عقدتُ ما بين حاجبيّ بنعاس، وحاولتُ حجب الضوء بظهر يدي، لكن لسببٍ ما، شعرتُ وكأن جسدي بأكمله مقيدٌ بإحكام، عاجزٌ عن الحراك.
أطلقتُ أنةً خافتة وتخليتُ عن محاولة الحركة، وبينما كنتُ أدسُّ جبهتي في الفراش وأغوص فيه…
“سيدتي! ذاك الاتجاه هو حدود الغابة!”
فتحتُ عينيّ على اتساعهما وكأن ماءً باردًا سُكب فوقي؛ لقد استعدتُ كلمات بيناديل التي سمعتها قبل أن أفقد وعيي.
الغابة؟
أليست هي المكان الذي يطوف فيه الوحوش الجوعى كالأشباح، وتتربص فيه الأشجار التي تغوي البشر لتجعلهم غذاءً لها، حتى لُقبت بـ “الغابة آكلة البشر”؟
تملكني الذعر، فأخذتُ أحرك حدقتيّ بهدوء لاستكشاف ما حولي.
لكن، وخلافًا لتوقعاتي، ما استقبلني لم يكن وحشاً، بل دفءٌ غامر كأنني داخل دفيئة زجاجية، ورائحة عشبٍ منعشة، وصدر السير تشيري الذي كان يلفني بذراعيه بقوة وهو غائبٌ عن الوعي.
يبدو أننا تدحرجنا في مكانٍ منحدر أثناء سقوطنا، فقد كانت حالتنا فوضوية تمامًا.
ومع ذلك، نسيتُ أننا داخل غابة الحاجز، وظللتُ أنظر في وجه السير تشيري دون انقطاع.
كان ضوء الشمس، الذي يتسلل من بين أوراق الأشجار العظيمة التي تمدّ ظلالها فوقنا، يترقرق فوق وجنة السير تشيري الغارق في النوم.
نقشتُ في ذاكرتي تفاصيل وجهه؛ عينيه العميقتين اللتين تظللهما رموشه الكثيفة، وجسر أنفه الحاد الذي كان مثاليًا حتى في ظله المنعكس خلفه، وخط فمه الرصين الذي لا يعرف الكذب أبدًا.
حين تأكدتُ أن كل شيء كما كان، ارتخت كل ذرة تشنج في جسدي.
عندها فقط، انسللتُ من حضنه وتفحصتُ المكان.
كانت الطحالب التي تغطي الأرض ناعمة كالسجاد، والشمس دافئة لدرجةٍ لا تُصدق في الشمال، ورائحة الخضرة الداكنة تداعب طرف أنفي بلذة.
كل شيء كان آمنًا ومطمئنًا لدرجةٍ تجعل المرء يصدق أنه في نزهةٍ خلوية في يومٍ مشمس، لكنني لم أنخدع بهذا السلام الظاهري.
كانت الغابة ساكنة لدرجةٍ مريبة؛ فلا صوت لطيور، ولا طنين لحشرات، ولا حتى حفيف للأوراق مع نسمات الهواء.
ربما كان هذا الصمت هو الجوهر الحقيقي لغابة الحاجز، التي لا تسمح لذرة حياة بالخروج منها حية.
“لقد هلكنا.”
بعد أن استوعبتُ الواقع، غطيتُ وجهي بكلتا يدي وأطلقتُ زفرة يائسة.
في البداية، ظننتُ أن الخروج من الغابة لن يكون صعباً.
لم نخطُ سوى خطوة واحدة داخل حدودها.
‘حتى لو تدحرجنا قليلاً أثناء السقوط، فلا بد أن حدود الغابة ليست بعيدة.’
وعلى الرغم من قلقي على السير تشيري الذي لم يستعد وعيه بعد، إلا أنني أبقيته في زاوية رؤيتي وخطوتُ خطوة واحدة في كل اتجاه من الجهات الأربع.
لكن، بدلاً من الخروج، لم أجد حتى ذرة ثلج واحدة تشير إلى الخارج.
التفتُّ نحو السير تشيري لوهلة، ثم تخليتُ عن خطة استكشاف المحيط وتركه وحيدًا.
بدلاً من ذلك، استدعيتُ كاو من تحت ظلال الأشجار.
رغم أن الوقت كان منتصف النهار، إلا أن ظلال الغابة كانت عميقة بما يكفي لتحرك كاو دون عناء إذا توخى الحذر.
“كاو، حلّق حولنا وجد لي نهاية هذه الغابة.”
ما إن مسحتُ على عنقه وطلبتُ منه ذلك، حتى فرد جناحيه وانطلق عاليًا.
شاركتُه الرؤية بسرعة.
من عين كاو المحلق، رأيتُ صورتي وصورة السير تشيري.
