“أتذكر يا سيدي، حين أخبرتك فجر ذلك اليوم الذي ذهبت فيه مع الآنسة بليندا إلى غابة الحاجز، بأنني ربما قابلت وحشًا؟”
لم يُجب سيزار، لكن ليو استطرد في حديثه بهدوء:
“آنذاك، ظننتُه وحشًا، لكنني الآن لم أعُد متأكدًا.. فذلك الكائن لمس وجنتي برقة بينما كنتُ مختبئًا خلف الستار، تمامًا كما فعلتَ أنتَ بي للتو، لذا، إن كان ذلك الشخص هو والدي…”
توقف ليو عن الكلام للحظة، ثم أمال رأسه إلى الخلف ليتأمل لوحة والده المعلقة فوقه.
في البداية، بدا له وجه والده غريبًا وبعيدًا، ولكن بعد سماع قصص سيزار، صار يشعر بألفة تجاهه وكأنه صديق طفولة قديم.
حينها فقط، استطاع ليو أن يبتسم في وجه لوحة والديه، ابتسامة مشرقة حفرت غمازتيه في وجنتيه الصغيرتين:
“لقد عبر لي عن حبه الدائم بطريقته الخاصة.. وهذا وحده يكفيني.”
ما إن أنهى ليو كلماته حتى خيّم صمت ثقيل ومهيب على أرجاء غرفة البجعة السوداء.
ظل سيزار يحدق في لوحة ثيودور بصمت، متتبعًا نظرات الصغير، ثم نبس أخيرًا:
“ليو، حان الوقت لتعرف كيف كانت نهاية والديك.”
اتخذ قراره وهو يحدق في وجه ابن أخيه الذي تراقصت عليه أضواء المصابيح السحرية.
كانت بليندا قد عهدت إليه بمهمة إخبار ليو بكل ما حدث قبل ست سنوات؛ وهي بذلك قد تركت له حرية التقرير في كيفية نقل حقيقة موت ثيودور وخطاياه.
“قد تكون هذه الحقيقة عبئاً ثقيلاً يفوق طاقتك على الاحتمال، وربما.. ربما ينتهي بك الأمر إلى كراهيتي حين تعلم بها.”
في الواقع، حتى لحظة دخوله هذه الغرفة، كان سيزار يميل إلى كتمان الحقيقة عن ليو.
كان ينوي إخباره بما شاع بين الناس؛ بأنه كان طاغية أحمق وجانيًا تلطخت يداه بدماء عائلته.
‘أخي.. في النهاية، لم تخطئ أبدًا في ظنك.’
أدرك سيزار الآن فقط المعنى السامي للحب الذي كان ثيودور يتحدث عنه.
لا يمكن إنكار أن ثيودور قد استسلم تمامًا للعنة الوحش؛ تلك الروح التي تشوه مظهرها الخارجي لم يكن يغلي فيها سوى الحقد والرغبة في القتل، ولم يكن هناك سبيل لإيقاف جنونها سوى انتزاع حياتها.
“أنا أؤمن بما كُتب في هذا الكتاب.. بأن الحب الحقيقي وحده هو ما سيحررنا من قيود اللعنة.”
وكما تقول تلك الكلمات، استطاع ثيودور للحظة خاطفة أن يتغلب على لعنة الوحش، ليوصل مشاعره الأخيرة إلى ليو.
أدرك سيزار أن نقل الأكاذيب للصغير سيكون بمثابة دهس لتلك المشاعر الصادقة.
وعلم أيضًا أن تلك اللمسة التي مرت على وجنته هو الآخر، بعد أن غرس سيفه في قلب شقيقه، لم تكن مجرد محض صدفة.
في النهاية، كان سيزار نفسه هو من عجز عن قبول النهاية المأساوية لثيودور حتى الرمق الأخير.
أمسك سيزار بيد الطفل الصغيرة التي كانت أضعف من أن تحمل وقر الحقيقة، وقال بنبرة هادئة ورصينة:
“لقد كان والدك، وأخي الأكبر، رجلاً نبيلاً وعظيماً بحق، لكن قوة عائلة بالواستين لم تكن رحيمة بالجميع.”
رغم أن ثيودور كان يمتلك قلبًا أقوى من أي شخص آخر، إلا أن قوته السحرية لم تكن بنفس الصلابة.. ولعل هذا كان مكمن المأساة وبدايتها.
واستمر سيزار في قصّ حكايته، ولم تنتهِ الكلمات إلا بعد أن غربت الشمس وتعمق الليل في عتمته.
في وقت متأخر من الليل، فُتح باب غرفة البجعة السوداء الذي ظل مغلقاً طويلاً منذ أن دخله سيزار وليو.
خرج سيزار حاملاً ليو الغارق في النوم بين ذراعيه، وبينما كان يغادر الغرفة المفعمة بعبق الماضي، توقف فجأة مصدومًا.
كانت بليندا هناك، بملابسها التي لم تبدلها منذ دخولهما، تنتظرهما في مكانها.
سارع سيزار نحوها متسائلاً بنبرة قلقة:
“آنسة، ألم تنامي بعد…؟”
رفعت بليندا سبابتها نحو شفتيها تطلب منه الصمت، مشيرةً إلى ليو لئلا يوقظه صوته الجهير.
صمت سيزار على الفور، فأومأت إليه بليندا بأطراف أصابعها أن يحني رأسه نحوها.
