اشتبكت نظراتُ سيزار وبيناديل، فكان صمتهما أبلغ من عويل النيران.
عبر فتحتي قناع الشياطين، لم يكن بياض عيني سيزار قد استحال سوادًا تامًا بعد، لكن النذر لم تكن تبشر بخير.
فبمجرد أن يصبغ السواد بياض العين، تبدأ عملية التحول الكامل التي تغير حتى الهيئة الجسدية، وحينها، لن تجدي قوى عائلة بالواستين نفعًا في استعادته.
سأل بيناديل بحذر، بينما استقرت يده على مقبض سيفه:
“هل تدرك من أنا؟”
حدق سيزار في بيناديل للحظة، ثم ارتسمت على ثغره شبه ابتسامة ساخرة:
“إنك تسأل هراءً يا بيناديل.”
“لحسن الحظ أنك لا تزال تجيد لغة البشر.”
أرخى بيناديل قبضته عن السيف شاعرًا ببعض الارتياح، لكن الكلمات التالية جعلته يطبق فكيه بقوة.
“لقد انتهيتُ من أمر الوحش، لنعد؛ فثمةَ خطبٌ في العاصمة يستدعي حضوري فوراً.”
وقعت هذه الكلمات على مسامع بيناديل كالصاعقة؛ فأن يجرؤ سيزار على وصف شقيقه بـ الوحش وهو في خلوةٍ مع كاتم أسراره، كان إعلانًا مخيفًا بأن اللعنة قد نهشت روحه تماماًا، حتى أظلمت بصيرته وما عاد يفرق بين دمِ أخيه وبين المسوخ التي يطاردها.
اعترض بيناديل طريق سيزار ومنعه من العبور:
“أعتذر منك، لكن لا نستطيع.. أليس لدينا خطة أقسمنَا على تنفيذها؟”
وبثباتٍ مرير، استلَّ بيناديل سيفه وقال:
“وجهتُك يا صاحب السيادة ليست العاصمة، بل الغابةُ التي خلفك.”
رمق سيزار مساعده بنظرةٍ باردة، ثم أطلق ضحكةً مدويةً خلت من أي مسحة حزن:
“يبدو أنك نسيتَ شريعة الجيش؛ أنَّ ثمن التمرد على القائد.. هو حياتك.”
صلصلة!
دون ذرة تردد، انتضى سيزار سيفه هو الآخر.
وفي اللحظة التي انبعثت فيها من سيفه هالةٌ جليدية قاتلة، توقد سيف بيناديل بنيرانٍ لاهبة واشتعل بلظىً حارق.
اصطدم الجليدُ بالنار، فانفجر بينهما بخارٌ كثيف غلف المكان، ليتحول إلى ضبابٍ مائيٍّ حجب الرؤية عن كل شيء، ولم يترك خلفه سوى صدى الحديد المحتقن بالعداوة.
***
قبل الوصول إلى غابة الحاجز بدقائق..
“تظاهرتُ بالبسالة والحديث عن واجب المساعد، لكن بصدق.. أنا لا أستطيع قتل القائد.”
هكذا اعترف السير بيناديل فجأة بصوتٍ يمتزج فيه التبجيل باليأس، ردًا على سؤالي عن الخطة.
وتابع قائلاً:
“القائد قويٌّ كوحش، وكذلك كان السير ثيودور؛ كلاهما تجاوزا بمراحل قدرة أقوى فرسان الشمال الذين يحملون واجب المساعد.”
لهذا السبب، كان السير تشيري هو الوحيد القادر على قتل ثيودور بعد تحوله.
أما سبب تأخره في القيام بذلك، فكان لضرورة تنفيذ الأمر بالقرب من غابة الحاجز.
“خطتي مع القائد هي كالتالي: بمجرد أن يحسم القائد أمر السير ثيودور، سأقوم أنا بدفعه بأي وسيلة نحو غابة الحاجز المجاورة.”
” الغابة لا تسمح لأي كائن يحمل طاقة سحرية مظلمة بالخروج منها، وطالما ظل القائد محتفظاً بتلك الطاقة بسبب اللعنة، فلن يتمكن من مغادرتها.”
“وبذلك، سيكسب وقتاً لتطهير نفسه دون أن يؤذي أحداً.”
لم تكن فكرة إلقاء السير تشيري في غابةٍ تعج بالوحوش بانتظار تلاشي اللعنة تبدو لي حلاً مثاليًا.
“وإذا.. ماذا لو لم يستطع السير تشيري تطهير اللعنة وتحول إلى وحش في النهاية؟”
“تحسباً لذلك، طليتُ سيفي بالسم.”
