أرخى الليل سدوله على غابة الحاجز، دون أن يستثنيها من صرامته.
ولكن، ومن حسن الطالع، كانت خيوط ضوء القمر تتسلل بجهد جهيد عبر أغصان الأشجار الكثيفة المتشابكة، مما أتاح للعين تمييز ما حولها بصعوبة بالغة.
حاول سيزار تهدئة بليندا، مؤكدًا لها أن فرسان الشمال سيعثرون عليهما بلا شك؛ فبالنسبة لأولئك الفرسان، ليست الغابة إلا عدوًا قديمًا خبروا دروبه، حتى باتت دخائلها مكشوفة أمامهم أكثر من نوايا أوثق الأصدقاء.
بيد أن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في الوقت.
’يجب أن يجدونا قبل أن يصل السم إلى قلب السير شيري.‘
دفت بليندا جبينها بين ركبتيها المضمومتين، وجسدها يرتجف من فرط القلق.
كانت الحيرة تنهشها؛ فلا تدري كم من الأيام قد انقضى، ولا كم بقي من الوقت قبل أن يتصلب قلب سيزار كالحجر.
كل شيء كان مبهمًا، وهذا ما أجج نار اضطرابها.
وفوق كل ذلك..
’هل ليو بخير؟‘
لقد غادرت القلعة على عجل، دون أن تشرح لـ ليو الموقف بوضوح، مكتفيةً بوعدٍ بأنها ستعود قريبًا.
في تلك اللحظة، كانت تظن حقًا أن الأمر سينتهي في غضون يوم، بل ربما ساعات.
خطتها كانت تقضي بأنه إذا بدأ سيزار بالتحول إلى وحش، فستقوم بترويضه، ثم إغراقه في نوم عميق وطويل حتى يتمكن من تطهير اللعنة باستخدام قدرات بالواستين الخارقة.
بدا أن خطتها قد نجحت بالفعل.. لولا أن قدمهما وطأت هذه الغابة.
’كان يجب عليّ الصمود بأي ثمن حينها.‘
وبينما كانت تلوم نفسها، وتطلق زفيرًا مختنقًا استحال بخارًا أبيض في الهواء البارد، قاطع صمتها صوتها وهي تسأل:
“أيها السير، ماذا تفعل؟”
ارتبك سيزار، الذي كان قد نزع عباءته للتو وهمّ بوضعها فوق كتفيها، وتوقف عن الحركة.
“بدوتِ وكأنكِ تشعرين بالبرد، فأردتُ أن أغطيكِ بعباءتي.”
كانت حرارة الغابة في الليل تنخفض بشكل ملحوظ مقارنةً بالنهار، كما أنه نشر هالة الجليد حولهما كطبقة رقيقة من الجليد ليتحسس اقتراب أي وحوش محتملة.
لهذا، كان من الطبيعي أن يظن أنها تعاني من البرد.
لكن ببليندا نظرت إليه بنظرة حادة، تقارن بين حالها وهي ترتدي ثيابًا صوفية ثقيلة، وبين حاله هو الذي لا يرتدي سوى ملابس داخلية خفيفة بعد أن نزع عباءته.
“لماذا؟ هل لكونك من الشمال لا تشعر بالبرد؟ هل يتجول أهل الشمال بقمصان رقيقة حتى في ذروة الشتاء؟”
“ليس الأمر كذلك، ولكنني على أي حال لم أعد أشعر بالبرد لأن جسدي بدأ يتصلب بسبب السم، لذا، أنتِ أحوج إليها مني.”
زفرت بليندا تنهيدة عميقة أخرى، وقد بدا على وجهها أنها تكتم كلمات كثيرة تود قولها.
ثم اختطفت العباءة من يد سيزار واقتربت منه لتلتصق به، مغطيةً كليهما بها.
“كف عن هذا الهراء المتحجر وادخر طاقتك، اهتم بنفسك أولاً، مَن الذي يقلق على مَن الآن؟”
ظلت بليندا تتذمر لفترة طويلة، غير مدركة أن نظراته كانت مثبتة على كتفها الملتصق بكتفه.
سحب سيزار نظراته بصعوبة، وحاول فتح وقبض يده التي بدأت تتصلب تدريجيًا.
كان يشعر بالسم وهو يسري في عروقه. أدرك أن غيابه عن الوعي بات وشيكًا.
نظر إليها بملامح يكسوها القلق.
لقد أجمع الفرسان الذين سبق لهم الانعزال في غابة الحاجز على أمر واحد: ليس أكثر رعبًا من الوحوش الكامنة كالفخاخ، ولا من خداع الغابة، سوى ذلك الصمت المطبق الذي يكاد يصم الآذان.
لذا..
“آنسة بلانش.”