تصلب جسد سيزار في مكانه، بينما وقفت بليندا على أطراف أصابعها لتتمكن من ضمه بشكل أفضل، وهمست في أذنه بصوت خافت جداً:
“لقد أحسنت.. شكرًا لك.”
تلك الكلمات البسيطة كانت كفيلة بتحطيم قناع البرود الذي حافظ عليه سيزار طوال الوقت.
سقط رأسه فوق كتف بليندا بإعياء شديد، وبدا وجهه مثقلاً بتعب مضنٍ يكفي لجعله ينهار في أي لحظة.
“نعم.. لقد كان أمرًا شاقًا حقًا.”
لم يقل أنا بخير هذه المرة، لكنه أيضًا لم ينهار ولم تنحنِ ركبتاه.
***
بعد أن انتهيتُ من إنجاز الأعمال المتراكمة عبر التواصل مع تيري بواسطة الأداة السحرية عش الطيور المهاجرة التوأم، فتحتُ النافذة وتمطيت بكسل.
وبدلاً من الرياح الباردة التي كانت تلسع الجلد، انسلّ نسيم دافئ وناعم إلى الغرفة.
أدركتُ فجأة أن الصيف قد حلّ بجماله الكامل على الشمال.
ذاب الجليد وانكشفت التربة كأنها جلد جديد ينمو فوق الأرض المتجمدة، وتسابق البذور والأبصال التي كانت غافية في باطن الأرض لتتفتح أزهارًا فاتنة، وكأن سحرًا قد حَلّ بالمكان.
بدا صيف الشمال فاتنًا للغاية، وكأن كل أشكال الحياة كانت تختزن طاقتها لتفجرها في هذا الفصل بعد صمودها أمام قسوة الشتاء.
قررتُ أنا وليو أن نستمتع بهذا الصيف إلى أقصى حد قبل العودة إلى العاصمة الملكية.
وبما أن الطقس كان بديعًا اليوم، فقد كان الوقت مثاليًا للنزهة التي طال انتظارنا لها.
ورغم أن قرار الخروج كان مفاجئًا، إلا أن خدم القلعة ساعدوا بمهارة في تجهيزات الرحلة.
بينما كنتُ أنتظر السير تشيري، الذي نادرًا ما يتأخر عن موعده، وأتفحص مستلزمات النزهة، تناهى إلى مسامعي صوت ليو المليء بالدهشة:
“واو! سيدي الفارِس! أنتَ تتلألأ!”
التفتُّ بعفوية نحو الدرج، فرأيتُ السير تشيري يهبط مسرعًا وعلى وجهه علامات الارتباك.
“أعتذر عن التأخير، كان هناك الكثير من الأشياء التي توجب عليّ تجهيزها.”
نسيتُ أن أجيبه وأنا أحدق في هيئته التي تزينت من الرأس إلى أخمص القدمين.
هو الذي اعتاد دائمًا الملابس البسيطة أو الزي الرسمي للفرسان، لا أدري أي تغيير طرأ على مشاعره ليدفعه للظهور هكذا؛ فقد كان يرتدي حلة احتفالية مزينة بسلاسل ودبابيس براقة، وقد صَفف شعره إلى الخلف بعناية، لدرجة أنه لو ذهب إلى مأدبة في القصر الملكي لما بدا غريبًا.
تفحصتُ عينيه الحمراوين اللتين لا تزالان تحملان آثار جروح ذلك اليوم، ثم تراجعتُ خطوة إلى الوراء بعيدًا عن هذه الأناقة المفرطة.
‘بينما جئتُ أنا مرتدية أي شيء وقعت عليه يدي..’
تمتمتُ بصوت غاضب بعض الشيء بينما أعبث بطرف تنورتي:
“سيادتك، أرى أن ملابسك اليوم لافتة ومبهرة على غير العادة.”
كان الخدم والفرسان في القاعة الواسعة يراقبوننا، لذا تعمدتُ استخدام أسلوب رسمي في الحديث مراعاةً لنظراتهم.
رمق السير تشيري من حولنا بنظرة سريعة، ثم أجاب بأسلوب رسمي مماثل:
“بما أنه موعد غرامي مع السيدة الماركيزة، فقد أوليتُ مظهري اهتمامًا أكثر من المعتاد.”
كلماته هذه جعلت الحضور يضعون أيديهم على أفواههم من الصدمة، وبالطبع، كنتُ أنا واحدة منهم.
سارعتُ بالانتقال إلى مكان بعيد عن أنظار الناس، ثم قلتُ للسير تشيري بحدة:
“يا سيدي، هذه ليست نزهة غرامية!”
توقف السير تشيري مذهولاً، ثم تدلت أكتافه بأسف وهو يتمتم:
“…. هكذا إذن.”
إنه لأمر غريب حقًا، ففي لقائنا الأول ظننتُه رجلاً آليًا يخلو من المشاعر لعدم تغير تعابير وجهه، أما الآن، فصار بإمكاني إدراك مدى خيبة أمله بمجرد سماع نبرة صوته.
وبينما كنتُ أشعر بذنب غريب وأحاول تحويل نظراتي بارتباك، استعاد السير تشيري رباطة جأشه بسرعة وسألني:
“إذن، هل يمكنكِ إخباري ما الفرق بين خروجنا اليوم والموعد الغرامي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 174"