ثمة حقيقةٌ تاريخيةٌ راسخة؛ لا يحظى بترحيب تلك الغابة المنيعة سوى عائلتين:
سلالة الملك الأول الذي شيد أركانها، وسلالة شقيقه الأصغر بالواستين.
وبدا أن ليو، في مخيلته الصغيرة، قد انحاز للاحتمال الأول.
وعلى النقيض من وقار ليو الذي كاد يلامس الهيبة، كان عليّ أن أعض على شفتي السفلى بكل قوتي لأكبح جماح ضحكةٍ توشك أن تفلت مني.
وبينما لا أدري إن كان قد استشفَّ ما يضجُّ به صدري، اقترب ليهمس بملامح غارقة في الغموض:
“وأيضاً.. ثمة سرٌّ آخر، في الحقيقة، ربما أمتلكُ موهبةً فريدةً تمامًا كالملك الأول.”
سألتُه بفضولٍ لا يخلو من مداعبة:
“وما الذي ولّد عندك هذا الاعتقاد؟”
أجاب بثقة:
“لأنه في حصتي الأخيرة بالأكاديمية، قابلتُ رجلاً يفيضُ يتلألأ بشدة! كان ينقبُ عن طفلٍ يحملُ قبسًا من موهبة الملك الأول، وأخبرني أنني قد أكون ذلك المنشود.”
رجلٌ يتلألأ بشدة.. أضف إلى ذلك تلك الرواية المريبة عن الملك الأول.
لم يحتج الأمر لذكاءٍ خارق؛ أدركتُ على الفور هوية الشخص الذي يتحدث عنه.
إنه ذلك الحدث المحوري في اللعبة، الذي يظهر حين ينهي البطل فصله الدراسي بمرتبة الشرف، أو يقتنص المركز الأول في مبارزة مهرجان بونغما.
سألتُه:
“هل كان ذلك الرجل يملك شعرًا كخيوط الذهب، وعينين بلون المروج الخضراء؟”
هتف بدهشة:
“أوه! نعم، بالضبط! هل تعرفينه يا آنسة بليندا؟”
وكيف لا أعرفه؟ ذلك الشخص المتلألئ الذي يطوفُ البلاد متخفياً بحثًا عن البراعم الواعدة، هو بلا شك ميخائيل.
قلتُ في نفسي بسخرية:
يبدو أن سمو ولي العهد يغرقُ في مشاغله الخاصة والعامة حدَّ الثمالة.
ولأنه أميرٌ في جوهره، لم يجد غضاضة في قول كلماتٍ تثيرُ الخجل والارتباك.
قلتُ لـ ليو:
“سأتحققُ لاحقًا إن كان هو ذاته من أعرف، لكن قبل ذلك..”
قررتُ أن أنزع عنه غطاء الأحلام الرومانسية وأعيده إلى أرض الواقع بلطف:
“يا ليو، أن تكون من سلالة الملك الأول يعني ببساطة أنك من دمٍ ملكي، أعلمُ أنك تشبه الأمراء في نبلِك، لكنني لم أكن أدركُ أنك تتوقُ حقًا لتكون أميرًا حقيقيًا.”
“آه..”
تجمّدت الكلمات في حلقه، واصطبغ وجهه بحمرة قانية كفاكهةٍ نضجت للتو.
بالنسبة له، كان الملك الأول بطلاً أسطوريًا للقارة، ولم يفكر يومًا في التبعات السياسية لكونه مؤسسًا لسلالة.
التعليقات لهذا الفصل " 173"