همس أحدهم بذلك الاسم الغريب، بينما كانت يدٌ تتحسس وجنة ليو برقةٍ بالغة، تداعب بشرته بظهرها في حنوٍّ آسر.
تمتم ليو بكلماتٍ غير مفهومة، وقد غلبه النعاس وحاصره الضباب في عقله:
“هذا… ليس اسمي…”
لكن، وفي ركنٍ خفيّ من شعوره، أحسّ بأن تلك اللمسة الدافئة التي تداعب وجهه مألوفةٌ إلى حدّ يمزق نياط القلب.
حتى إن الصغير كان يعلم في قرارة نفسه لِمَ يلمسه الطرف الآخر بظهر يده؛ لقد كان يخشى أن تخدش كفه الخشنة، التي غزتها الثآليل والندوب، بشرة الطفل الرقيقة.
“إنديميون.”
“اسمي هو ليو.”
في اللحظة التي أجاب فيها ليو، شاعرًا بذنبٍ غامض لا يعرف له سببًا، قبض أحدهم على كتفيه بقوةٍ وإحكام، وهمس في أذنه بلهفةٍ مستميتة:
“إنديميون، لا تنظر خلفك أبدًا.. اركض، وعيناك للأمام فقط، أحبك يا طفلي.”
مرت رائحة تشبه الرماد المحترق بطرف أنفه، وبدا وكأن العالم أجمع قد استحال إلى لظى مستعر، وكانت تلك آخر صورة انطبعت في ذهنه قبل أن يستيقظ من حلمه.
كان الوقت منتصف الليل، وبدأت ملامح غرفته في قلعة بالواستين، التي اعتادها أخيرًا، تلوح باهتةً وسط الظلام الدامس.
اعتدل ليو في فراشه بحركةٍ متعثرة، وكان ظهره مبتلاً بعرقٍ بارد.
ربما كان السبب هو تغير مكان نومه، فمنذ أن حلّ ضيفًا على قلعة بالواستين، كان يستيقظ كثيرًا في هزيع الليل وكأن شيئًا ما يطارده؛ لقد كانت أحلامه مضطربةً ومشوشة.
ومع ذلك، مهما حاول استرجاع تفاصيل الحلم، لم يسعفه عقله بذكراه.
‘لا أظن أنه كان كابوسًا، ولكن…’
جلس لوهلةٍ صامتًا شارد الذهن، ثم انسلّ بهدوء من سريره، وفتح الباب المتصل بغرفة بليندا، خيّل إليه أن رؤية وجهها ستبدد ذلك القلق المتسرب إلى روحه.
لكنّ فراش بليندا كان خاويًا.
هل كان السبب هو ذلك الحلم الذي لا يذكره؟
شعر ليو بقلبه يهوي في جوفه، ففتح الباب المؤدي إلى الردهة وأخرج رأسه بحذر.
كانت تلك الغرفة تقع في أعمق نقطة من الحصن الرئيسي.
ولم تدرك بليندا بعد أن هذا الجناح مخصصٌ حصرًا لسلالة الدوق المباشرة.
لذا، كان من المفترض أن تعجّ الردهة بالحرس والمناوبين من الخدم، بل ومنذ أن شوهدت الوحوش في القرى القريبة من القلعة، أصبح الفرسان يقومون بجولات تفتيشية كل ساعة.
لكن، لسببٍ ما، كانت الردهة في تلك الليلة مقفرةً، يلفّها سكونٌ موحش.
“آنسة بليندا، هل أنتِ هنا؟”
همس ليو بصوتٍ خافت، فتردد صداه مرارًا حتى تلاشى عند طرف الردهة الغارق في سوادٍ دامس.
وبينما همّ بإغلاق الباب والعودة إلى فراشه بعد أن خاب رجاؤه في سماع رد، جاءه صوتٌ من أقصى الممر الطويل، وكأنه يردّ على صدى صوته.
لكنه لم يكن صوتًا بشريًا، بل كان حضورًا مخيفًا.