“ماذا؟!”
“إنه دواء سحري يحوّل الجسد إلى حجر تدريجيًا خلال عشرة أيام.
السم لا يؤثر في الوحوش الكاملة، لكنه سيعمل على جسد القائد الذي يتحول جزئيًا، في النهاية، سيكون أمامه خياران: إما تطهير اللعنة والخروج من الغابة لتناول الترياق، أو أن يتحجر جسده ويموت قبل أن يستحيل وحشاً كاملاً.”
نظر إليّ السير بيناديل بنظرةٍ خاطفة وهو يحثّ جواده للأمام بجمود:
“هذه خطتي، فما هو الحل الذي تملكينهُ يا حضرة الماركيزة؟”
كانت خطة بيناديل دقيقة وشاملة، تراعي احتمال النجاة والموت.
أما خطتي أنا فكانت…
“سأقوم بـ ترويض السير تشيري بقدرتي، وسأقيده بمكانه حتى ينتهي من تطهير اللعنة.”
كانت خطةً بسيطة، بل وتكاد تكون ساذجة.
“……يبدو أن إيمانكِ بسيادته عظيمٌ جداً.”
لم يرفض السير بيناديل مرافقتي رغم وصفه لخُطتي بالتهور بطريقةٍ مهذبة، بل اكتفى بإضافة كلماتٍ مثقلة بالذنب:
“ستكون لديكِ فرصة واحدة فقط، إذا فشلتِ، عليكِ ركوب جوادكِ والفرار فورًا.”
“لماذا تجزم بأنها فرصة واحدة؟ يمكنني المحاولة مرارًا…”
“يا آنسة، لعنة الوحوش خبيثةٌ جداً؛ فهي تدرك فورًا نقطة ضعف المضيف، وتضغط عليها لتجره نحو السقوط.”
توقفت نظرة بيناديل عليّ للحظة عند ذكره لنقطة الضعف، لكن لم يكن لدي وقت لتحليل مغزى نظرته، فقد لاحت لنا خضرة غابة الحاجز الداكنة من بعيد.
منذ تلك اللحظة، اختبأتُ خلف ساترٍ كما خططت، أراقب القتال بين السير بيناديل والسير تشيري متربصةً بلحظة القنص المناسبة.
‘لقد أعددتُ كل ما يمكن إعداده.’
قبضتُ بكلتا يديّ على المسدس الذي أصبح بارداً كقطعة ثلج.
قدرتي هي ترويض الكائنات التي تحمل طاقة مظلمة.
وبسبب عملية التحول، كانت الطاقة المظلمة تتراكم داخل السير تشيري.
بما أنني تأكدتُ في زنزانة السايرين ، ولو لوهلة أن ترويض الوحوش ممكن، فلا خلل نظرياً في قدرتي على ترويض السير تشيري.
‘علاوة على ذلك، لقد مارستُ الرماية مئات المرات خلال العام الماضي متذرعةً بضغط العمل.’
وحتى أضمن النجاح، استهلكتُ آخر ما لدي من عملات لشراء قطعة إضافية:
بروش الحضور الريشي الذي يخفي الأثر تمامًا.
كل ما كنت أحتاجه هو رباطة الجأش لأظهر مهارتي المعتادة.
وحين تدخل كيربيروس في القتال وهي الإشارة المتفق عليها انحنيتُ ورفعتُ مسدسي.
بدأتُ العد التنازلي العكسي لتهدئة أنفاسي المتلاحقة، فتبخر التوتر والارتجاف وتركزت كل حواسي عند فوهة المسدس.
حبستُ أنفاسي وانتظرت اللحظة الحاسمة.
تعاملتُ مع المسدس كأنه امتدادٌ لجسدي لا مجرد أداة، مانعةً أي اهتزاز، صابرةً وصابرة.
وأخيراً، حين استقر السير تشيري في مركز المرمى الافتراضي، لم أعد بحاجة لبركة الجنيات لإصابة الهدف.
طاخ!
في اللحظة التي سحبتُ فيها الزناد، شعرتُ باليقين.
هذه الرصاصة ستصيب السير تشيري لا محالة.
أثرٌ مخفيٌّ تماماً بفضل الأداة.. إطلاق نار مباشر من مسافة قصيرة.. حتى لو كان “كيربيروس” نفسه، فلن يستطيع تفاديها.
وكما توقعت، انطلقت رصاصة الطاقة السحرية نحو السير تشيري.
وعندما نهضتُ من مكاني مستجمعةً سحري استعداداً لتقييده بسلاسل المانا…
تينغ!
