ ساحاتِ القتال منذ ما قبل بلوغه سنّ الرشد، بمهاراتِه الفذّة في المبارزة.
الجيشُ الذي قاده لم يعرف سوى النصر، حتى أصبح اسمه وحده باعثًا للرعب في نفوسِ الدولِ المجاورة.
ولهذا، كان شعبُ الإمبراطوريّة يكنّ احترامًا وثقةً لكايرن وعائلةِ لافيليون، تفوق مما يُكنُّنهُ للأسرةِ الإمبراطوريّة نفسها.
وكان هو أيضًا الشخصَ الذي أحببتُه من طرفٍ واحد، والذي قبل أن يكون خطيبي من أجل حمايتي.
لكن…….
‘هناك شيءٌ غريب في الجوّ…….’
نظرتُ إلى عينيه الباردتين، وإلى شفتيه المشدودتين بإحكام، ولم يبدُ أنّ مزاجه كان جيّدًا.
في يومٍ سعيدٍ كهذا، هل حدث شيءٌ ما؟ ما به؟
“شكرًا لكَ، يا دوق.”
دفنتُ قلقي عميقًا في قلبي، وأخذتُ المنديلَ الذي ناولني إيّاه.
“……لماذا تبكين؟”
“ماذا؟”
بينما كنتُ أمسحُ عيني، سمعتُ صوته الهادئ، المنخفض، الذي يليق بمظهره تمامًا، يرنّ قرب أذني.
وكان صوته أكثر هدوءًا من المعتاد، على نحوٍ يوحي بأنّ مزاجه لم يكن عاديًا.
وبينما كنتُ أحدّق فيه دون أن أفهم معنى سؤاله فورًا، سألني مرّةً أخرى.
“سألتُ لماذا تبكي خطيبتي الآن.”
حينها فقط فهمتُ قصده.
مسحتُ ما تبقّى من دموعي، ثمّ ابتسمتُ له وأجبت.
“من شدّة الفرح. كنتُ أبكي لأنّني سعيدةٌ.”
لم تكن دموعَ حزن، بل دموعَ فرحٍ صادق.
لم أعد مضطرةً للقلق من أن تفقدَ صديقتي الوحيدةَ حياتها بسبب حبٍّ من طرفٍ واحد وغيرةٍ عمياء.
وفي يومٍ سعيدٍ كهذا، لا بأس أن تفيض الدموع قليلًا.
لكن يبدو أنّ كلامي لم يقنعه، إذ شعرتُ بنظراتِ كايرن الغريبة تحدّق بي.
“سعيدةٌ؟”
“نعم. بالطبع أنا سعيدة. لقد تزوّجت أديليا من الشخصِ الذي أحبّته بكلّ قلبها. وأنا حقًّا…….”
آه، كدتُ أبكي مرّةً أخرى.
لم أكن عادةً بهذا القدر من الحساسيّة، لكنّ مشاعري اليوم كانت عصيّةً على السيطرة.
“أتمنّى من قلبي أن تعيش أديليا وكاليكس بسعادةٍ طوال حياتهما. أعرف كم يحبّ كلٌّ منهما الآخر، لذلك لا أشعر بالقلق.”
قلتُ ذلك، ثمّ ابتسمتُ لكايرن ابتسامةً عريضة.
“أنا كنتُ أظنّ أنّكِ…….”
“نعم؟”
“لا، لا شيء.”
توقّف عن الكلام فجأة، وأغلق فمه وكأنّه لا ينوي المتابعة.
ولأنّني كنتُ أعلم كم هو قليلُ الكلام بطبعهِ، لم ألحّ عليه بالسؤال.
لكنّي لاحظتُ أنّ ملامحه، التي كانت متصلّبةً قبل قليل، قد لانت شيئًا ما.
‘هل كان منزعجًا من رؤيتي أبكي؟’
على الأرجح، لكوني صديقةَ شقيقته المقرّبة وخطيبتهُ الأسميةَ منذ زمن، أقلقهُ منظري.
فرغم برودهِ الظاهريّ، كان في داخلهِ شخصًا لطيفًا ودقيقَ الملاحظة.
يكفي أنّه ظلّ خطيبي طوال هذه السنوات ليحميني.
بقدراته الفائقة، ووسامته، وقلبه الحنون الذي يهبُه للآخرين، ربما كان من المستحيل منذ البدايةِ ألّا أقع في حبّ رجلٍ كهذا.
“أنتَ أيضًا سعيدٌ بزواج أديليا من الشخصِ الذي تحبّه، أليس كذلك يا دوق؟”
أومأ كايرن برأسه إيماءةً خفيفة، وبعدها وقفنا جنبًا إلى جنب، نتبادل حديثًا قصيرًا.
Chapters
Comments
- 5 - أيّامٌ مختلفةٌ عمّا سبق (1) منذ 3 ساعات
- 4 - كايرن لافيليون (3) منذ 3 ساعات
- 3 - كايرن لافيليون (2) منذ 3 ساعات
- 2 - كايرن لافيليون (1) منذ 4 ساعات
- 1 - زفافُ الشرّيرةِ في العملِ الأصليّ والبطلِ. منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"