“نعم؟”
“هل تسمحين لي بأن أمسك يدكِ؟”
أقنع نفسه بأن هذا ليس بدافع الهوى، بل لأجلها هي.
ومع ذلك، وبسبب خوفه من الرفض، سارع بإضافة تبرير:
“عندما أفقد وعيي بسبب السم، سأكون قادراً على حمايتكِ بشكل أفضل إن كنتُ ممسكًا بكِ.”
نظرت إليه بليندا بريبة واضحة، لكنها مدت يدها التي كانت تمسك بطرف العباءة بلا مبالاة مصطنعة.
احتوى سيزار يدها بين كفيه بحذر وتؤدة، كما لو كان يضم طيرًا جريحًا بين جناحيه.
وبالاستناد إلى هذا الدفء البعيد، بدأ يسرد لها قصة ذلك اليوم التي لم يبح بها لأحد قط.
“كنا في طريق عودتنا إلى القلعة بعد ليلة قضيناها في الغابة، ومن بعيد، رأيتُ أعمدة الدخان تتصاعد من قلعة بالواستين..”
أدركت بليندا بحدسها أن سيزار بدأ يكشف عن حقيقة ما حدث قبل ست سنوات.
في ذلك اليوم، عندما وصل سيزار مسرعًا إلى القلعة، كان كل شيء قد انتهى.
جثث الدوق وزوجته، وزوجة الدوق الشاب الملقاة في مشهد مروع، كانت كفيلة بإخباره أن ثيودور قد عبر طريقًا لا رجعة فيه.
المنسوجات الجميلة التي كانت تزين جدران القلعة تمزقت تحت وقع بصمات الأيدي الملطخة بالدماء وصرخات الضحايا.
لم ينجُ أحد في القصر الجانبي، ومع ذلك، لم يعثروا على جثة إنديميون في أي مكان.
وبينما كان سيزار يفتش القلعة شبرًا بشبرًا بحثًا عن ذلك الطفل الصغير الذي ربما نجا، انتشرت النيران بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
كانت فكرة بيناديل هي حبس ثيودور الذي تحول إلى وحش، داخل القصر الجانبي وحرقه مع القلعة.
“السيد الشاب هو آخر من تبقى من بالواستين، لا يمكننا أن نسمح له بتلطيخ يديه بدم أخيه.”
وهكذا، جرف الحريق كل شيء معه.
لم يتبق لـ سيزار سوى الواجب والتعاليم المنقوشة في عظام صدره، وأمل ضئيل وواهٍ في نجاة ابن أخيه الصغير.
لم يطاوعه قلبه للتخلي عن ذلك الأمل، الذي كان يشبه شظايا شهاب منطفئ.
لهذا السبب، أدار ظهره للقلعة المشتعلة وأعلن للعالم أنه هو من سفك دم أخيه.
“أردتُ أن يتذكر إنديميون لطف أخي الأكبر فقط، لذا كان من الأفضل للطفل، الذي قد يعيش في مكان ما، أن يقتات على كراهيته لي بدلاً من أن يرزح تحت وطأة الحقيقة المرة.”
أرسل رجاله للبحث عن إنديميون في كل زاوية من أرجاء المقاطعة، لكن لم تصل أي أخبار عن طفل ذي عينين حمراوين.
ومرت الأيام وهو يذبح الوحوش وراء الغابة نهارًا، ويبحث عن إنديميون ليلاً. حتى بدأت حالات اختفاء غامضة تقع في منجم هيرينغتون حيث يُستخرج حجر المانا.
في البداية، ظنَّ أنها فعلة الوحوش المستوطنة في المنجم.
لم يخطر بباله أبدًا أن ثيودور، الذي نجا من الحريق، يختبئ هناك ليداوي جراحه.
وعندما همّ سيزار بالتوجه إلى المنجم، اعترض بيناديل طريقه.
“إذا راكمتَ الآثام، فستتعمق اللعنة أكثر، يا صاحب السعادة، دعني أقتله أنا، أصدر لي الأمر.”
“هذا مرفوض.”
“أرجوك، تراجع عن قرارك.”
“يا بيناديل، هل تحاول إجباري على إصدار أمر بقطع رأس أعز أصدقائك؟”
“وأنت تأمرني بأن أقف متفرجًا بينما يقطع الأخ رأس أخيه الشقيق!”
صرخ بيناديل وعيناه يتطاير منهما الشرر.
كان من الواضح أنه سيذهب للمنجم ويلطخ يديه بدم ثيودور حتى لو اضطر لعصيان الأوامر.
ولم يكن سيزار ليتحمل خسارة بيناديل أيضًا.
في النهاية، لم يجد بُدًا من إيقاف أعمال التعدين وإغلاق المنجم.
