الحلقة مئة وتسعة وستون.
تلمّست كفّه اليسرى وجنتيّ بحذرٍ شديد، وكانت ببرودتها الجليدية –بفعل الهالة– تبدو كأنها قطعةٌ من صقيعِ الموت.
“لقد أخبرتكِ سابقًا.. أنَّ الآنسة بلانش هي أغلى ما أملك في هذا الوجود.”
انساب همسُه في أذني كأنه غزلٌ مسكوبٌ في خلوةِ عاشقين.
غير أنَّ تشيري لم ينطق بمثل هذا الكلام قط؛ ففي تلك الليلة الغابرة فوق الشرفة، كان اعترافه يائساً كاعترافِ آثمٍ يرتجي المغفرة، وعظيماً في آنٍ واحد كقسَمِ فرسانٍ لا يُنكث.
آنذاك، غاب عن بصيرتي حقيقة الصدق الذي يختلجُ في أعماق قلبه.
وتابع بصوتٍ مثقل:
“فيما مضى، كان هذا الشعور هو غايتي من الحياة، أما الآن.. فقد استحال قلقًا يفوق الاحتمال.”
لم تقوَ عيناي على الصمود أمام سطوة نظراته، فأطرقتُ برأسي نحو الأرض، واهتزَّ كتفاي رغمًا عني برعدةٍ تشبه الخوف، فعضضتُ على شفتي بقوةٍ لعلّي أستعيدُ ثباتي.
حينها، تلمّست أصابعه شفتي السفلى المهروسة تحت أسناني بحنانٍ طاغٍ، ثم انزلقت نحو عنقي ببطءٍ مرعب، كأفعى تشق طريقها نحو فريستها بنعومةٍ قاتلة.
وفي اللحظة التي نفذ فيها إلى مسمعي صوته الخفيض اللزج، ذلك الصوت الذي يغوي الضحية ويقتادها إلى الشرك بطلاءٍ سكريٍّ خادع.. همس قائلاً:
“أشعرُ وكأنَّ قلبي أضحى مكشوفًا تمامًا.. كأنَّ حُجُبَه قد هُتِكت.”
حينها، أغمضتُ عينيّ بشدة، وكأني أحاول الفرار من سطوةِ كلماته التي اخترقت روحي.
“يا آنسة، لعنة الوحوش خبيثةٌ جدًا، فهي تدرك فورًا نقطة ضعف المضيف، وتضغط عليها لتجره نحو السقوط.”
“الآنسة بلانش هي من تجعلني قادرًا على البقاء بشريًا.”
تردد صدى صوت السير فيناديل وكلمات السير تشيري التي همس بها لي قبل مغادرة العاصمة في رأسي.
شعرتُ بيأسٍ خانق كاد أن يفجر دموعي.
يا لي من حمقاء.. لِمَ الآن فقط؟
إذا كان للعنة الوحوش شخصية، فلا شك أنها تهمس الآن في أذن تشيري بلا انقطاع:
“اقتلها.”
لأنني كنت نقطة ضعفه التي ستمحو آخر ذرة من إنسانيته إذا ما سحقها.
“لذا يا آنسة بلانش، لم يكن عليكِ القدوم إلى هنا، لقد أصبحتُ لا أعرف كيف أعاملكِ بعد الآن.”
استجمعت شتات قلبي الذي كاد يضعف، وفتحت عيني ببطء.
كانت يد تشيري التي تطوق عنقي ضخمة وصلبة، بما يكفي لكسر عظام رقبتي بمنتهى السهولة.
لو استفززته بتهور وازدادت حدة اللعنة، فستنكسر رقبتي كغصن صفصاف يابس.
‘هذا ما لن أسمح بحدوثه أبدًا.’
لقد أرسل شقيقه للآخرة بيده لتوّه.
وبناءً على شخصيته، لو أصابني بمجرد خدش، فمن المؤكد أن الأمر سيمسي… غير قابل للإصلاح.
“سير تشيري.”
لحسن الحظ، لم يظهر الخوف في صوتي وأنا أناديه.
أحسستُ بارتخاء قبضته عن عنقي ولو قليلاً، فنظمتُ أنفاسي كأنني أستعد لإصابة هدفٍ دقيق.
لتفعيل قدرتي، أحتاج إلى تلامس جسدي مع الهدف.
لكنه، لشدة حذره من قدرتي، كان يغلف الأجزاء التي تلمسني بـ الهالة.
رغم قربه الشديد، لم أكن أستطيع لمس حتى طرف إصبعه.
‘إذاً، لا مفر من استدراج الفريسة للاقتراب.’