وبينما كان كاو يتطلع نحو الغابة البعيدة ويهمّ بخفق جناحيه بقوة، فجأةً، ازدادت ظلال الأشجار التي تغطي السماء سوادًا، واجتاح المكان شيءٌ يشبه الضباب المائي الكثيف في لمح البصر.
كان الضباب كثيفًا لدرجةٍ انعدمت فيها الرؤية تمامًا؛ فلا أمام ولا خلف، ولا أرض ولا سماء.
حتى أنا، التي أشارك كاو رؤيته، شعرتُ بدوارٍ وغثيان أفقدني توازني.
“كاو! عُد!”
من المفترض أنه على مسافة تسمح له بسماع صوتي، لكن كاو فقد اتجاهاته تمامًا.
وبينما كان يتخبط في ذعره ويخفق بجناحيه في كل اتجاه…
بوم!
ارتطم كاو بشيءٍ ما بقوة وكأنه اصطدم بجدار زجاجي غير مرئي، فهوى نحو الأرض.
ترنح كاو طويلاً من أثر الصدمة قبل أن يتمكن من رفع رأسه بصعوبة.
عندها، رأيتُ أنا وهو هوية الشيء الذي ارتطم به.
لقد كان وحشًا هزيلاً كشجرةٍ ضربها البرق.
والصادم في الأمر أننا لم نشعر بوجوده حتى لحظة الاصطدام.
التفت الوحش ببطء واكتشف وجود كاو.
وفي اللحظة التي لمعت فيها عيناه الحمراوان بالقتل والجنون…
كررررك.
انفصلتُ فورًا عن رؤية كاو وأخذتُ ألهث بشدة.
سرى الرعب في أوصالي حين أدركتُ أنني لم أسمع صرخة واحدة من كاو في أي مكان حولنا.
نظرتُ إلى الغابة التي تتظاهر بالسلام، ثم جلستُ ببطء بجانب السير تشيري وغطيتُ وجهي بيديّ مرة أخرى.
“لقد هلكنا حقًا.”
رغم أنه مجرد تجسيد سحري، إلا أن تضحية كاو جعلتني أدرك يقيناً: بقائي سليمةً بعد دخول الغابة كان بفضل السير تشيري وحده.
بسبب وجودي معه، نجوتُ من غواية الغابة.
فلا أحد ينعم بالحرية هنا سوى سلالة العائلة الملكية وبالواستين.
هدأتُ من روعي بصعوبة، وسحبتُ السير تشيري بمشقة لأسنده إلى جذع شجرة ضخم.
فهذا يعني على الأقل أن الغابة لا تعتبره وحشًا، مما يدل على أنه يطهر اللعنة بقدراته الخاصة.
أمسكتُ يد السير تشيري النائم بقوة، وكبحتُ رغبتي العارمة في أمره بالاستيقاظ فورًا.
“استرح جيدًا حتى تُطهر اللعنة، سير تشيري.”
عندما نجحتُ في ترويضه بصعوبة، أمرتُه بالنوم حتى يتطهر.
لذا، لم يكن بإمكاني إيقاظه لمجرد أنني خائفة.
كان عليّ الانتظار حتى يهزم اللعنة ويفتح عينيه.
لكن البقاء في حالة تأهب ومراقبة دائمة كان أمرًا يستنزف الأعصاب.
اجتاحني تعبٌ غريب، ورغم علمي بأن الموقف لا يسمح بالتهاون، إلا أن رأسي بدأ يميل يمنةً ويسرة رغمًا عني.
طاخ.
أدركتُ أنني أسقطتُ الغصن من يدي، لكنني لم أملك الطاقة لاستعادته.
شعرتُ بجفنيّ يزنان أطنانًا.
في تلك اللحظة، شعرتُ بيدٍ تميل رأسي برقة لتسنده إلى جدارٍ صلب.
ثم حُجب ضوء الشمس الذي كان يزعج عينيّ.
“آه، الآن يمكنني النوم بسلام…”
فكرتُ بضبابية وتمتمتُ:
“ممم… سير تشيري…؟”
“نعم، أنا بجانبكِ، آنسة بلانش.”
طمأنني الرد الفوري، فمسحتُ جبهتي بكتفه…
‘مهلاً! قبل قليل…؟’
استيقظ وعي فجأة وكأنني طفوتُ فوق سطح الماء.
“سير تشيري!”
حين فتحتُ عينيّ، كان شفق الغروب قد خيّم على أطراف الغابة.
دون أن أتأكد من الموقف، مددتُ يدي أتلمس المكان بجانبي.
وحين قبضتُ على طرف ثيابه، جاءني الصوت المألوف:
“هل ناديتِني؟”
كان السير تشيري، بعينيه المحمرتين، ينظر إليّ وهو يحجب بيده ضوء الغروب الساقط على وجهي.
