كوحشٍ جريحٍ حوصر عند حافة الهاوية، كان الحذر والترقب المنبعثان من الوحش وهو يواجه سيزار مخيفين للغاية.
ومع ذلك، لم يفرّ الوحش إلى الغابة التي خلفه مباشرة؛ ربما لأنه أدرك بغريزته الفطرية أنه لو وطأ الغابة في هيئته هذه، فلن يتمكن من الخروج منها أبدًا.
لم يكن لدى سيزار أدنى نية لتركه يلوذ بالغابة.
كان هذا أمرًا يجب أن يحسمه بيده وحده.
تحدث سيزار إلى ثيودور، وكأنه يلقي بكلماته الأخيرة التي عجز عن قولها يومًا، مثلما يتحدث المرء إلى نفسه أمام لوحةٍ قديمة:
“في أول لقاءٍ لنا، قلتَ لي يا أخي… إنك لن تموت أبدًا على يدي.”
هل كان يدرك ثيودور كم كانت تلك الكلمات عزاءً عظيمًا لسيزار الصغير؟
“لذا، يا أخي.”
وضع سيزار قناع الشياطين ببطء.
تحولت عيناه الزرقاواتان إلى اللون الأحمر القاني، وشوهت الشمس التي أشرقت تمامًا الآن ظله ليغدو قبيحًا كظلّ شيطان.
سررنغ!
مع انتضاذ سيزار لسيفه، حلت هالة قتلٍ أكثر برودة من عواصف الشتاء في أرجاء الشمال، الذي كاد الصيف أن يطرق أبوابه.
“أنا أيضاً أعدك، لن أموت أبدًا… على يدك.”
صرامة والده، ودموع والدته، وحنان أخيه؛ كلها كانت لا تزال تنبض بالحياة في أعماق سيزار.
وبفضل تلك المشاعر، استطاع الطفل الذي كان يخشى الأحضان البشرية أن يكبر ليصبح رجلاً يعرف دفء المودة ويجيد حبّ الآخرين.
لذا، كان سيزار لا يزال يحب أخاه الوحيد.
لقد كان ثيودور غاليًا عليه لدرجةٍ تجعله مستعدًا لغمس يديه في دماء شقيقه، فقط ليحول بينه وبين ارتكاب المزيد من القتل.
***
“لقد قال إنه ذاهبٌ إلى الغابة وأمرنا ألا نتبعه.”
“كانت إرادته صارمةً جدًا، لدرجة أننا لم نتمكن من اعتراض طريق سيدنا.”
مع كلمات الفرسان، ازدادت قبضة بيناديل قوةً على أعنة جواده.
كبح جماحه بصعوبة عن توبيخ الفرسان في مكانهم.
بالنسبة لمن لا يعرف حقيقة ليلة التمرد، كان سيزار طاغيةً فذّاً أعماه الطمع في السلطة، فقتل والديه وأخاه متذرعًا بلعنة الوحوش.
ولم تكن لدى هؤلاء الفرسان الشجاعة أو الولاء للوقوف في وجه الطاغية.
مرت ست سنوات، لكن ما حدث في ليلة التمرد لا يزال حيًا في ذاكرة الناس.
قصر النجوم المشتعل بالهب، والرماد المتطاير كأنه ثلوج سوداء.
آنذاك، غصّ الهواءُ البارد بصرخات من ضاعوا في لهيب القصر، وصار النحيبُ وقودًا يغلي في الصدور، أما سيزار، فقد وقف بملامح خالية من أي أثرٍ للأسى، ونطق ببرودٍ يثير الرعب، وكأن الحرائق التي خلفه ليست سوى مشهد عابر:
“أنا من أطفأ نور قصر النجوم، وأنا من سفك دماء القربى ليتربع على هذا الكرسي، لا تسألوا عن الأسباب، بل انظروا إلى النيران؛ ففي لهيبها احترق كل ما كنت أحب، وبقي لكم الملك.”
لو فكر المرء بهدوء قليلاً، لأدرك أن شيئاً مريبًا كان يحدث في القصر حتى قبل وصول سيزار.
لكن نظرة سيزار الملطخة بالدماء أضفت وزنًا لا يُردّ على كلماته، وزرعت في قلوب الناس رعبًا جعلهم لا يجرؤون حتى على إثارة التساؤلات.
‘كان يجب عليّ منع القائد في ذلك اليوم.’
ازداد اضطراب بيناديل وهو يحثّ جواده نحو غابة الحاجز.
وعلى الرغم من أن جسده وعضلاته كانت موجهةً كليًا نحو الوصول للغابة، إلا أن عقله المشوش بدأ يتراجع تدريجيًا إلى الماضي.
أين تسلل الخللُ إلى قلب القدر؟
أكان ذلك حين عَلِم أن ثيودور الذي حسبه رمادًا في حطام القصر لا يزال يتنفسُ الصعداء في غياهب منجم هيرينغتون؟
أم حين باغت الموتُ اللورد بلانش السابق قبل أن يخطَّ بيمينه صكَّ ملكية المنجم؟
أم كانت تلك المزحةُ السمجة من السماء، حين انهار الثلجُ ليفكَّ أسرَ ثيودور من محبسهِ الحجري؟
أطبق بيناديل فكّيه بمرارةٍ وهو يقتاتُ على تلك الذكريات؛ فكلُّ ما أراده، وبأي ثمنٍ كان، هو أن يمنع يد سيزار من أن ترتوي بدمِ ثيودور.