استحضرتُ كلماتِه في ذهني؛ حين تكتسي عيناهُ بحمرةِ الدم، تصبحُ السيطرةُ على لجامِ الرغباتِ عراكًا مضنيًا مع النفس.
لذا، تفرّستُ بعمقٍ في هاتين العينينِ القانيتين، ولم يكن فيهما ما عهدتُه سابقاً، بل هالةُ قتلٍ تشبهُ طبقةً رقيقةً من الجليدِ تكسو سطحَ بحيرةٍ غائرة.
ومع ذلك، لم أخشَ الغرقَ في تلكَ اللجّة، بل خطوتُ نحوَه بثباتٍ لا يتزعزع، وقلتُ له:
“إن كنتُ غاليةً على قلبِك كما تدّعي.. فادنُ مني.”
في تلك اللحظة، ارتخت يدُ تشيري عن عنقي تمامًا وكأنَّ سحرًا قد أبطل مفعول قبضتِه.
ودون أن يشيحَ بصري عن ناظريه، همستُ له بنبرةٍ سريةٍ وعذبة، كمن يروي ظمأَ كائنٍ تاهَ في فلاةٍ قاحلةٍ منذ أمدٍ بعيد:
“اقترب أكثر.. حتى أمنحكَ القبلةَ التي تنشدها.”
بدا عليه التردد وكأنه يواجه فخًا.
لكنه، ورغم ارتيابه، بدأ يميل برأسه نحوي ببطء، وكأنه لم يعد يقوى على مقاومة الإلحاح.
“أقرب، هيا.”
حين تلامست أطراف أنوفنا، وضاقت المسافة حتى شعرتُ بأنفاسه تداعب وجهي..
رفعتُ رأسي فجأة وقبلتُ شفتيه.
لم يكن سوى اصطدام خفيف، لكن المانا التي أودعتها في شفتي كانت كافية لتقييده.
تشرااارك!
طوقته سلاسل ذهبية وأحكمت قبضتها عليه.
ومع مقاومته العنيفة، سقط قناعه عن وجهه، واستطعتُ أخيرًا الإفلات من قبضة يده.
لكن المعركة الحقيقية كانت ستبدأ الآن.
“توري!”
أعطيتُ الإشارة المتفق عليها، فانطلق حيوان ليو المرسال الذي كان يختبئ تحت غطاء عباءتي، والتف بجسده الطويل حول عنقي.
بدأت مانا ليو النقية تتدفق في وعاء المانا الخاص بي، والذي كان يستنزف بسرعة هائلة.
ما كان عليّ تصفيده هو تلك الطاقة المظلمة المتراكمة داخل السير تشيري.
بذلتُ كل ما أملك من مانا، محاولةً قمع تلك الطاقة التي استولت على جسده.
وفجأة، شعرتُ بضغطٍ هائل يضاهي قوة كيربيروس، واستحال بياض عيني تشيري سوادًا دامسًا.
“سير تشيري، استفق!”
ركضتُ نحوه بسرعة وأمسكتُ بوجنتيه بكلتا يديّ، جاذبةً إياه نحوي.
لكنه لم يعد يراني.
أحسستُ بنفاد المانا التي خزنتها في وعائي بسرعة جنونية.
استخرجتُ حتى المانا المخزنة في حجر الماشيت على شكل فراشة، والذي كان هدية من تشاشر، وصرختُ بلهفة:
“لا، سير تشيري! انظر إليّ!”
هل فُات الأوان؟ شعرتُ بتلك الطاقة المظلمة التي لا تخضع لسيطرتي وهي تقلب كيان تشيري رأسًا على عقب.
بدأ حيوان ليو المرسال يتلاشى تدريجيًا حتى اختفى تمامًا، وتحطمت فراشة الماشيت لتصبح غبارًا،
وتوترت السلاسل الذهبية التي تقيده وكأنها على وشك الانقطاع في أي لحظة.
أعلم أنه يجب عليّ الفرار الآن.
كان عليّ الركض دون التفات بينما لا تزال السلاسل تقيده.
لكن قدمي كانت متجمدة في مكانها، عاجزة عن الحركة.
“آنسة، عليكِ التراجع!”
سمعتُ صوت السير بيناديل من بعيد، يبدو أنه استعاد وعيه.
نظرتُ في عيني سيزار الحمراوين المليئتين بالقتل والجنون، وكأنها فرصتي الأخيرة.
“لن أدعك تؤذي أحدًا بعد الآن، وأنا أيضاً، لن أموت على يدك أبدًا، لذا، سير تشيري…”
تنغ، تنغ!