فقدتُ القدرة على الكلام، وظللتُ أحدق في عينيه طويلاً.
لم تكن عيناه حمراوين بفعل الشفق فحسب. بل كانت قانيةً أكثر من أي وقتٍ مضى، كبقايا لعنةٍ لا تزال تسكنه.
سألتُه وأنا أحاول طرد شكوكي:
“هل أنت السير تشيري الحقيقي؟”
“نعم.”
“إذن… أثبت لي أنك السير تشيري المعتاد.”
ظهرت مسحة من الارتباك على وجهه.
بدأ يفكر بجدية، لكن طال انتظاري ولم يأتِ الرد.
آه، هذا الرد الأخرق الذي يفتقر لأدنى ذرة إبداع… إنه يقينًا السير تشيري المعتاد!
وبينما كنتُ أرخي قبضتي عن ثيابه من شدة الارتياح…
“إذن… سأخبركِ بما لم أستطع قوله بصدق من قبل، إنها دوافع جبانة لم يكن ‘تشيري السابق’ ليتجرأ على النطق بها.”
كان تعبير وجهه جادًا لدرجةٍ تمنعني من قول “لا بأس”، وفضولي لمعرفة ما أخفاه غلبني.
ربما حقيقة ما حدث قبل ست سنوات؟
تلك الكذبة التي نطق بها وهو يشيح بنظره عني، هو الذي لا يجيد الكذب أبداً.
لم يخطر ببالي شيء غير ذلك.
“في الحقيقة…”
في الحقيقة؟
“حين خرجتِ مع ساحر البرج الرمادي في يوم المهرجان بمفردكما، تتبعتكما بحجة حمايتكِ، لكن في الحقيقة… كانت هناك مشاعر شخصية تملكتني.”
“وأيضًا، حين أردتِ سابقًا إلغاء خطوبتنا، كنتُ أرغب في الرفض من أعماق قلبي.”
“مـ.. مهلاً، لحظة…”
“تظاهرتُ بالموافقة وظللتُ أسوّف في إرسال وثيقة إلغاء الخطوبة يومًا بعد يوم، لأنني أردتُ تقييدكِ بي ولو بخطوبة صورية…”
لم أعد أحتمل سماع المزيد، فمددتُ يدي وكممتُ فمه.
شعرتُ بحرارةٍ تغلي في وجهي.
“سير، أظن أنك لا تزال فاقدًا لصوابك؟”
أمال السير تشيري رأسه.
بدا وكأنه يفكر في شيء ما، ثم أزاح يدي عن فمه برقة وسأل:
“هل لا تزال عيناي حمراوين؟”
شعرتُ بعرقٍ مفاجئ في راحة يدي التي يمسكها، فسحبتُها بهدوء وأومأتُ برأسي.
فأجاب ببساطة:
“يبدو أن السبب هو صعوبة مقاومة الرغبات.”
لم أسأله عن ماهية تلك الرغبات، لأنني شعرتُ أن الإجابة ستكون فوق طاقتي.
بدلاً من ذلك، قبضتُ على يدي التي لمست شفتيه، وشحتُ بنظري عنه لأسأله عن شيءٍ آخر:
“ليس.. ليس هذا ما قصدته، ألا تملك شيئًا لتقوله بخصوص هذا الوضع؟”
كان سؤالي محاولة لتحويل مجرى الحديث، ويبدو أنني نجحت.
أومأ السير تشيري برأسه وأجاب وكأن الأمر لا يعنيه:
“ساقاي لا تتحركان.”
“يبدو أن السم بدأ يسري.”
“……سُم؟”
رددتُ الكلمة بذهول، بينما تردد صدى كلمات السير بيناديل في عقلي:
“إذا تحول السير تشيري لوحش… فقد طليتُ سيفي بالسم.”
تذكرتُ فجأة أن سيف بيناديل كان مدهونًا بسمٍّ يحجّر الأطراف.
رغم أنه بدا وكأنه يُضرب من جانب واحد، إلا أنه استطاع المقاومة فعلاً.
“لكن لا يمكن أن يتجمد جسدك في نصف يوم فقط، لقد قال إن المفعول يظهر تدريجياً خلال عشرة أيام.”
“بسبب غواية الغابة، يبدو الزمن هنا وكأنه ينساب ببطء، نصف يوم هنا يعادل أربعة أيام في الخارج، لذا، ليس غريبًا أن تشعري بالتعب؛ فمن الناحية الجسدية، أنتِ مستيقظة منذ أربعة أيام بلا طعام أو شراب.”
بينما كان يشرح الأمر بهدوء، نظرتُ بالتناوب بين ساقيه والسماء التي بدأ الظلام يزحف إليها مع غروب الشمس.
التعليقات لهذا الفصل " 170"