الرصاصة التي كانت تتجه بدقة نحو رأس السير تشيري، أمسكها بيده بمنتهى السهولة فتلاشت بشكلٍ مثير للإحباط.
“ما هذا… كيف؟”
“تباً! اهربي يا آنسة!”
جاءني صراخ السير بيناديل الذي كاد يمزق حنجرته.
عضضتُ شفتي وقبضتُ على المسدس بقوة.
قال السير بيناديل إنها فرصة واحدة، لكن سحري لا يزال وفيرًا.
وعلى الرغم من البرد الذي اجتاح جسدي فجأة بعد زوال مفعول الأدرينالين، إلا أنني أغمضتُ عينيّ وهدأتُ أنفاسي.
‘يجب ألا أرتبك، سأنتظر اللحظة المناسبة وأباغته مرة أخرى.’
بعد أن همستُ لنفسي مرارًا، فتحتُ عينيّ، لأجد…
“الآنسة بلانش، كنتُ أعلم أنكِ هنا.”
كان السير تشيري واقفاً أمامي بهدوء، ينظر إليّ من الأعلى.
نظرتُ بذهول إلى قناعه الحديدي الملطخ بالدماء وسألتُ بلكنةٍ غائبة:
“كيف…؟”
“هذا كلامٌ يبعث على الأسف، كيف لا أشعر بوجودكِ أيتها الآنسة؟”
وعلى شفتي السير تشيري ارتسمت ابتسامة فاترة ناعسة لم أرها منه قط.
لسببٍ ما، شعرتُ بقشعريرة تسري في أوصالي وقف شعر بدني رعبًا، فتراجعتُ غريزيًا خطوة للخلف وتطلعتُ لما وراءه.
في تلك اللحظة القصيرة التي غفلتُ فيها، كان كيربيروس قد فقد نيرانه وانفصل إلى ثلاث جراء صغيرة تائهة هنا وهناك، أما السير بيناديل فقد كان…
“لا تقلقي. لم أقتله لأن ذلك سيحزنكِ.”
“……لقد طرحتَهُ أرضاً بتلك الطريقة البشعة، وتقول إنك لم تقتله؟”
كانت دماءُ بيناديل متناثرة فوق الثلج الأبيض في كل مكان.
هممتُ بالاقتراب منه للتأكد إن كان لا يزال حياً، لكن السير تشيري حجب رؤيتي بجسده، وهمس لي بنبرةٍ بدا فيها مستاءً بشكلٍ غريب:
“أودُّ حقاً أن أقطع أنفاسه تمامًا لكي لا تقلقي على سلامته بعد الآن، فهل تسمحين لي بذلك؟”
يا للسخرية، لقد نطق السير تشيري بهذا الكلام الجنوني بأكثر أصواته إنسانيةً سمعتها يومًا.
وهذا ما جعلني أدرك يقينًا أنه قد فقد صوابه تمامًا.
تراجعتُ خطوة أخرى للخلف، مدركةً أنني لا أزال أمسك بمسدسي.
راقب السير تشيري ابتعادي، وقال برقة:
“لو استطعتِ النظر إلى ما يدور في عقلي الآن، فمن المؤكد أنكِ ستشعرين بخيبة أملٍ تجاهي.”
تراجعتُ خطوة ثانية، وضغطتُ بسبابتِي على الزناد استعداداً للإطلاق في أي لحظة.
“وخيبة أمل الآنسة بلانش ستمزق أحشائي إرباً.”
وفي الخطوة الأخيرة، حين اصطدم ظهري بجذع شجرةٍ ضخمة من أشجار الغابة…
‘الآن!’
وجهتُ المسدس نحوه بعد أن أوهمته بأنني لا أنوي الهجوم.
“آه!”
لكن هجومي الحاسم تم إحباطه بمنتهى السهولة.
أطبق السير تشيري بيده اليمنى على كلتا يديّ، وثبتني بقوة على جذع الشجرة كفراشةٍ محنطة.
نظرتُ إلى سلاحي الوحيد وهو يتدحرج عند قدمي، ثم أدركتُ أن يده كانت أبرد من الثلج المتجمد، فتمتمتُ بيأس.
لقد فهمتُ الآن كيف استطاع الإمساك برصاصة المانا والنجاة من قدرتي.
“سير تشيري، ألا تظن أن تغليف يدك بـ ‘الهالة’ يعد غشاً؟”
لم يردّ السير تشيري على كلماتي، بل اكتفى بالابتسام صامتًا.
ياويلي يالاحدااااث!! شرايكم؟ حماس ولا مو حماس! يلا يلا روحوا للحلقة الي بعدها
التعليقات لهذا الفصل " 168"