لعلّ من حسن حظ سيزار، أو ربما من سوء طالعه، أنه لم يلحظ تلك النظرات التي كانت بليندا تغمره بها في تلك اللحظة الساكنة.
همست والضحكة تتكسر في حنجرتها:
“أيها الفارس.. إنك حقًا عديم الادراك”.
ثم استطردت بصوتٍ واهن كخيطِ حرير:
“لماذا تختار هذه اللحظة بالذات لتقول ما قلته؟ إن كلماتك تشبه تمامًا..”
لم تكمل؛ فقد غصّت بكلمة.
“نبوءة موتٍ شؤم”
حين أبصرت عينيه تنغلقان في غفوةٍ مباغتة.
راقبت أنفاسه المتهدجة وهي تخرج منه رقيقة كالنسيم، فيما كانت يده التي تحكم قبضتها على يدها باردة برودةً بثت في روحها رعدة القلق.
“سير تشيري.”
“…. نعم.”
“سير تشيري، هل أنت نائم؟”
“يبدو أنني…. متعب قليلاً.”
أمال سيزار رأسه نحوها ببطء شديد، وبجهد مضنٍ حرك ذراعه المتصلبة ليرفع يدها التي يمسك بها ويضعها فوق صدره.
عبر نسيج ثيابه الرقيق، انتقل إحساس عضلات صدره الصلبة ونبضات قلبه التي تخفق ببطء إلى أطراف أصابعها.
“آنستي، أرجوكِ… لا تنسي أبدًا أنني إلى جانبكِ.”
كانت تلك كلماته الأخيرة قبل أن يلوذ بصمت عميق.
لم تناده بليندا ثانية، بل اكتفت بالسكون، ملقيةً بكل تركيزها على نبضات قلبه التي تتدفق تحت أناملها.
كانت نبضات بطيئة، تشبه حركة ثدييٍّ ضخم يسبح في أعماق المياه السحيقة.
وفي ذلك السكون الموحش للغابة التي يلفها صمت مرعب، دفت بليندا جبينها على كتفه، وهي لا تزال تقبض بِيَدها على إيقاع قلبه.
وهكذا، بدأت أطول ليلة في حياة بليندا.
***
كان سير تشيري محقًا حين قال إن إمساك يدي سيساعدني.
لقد صمدتُ في وجه ذلك الهدوء المرعب الذي يسود الغابة، لدرجة جعلتني أشك في كوني لا أزال على قيد الحياة، فقط بفضل تشبثي بيده.
وفي اللحظات النادرة التي كان اليأس فيها يطبق على أنفاسي، كنت أدفن وجهي في صدره، مستمعةً إلى نبضات قلبه التي تشبه صوت تلاطم الأمواج، لتهدئة روعي واضطرابي.
‘لا بأس.’
نصف يوم في هذه الغابة يعادل أربعة أيام في الخارج.
حتى لو مضى يوم كامل، فلن يتجاوز الأمر ثمانية أيام.
بما أنه لم يمضِ يومٌ بعد، فلا يزال هناك متسع من الوقت.
وبينما كنت أحاول طمأنة نفسي، كان لمس جسد سير تشيري، الذي غدا باردًا بفعل السم، يعيدني قسرًا للتفكير في مصيره كما ورد في اللعبة هيرومي.
في هيرومي، لم تقبل بليندا الزواج التعاقدي من الدوق الأكبر.
لذا، ظل منجم هيرنغتون ملكًا لعائلة بلانش، ولم يكن بإمكان سير تشيري، الذي كان يحرس الشمال، أن يتخلص من هواجسه بشأن ثيودور.
وماذا بعد؟ ماذا حدث بعد ذلك؟
هل عجز ثيودور عن الخروج من المنجم إلى الأبد؟
ربما، بعد موت بليندا، حاولت عائلة بلانش استعادة حقوق التعدين في منجم هيرنغتون.
وإذا كان ثيودور لا يزال حيًا حينها، فهل وقعت مهمة قتله على عاتق سير تشيري مرة أخرى؟
أم ربما وقع انهيار أرضي كما حدث هذه المرة؟
توالت افتراضات الـ “ماذا لو” كحلقات سلسلة لا تنتهي، حتى شعرت أن عقلي سيفقد صوابه.
ومع ذلك، استمر الوقت في المسير حتى غار القمر وتعمق الليل.
أصبح الظلام دامسًا لدرجة أنني لم أعد قادرة على تمييز ملامح وجه سير تشيري.
في تلك اللحظة، ومن بين الأشجار البعيدة، لاح بصيص أبيض باهت.
في البداية، ظننتُه خيوط الفجر الأولى.
لكن فجأة، دوى صوت ضجيج خافت كأنه صاعقة في ذلك الصمت.
خطو…
بشكل غريزي، شددتُ قبضتي على يد سير تشيري.