سمعتُ صوت انقطاع طبقات سلاسل المانا التي كانت تقيده.
همستُ له وأنا أتشبث به:
“أطِعني.”
أرجوك.
وفي تلك اللحظة التي فرغ فيها وعاء المانا الخاص بي تمامًا..
خرجت الطاقة المظلمة السوداء الكامنة في قاع وعائه كأنها أغصان متشابكة، لفت عنقي، ثم ارتفعت لتستقر فوق رأسي على شكل تاج جليدي.
ناديتُ اسمه بسرعة لأحكم الوثاق:
“سير تشيري.”
وأخيرًا، بدأ السواد ينجلي عن عينيه ببطء، وحلّ مكانه بريقٌ يشبه نجم الصباح.
بمجرد أن رأيتُ انعكاس صورتي في عينيه، غمرتُ رأسه بين يديّ وأمرته:
“استرح جيدًا حتى تتطهر اللعنة، لن تراودك الكوابيس، ونم بعمق، ثم عد إليّ ‘تشيري الخاص بي’.”
“سأفعل… بكل سرور.”
هل أجابني هكذا حقاً، أم خيّل إليّ؟
لم أعد أقوى على تحمل وزن جسده، فسقطتُ معه بينما كان يهوي أرضًا.
“سيدتي! ذاك الاتجاه هو…!”
خيّل إليّ أنني سمعت صوت السير بيناديل المذعور من خلفي.
لكنني لم أستطع مقاومة النعاس الذي غلبني نتيجة إفراغ وعاء المانا، فسقطتُ مغشية عليّ مع السير تشيري متجاوزين حدود الغابة.
***
بعد ثلاثة أيام من عودة بيناديل إلى القلعة بجسدٍ منهك، حاملاً بين ذراعيه كلاب الدوبيرمان الثلاثة.
بمجرد أن استعاد قدرته على الحركة، تحدث بيناديل مع رئيسة الخدم وتوجه فوراً نحو الجناح الذي كانت تقيم فيه بليندا.
رأى من شق الباب ظهر ليو وهو معلق بالنافذة، ينظر إلى الخارج دون كلل.
تردد بيناديل أمام الباب بقلب مثقل بالذنب، لكنه حسم أمره وطرق الباب ودخل.
“أيها الشاب.”
“أيها الفارس! أين الآنسة بلانش؟ هل وجدتموها؟ هل عادت؟”
ركض ليو نحوه بسرعة، لكنه حين رأى بيناديل وحيدًا، تدلى كتفاه بخيبة أمل.
لقد مضت ثلاثة أيام منذ اختفاء سيزار وبليندا بعد تجاوزهما حدود غابة الحاجز.
كان الحزن يخيم على القلعة بأكملها، لكن بيناديل كان يدرك أنه لا أحد ينتظر عودتهما بلهفة تفوق لهفة هذا الصغير.
جثا على ركبة واحدة أمام الطفل المحبط، كخادمٍ يؤدي يمين الطاعة.
ونظر في عيني ليو الزرقاواتين وقال:
“لقد جئتُ لأطلب منك معروفًا.”
“مني أنا؟”
“نعم، هل يمكنك القدوم معي إلى الغابة؟”
“إلى الغابة…”
لم يجب الصغير بالموافقة فورًا.
كان بيناديل يعلم يقيناً أن تردد ليو ليس خوفاً من الغابة، ولا نقصًا في شوقه لبليندا.
بل كان الطفل مترددًا لأنه يحمل سؤالاً في عقله.
لماذا يجب عليه الذهاب؟ وماذا يمكن لطفل مثله أن يفعل هناك؟
لقد كان طفلاً ذكيًا جدًا.
سأل ليو بحذر:
“إذا ذهبتُ إلى الغابة، هل سيساعد ذلك في العثور على الآنسة بلانش والسيد الفارس؟”
“نعم.”
“لكنني لا أعرف شيئاً عن الغابة، هل سأكون مفيداً حقاً؟”
“سنذهب لنتأكد من ذلك، إذا كنتَ أنت الشخص الذي كان يبحث عنه سيدي، فستفتح لنا الغابة الطريق الذي يقودنا إلى الآنسة بلانش وإلى سيدي الدوق.”
ما تعلمه ليو منذ قدومه إلى هنا ومن معاشرة الفرسان هو قصص اللعنة التي تسكن غابة الحاجز، وقواها العجيبة، وحكايات الأبطال.
لقد فهم الطفل تمامًا مغزى كلمات بيناديل.
التعليقات لهذا الفصل " 169"