ومع ذلك، كان القدر يتدخل في كل شاردة وواردة، وكأنه يشتهي موت سيزار بكل جوارحه.
وكأن نهاية سيزار المحتومة قد كُتبت بالفعل ولا مفر منها.
“……أيها السير!”
“سير بيناديل!”
استفاق بيناديل من أفكاره حين سمع صوتاً بشريًا وسط صفير الرياح الحاد.
وفجأة، خيّم ظلٌّ هائل فوق رأسه، ووقف شيءٌ ما يعترض طريقه.
توقف الحصان المذعور فجأة، رافعًا حوافره الأمامية في الهواء.
هدّأ بيناديل روع حصانه بمهارة، ثم رفع بصره ليرى الكائن الضخم الذي سدّ طريقه.
كان ذهول بيناديل بظهورها يفوق ذهوله من رؤية كيربيروس.
“حضرة الماركيزة بلانش، ما وراء هذه النقطة هي غابة الحاجز، إنه خطر، لذا فوراً……”
“قدني إلى السير تشيري.”
ظن بيناديل في البداية أنه لم يسمع جيدًا.
لكن عندما التقت عيناه بنظرة بليندا الحازمة، أدرك بغريزته أنها تعرف الحقيقة كاملة.
“أعرف ما تنوي فعله، أنت ذاهبٌ لتأدية واجبك كبُعدان.”
واجب المساعد.
لم يكن ينال هذا المنصب الرفيع سوى أقوى فرسان الشمال، لكن في الوقت ذاته، كان يُنظر إليهم بسخرية أحيانًا بوصفهم “من لا تلطخ الدماء سيوفهم”.
والسبب هو أن الواجب الوحيد للمساعد كان قطع رأس سيده إذا ما تحول إلى وحش.
لذا، كان بيناديل يرافق سيزار دومًا في دخوله وخروجه من الغابة، لكنه لم يسبق له قط أن ذبح وحشًا.
أما اليوم، فقد كان ينوي انتضاذ سيفه إذا استدعى الأمر.
ليقطف رأس الوحش الوحيد الذي يُسمح له بذبحه.
“هذا ليس أمراً يتدخل فيه الغرباء.”
أجاب بيناديل بأكثر أصواته تجردًا من المشاعر، وهو يشيح بوجهه عن بليندا.
وبينما همّ بحث جواده لتجاوز كيربيروس، استوقفه صوت بليندا من خلفه:
“لدي طريقة لمساعدة السير تشيري.”
اتجهت نظرات بيناديل تلقائيًا نحو كيربيروس، خيّل إليه أنه فهم مقصدها.
بما أنها تملك قدرة ترويض الجنيات وتتحكم بالوحوش، فمن المؤكد أنها تنوي استخدام كيربيروس لإيقاف سيزار.
أقرّ في نفسه بأن هذا قد يكون مفيدًا، ولكن…
“الوحوش المروضة لا يمكنها قهر وحشٍ هائج.”
صحيحٌ أن كيربيروس وحشٌ من الفئة الخطرة الكبيرة المحددة من قِبل المعبد، لكنه في النهاية كائنٌ روضه البشر.
والحيوان الذي يخضع للبشر يفقد وحشيته.
لذا، فإن وحشًا فَقَد وحشيته ، وفوق ذلك لم يستعد حجمه الأصلي بعد، لن يكون ندًا لسيزار.
“ومن قال إنني سأستخدم كيربيروس لإيقاف السير تشيري؟”
كليك.
صوت احتكاك معدني جاء من خلفه أجبر بيناديل على الالتفات أخيرًا.
كانت بليندا، المعتلية صهوة جوادٍ أسود، تمسك بمسدسٍ في يدها.
تطاير شعرها الأحمر بجنون مع الريح، لكن لم تطرف لها عين، بل حدقت في بيناديل بنظرةٍ هادئة وساكنة.
“سأشرح لك الأمر ونحن في طريقنا، لذا، سير بيناديل، إن كنت ترغب في إنقاذ سيدك، فكن دليلي.”
***
لطالما كانت غابةُ الحاجزِ حصنًا عصيًا، تتدفقُ في عروقِ أشجارِها قداسةٌ وسحرٌ لا تدركهُ النصال، غير أنَّ مخالبَ الوحوشِ وهالاتِ المحاربينِ المصقولةَ بالدمِ كان لها حُكمٌ آخر.
تحطم!
هوت إحدى الأشجارِ العتيقةِ مرغمةً، لتمزق جذورُها قلبَ الأرض في سقطةٍ زلزلت الأرجاء.
لم تدم مَلحمةُ الشقيقينِ طويلاً؛ فبراعةُ سيزار قد جاوزت الآفاقَ منذ أمد، ومهما استشرى الوحشُ فإنَّ الغلبةَ لمن صهرتْهُ النيران.
وفي الختام، قيّد سيزار أطراف الوحش بهالته فوق التراب، وصوّب نصلَهُ نحو المكمنِ الأخير..
نحو القلب.
وبثباتٍ يسبقُ الزمان، غرسَ سيفَهُ في صدرِ الوحشِ وسط صرخاتٍ منكرةٍ تشقُّ حُجبَ السماء.
نصلٌ استقرَّ في مكمنه.
شعر سيزار بارتعاشة القلب الممزق خلف نصله، وفي تلك اللحظة، انحدرت من وجنتِهِ حباتُ عرقٍ كانت في وقارِها تشبهُ الدموع.
التعليقات لهذا الفصل " 167"