خطو… خطو…
كان هناك شيء مجهول يقترب في الظلام، يحطم طبقة الجليد الرقيقة التي تكسو الأرض.
اقترب الصوت تدريجيًا، كصوت تصدع بحيرة متجمدة.
تفحصتُ وعاء المانا بداخلي فورًا.
يبدو أن تباطؤ الزمن كان حقيقة، فبرغم أنني شعرت وكأنه لم يمر يوم واحد، إلا أن وعاء المانا الذي كان فارغًا تمامًا قد امتلأ الآن وأخذ يفيض.
بقيت عيناي معلقتين بجهة الصوت، مستعدةً لاستدعاء كاو في أي لحظة.
وبينما كنت أحافظ على خيط التوتر مشدودًا، وفي طرفة عين، انطلق ذلك الضوء الأبيض الذي كان يتردد بعيدًا كالشهاب نحوي.
حبستُ أنفاسي وكدتُ أستدعي كاو، لكنني توقفت.
كان الضوء أصغر وأرق من أن يكون فجرًا.
لقد كان ابن عرس أبيض لا يتجاوز حجم إصبع رجل بالغ.
توقف على بعد خطوة واحدة مني، وظل يرمقني بصمت.
“ليو……؟”
هل أنا في حلم؟ أم أنها مجرد هلوسة تعبث بها الغابة في عقلي؟ إن كان الأمر كذلك، فإنه خيال قاسٍ جدًا.
نظرتُ بعدم تصديق إلى ليو الذي ظهر من الظلام متبعًا ضوء رسوله السحري.
كان ليو في هذا الخيال يبدو متجهم الوجه، غاضبًا بوضوح.
ورغم إدراكي لضرورة عدم الانخداع بألاعيب الغابة، سألتُ ببلادة:
“ليو، هل أنت غاضب؟”
بدلاً من إجابتي فورًا كما هو عهده، أمسك ليو الذي في مخيلتي بابن العرس الأبيض بين يديه.
ثم قال لي، بتعبيرات لم أستطع تمييز إن كان يحاول فيها كبت غضبه أم خنق عبراته:
“لا أعرف.”
تمتم ليو بتذمر وهو يقترب مني ببطء:
“الآنسة بليندا دائمًا… دائمًا تكذبين عليّ… قلتِ إنها ليست مشكلة كبيرة… وقلتِ إنكِ ستعودين قريبًا.”
في تلك اللحظة، انطفأ ضوء الحيوان الرسول الذي في يده فجأة، كأنما هبت ريح على شمعة، وغرق وجه ليو في العتمة.
يبدو أن وعاء المانا لدى ليو قد نضب تمامًا، لدرجة لم يعد قادرًا معها على الحفاظ حتى على كائن سحري واحد.
ثم تناهى إلى مسامعي صوت السير بيناديل وهو يصيح بشيء ما من خلفه.
لم يهمّني إن كان ما أراه مجرد طيف رسمته الغابة.
وجهتُ كلامي نحو الاتجاه الذي كان يقف فيه ليو قبل قليل:
“ليو، الظلام دامس جدًا ولا أستطيع رؤية وجهك، لذا…”
كنت أنوي أن أطلب منه الاقتراب أكثر، لكن لحسن الحظ، انبعث ضوء أبيض مجددًا من أطراف أصابع ليو.
إلا أن هذا الضوء كان مختلفًا تمامًا عن ضوء الحيوان الرسول؛ كان يشبه وهج اليراعات، لا يؤذي العين مهما أطلت النظر إليه، ولم أشعر فيه بأي أثر لقوة سحرية.
رأيت السير بيناديل يتوقف في مكانه وهو يحاول الاقتراب منا.
ارتفعت نافذة النظام فوق رأس ليو، لكنني لم أستطع تحويل نظري عن ذلك الضوء الساحر المنبعث من أنامل الصبي.
حتى دون التحقق من نافذة النظام، كنت أعرف تمامًا ماهية هذا الضوء.
لكن ليو نفسه لم يكن يدرك ما الذي صنعه.
“أنا أكره الآنسة بليندا.”
قالها وهو يقف على بُعد خطوة واحدة مني، مطبقًا شفتيه بقوة وهو ينظر إليّ.
ولم يكن من الممكن ألا أشعر بمدى التوق والقلق العميقين المستترين خلف كلمة أكرهك تلك.
الأورا… القوة التي تتجلى عندما يبلغ المرء ذروة اليأس والرغبة الصادقة في النجاة.
ذلك الضوء الذي استقر في يد ليو كان ضوء الأورا.
عجزتُ عن الكلام لفترة وأنا أمام ليو، الذي أيقظ الأورا لا لحماية حياته، بل لمجرد طرد الظلام والبحث عني.
التعليقات لهذا الفصل " 172"