كم من السنين سيستغرق ثيودور ليموت جوعًا وهو يقتات على عظام ولحوم الوحوش؟
كان يعلم أنه الخيار الأمثل للجميع، لكن الشعور بترك كائن يموت ببطء كان مرعبًا بقدر إدارته لظهره للقلعة المحترقة.
تمنى سيزار مرات عديدة أن يهرع للمنجم ليريح ثيودور من عذاب الجوع والتيه بيده.
لكن واجبه في حماية الغابة كان يكبله.
وفي الشتاء الماضي، وقع انهيار ثلجي غير متوقع فتح ثغرة في المنجم، فخرج الوحش الجائع وأباد سكان قرية مجاورة.
حل الربيع، لكن سيزار لم يستطع مغادرة الشمال.
وبدلاً من ذهابه للعاصمة، جاءت بليندا إلى الشمال، وهناك، في نهاية المطاف، لطخ يديه بدم أخيه.
“قد لا تصدقينني يا آنستي ، ولكنني، رغم كل شيء، بخير.”
استحضر سيزار بمرارة تلك اللحظة التي طغى فيها الحقد على بصيرته؛ حين استسلم لجنونٍ مباغت سلب منه تعقله، ليجد نفسه يغمد سيفه في قلب ثيودور.
في تلك اللحظة، لم يكن يرى نفسه قاتلاً، بل قاضيًا يحمل على عاتقه معاقبة كل من دفع ثيودور نحو تلك النهاية المأساوية.
بيد أن كلمة واحدة من بليندا حطمت ذلك القناع المزيف:
“لن تراودك الكوابيس، نم هانئًا، ثم عد إليَّ كـ ‘السير تشيري الخاص بي.”
في تلك اللحظة، لم يعد سيزار بالواستين حاكم الشمال الصارم، ولا الجاني الذي قتل أخاه، ولا حامي الغابة الذي لا يهاب الموت لأجل الواجب..
بل امسى ببساطة السير شيري الخاص بـ بليندا.
“لذا، بمجرد خروجنا من الغابة، سأعود معكِ إلى العاصمة هذه المرة، أعدكِ بذلك.”
عند تلك الكلمات، التفتت بليندا التي كانت تحدق للأمام بصلابة، نحو سيزار.
كان يود أن يرى صورته تنعكس في عينيها الأرجوانيتين، لكن الرؤية كانت مشوشة أمام عينيه فلم يستطع رؤيتها بوضوح.
ومن خلال ذلك الضباب، تناهى إليه صوتها:
“لكنك لم تفِ بأي وعد قطعته لي من قبل.”
هل كان وهمًا، أم أن نبرتها كانت مخضبة بالدموع؟
“أنت دائمًا ما تكذب عليّ، حتى الآن، تكتفي بالقول إنك بخير بينما أنت..”
في تلك اللحظة، أظلم عالم سيزار فجأة، كما لو أن يدًا قد امتدت لتحجب القمر وتخفيه.
لم يعد يرى بليندا بوضوح، لكنه استطاع استحضار كل تفاصيلها في ذهنه كما لو كان يرسمها بريشة دقيقة.
باغتته ذكرى قديمة لثيودور وهو يجلسه بجانبه، يروي لصغيره سيزار بحماسٍ لا ينطفئ قصة لقائه الأول بزوجته، مطنبًا في وصف عظمة الحب الذي سما بروحه وجعل منه رجلاً أفضل.
لكن الحب في قاموس سيزار لم يكن بتلك الطهارة قط؛ بل كان المنزلق الذي حوّله إلى رجلٍ جبان، أنانيّ، يقتات على الخديعة ويحترف فنون الكذب.
ومع ذلك، تملّكه طمعٌ جارف لم يعهده من قبل.
ولأول مرة في حياته، استسلم لاندفاعه بكامل إرادته، معترفًا:
“فعلتُ كل ذلك.. لأنني أحبكِ”.
في تلك اللحظة، كان صدى صوت والده يتردد في أعماقه كأنه يحاول إنقاذه:
’لا تنطق بالكذب.. ’
“عش دائمًا لأجل العدالة‘..
’لا تنبش في مسمى المشاعر التي تغلي تحت السطح‘..
’لا تنسَ واجبك للحظة واحدة‘.
لكن كل تلك القواعد الصارمة والتعاليم التي نحتها والده في وجدانه، والتي قامت عليها شخصية سيزار لسنوات، انهارت فجأة كبيتٍ من ورق.
ذاك الرجل الذي لم يكن يبصر في الوجود شيئاً أسمى من الواجب، وجد نفسه مسلوبًا أمام رغبةٍ عارمة في الحماية، والامتلاك، والبقاء..
حتى لو كان الثمن أن يحرق رداء الواجب ويمزق كل وصايا أبيه.
التعليقات لهذا الفصل " 171"