وقعُ شيءٍ ثقيل يطأ الأرضية الرخامية.
صوت احتكاكٍ تقشعر له الأبدان، كأنّ نصل سيفٍ يجرّ خلفه على الأرض.
لم يدرك ليو ماهية الشيء الكامن في عتمة الليل، لكن في تلك اللحظة، وقف شعر بدنه رعبًا، واستحضر في ذهنه لاإراديًا ما حدث في زنزانة السايرين.
آنذاك، كان كل شيءٍ غريبًا عليه ولم يملك فرصةً للاستعداد، أما الآن، فقد بات يعرف يقيناً أن هذا الإحساس القاتل ليس سوى هالة قتل خام وغير مهذبة.
دون أن يصدر أدنى ضجيج، ترك الباب مواربًا واختبأ بسرعة خلف ستائر التعتيم الثقيلة في غرفته.
اقتربت خطواتٌ بطيئة ومثقلة، وفجأة، توقف الصوت تمامًا أمام باب الغرفة التي يختبئ فيها ليـو.
ثم…
صرير…
تحشرجت مفاصل الباب وهي تُفتح ببطء، وكأن يدًا خفية تحاول تمزيق اللحم للنفاذ إلى صميم القلب.
كتم ليو أنفاسه بكلتا يديه، خوفًا من أن يشي شهيقه المتسارع بمكانه.
تقدم… تقدم…
بدأت خطوات المتسلل تقترب منه داخل الغرفة.
ولم يكن يفصل بين ليو وهذا الدخيل سوى ستارةٍ كانت مخصصةً لحجب ضوء الشمس فقط.
وفجأة، انبعث صوتٌ حاد يشبه احتكاك الشفرات ببعضها، لا يكاد يُصدّق أن بشريًا قد يصدره، وهو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة بلكنةٍ مهشمة.
أغلق ليو عينيه بشدة أمام ذلك الضجيج المرعب.
وامتدت يد المتسلل ببطء نحو الستارة.
وفي اللحظة التي لمست فيها تلك اليد القماش…
استجمع ليو شجاعته وفتح عينيه ببطء.
لامس ملمس المخمل الناعم وجنته.
لقد كان أحدهم يداعب خدّ ليو برقةٍ متناهية من وراء الستارة.
كانت تلك اللمسة مألوفةً بشكلٍ غريب جعل الرعب يتلاشى من قلبه، وهمّ بإزاحة الستارة ليرى من هناك، ولكن…
وووش.. بوم!
انفجر ضوءٌ سحري في سماء الفجر خارج النافذة خلفه، وتلته جلبةٌ واضطراب هزّ أركان القلعة.
تشتت انتباه ليو بالضوء، فأزاح الستارة متأخرًا ليرى ما خلفها.
إلا أنه لم يجد سوى ظله الطويل يمتد وحيدًا تحت ضوء القمر الشاحب.
بعد برهة، اقتحمت بليندا وسيزار الغرفة عبر الباب المفتوح.
اندفعت بليندا نحو ليو الواقف مذهولاً أمام النافذة، وتفحصته بقلق بالغ:
“ليو، لِمَ أنت مستيقظ؟ هل أنت بخير؟ هل راودك كابوس؟ لماذا وجهك شاحبٌ هكذا.. هاه؟”
نظر إليها ليو بذهول، غارقًا في شعورٍ غريب لا يجد له وصفًا.
بعد أن اطمأنت بليندا على سلامته، تبادلت بضع كلماتٍ مع سيزار، الذي غادر الغرفة بعد ذلك مباشرة.
أجلست بليندا الصغير على الأريكة وناولته كأسًا من الماء.
وبعد أن بلل حلقه الجاف، استعاد وعيه ونطق أخيرًا:
“كان هناك… شيءٌ ما.”
“ماذا؟”
“لقد كان في هذه الغرفة قبل قليل…”
كان صوت ذلك الكائن المرعب لا يزال يطنّ في أذنيه.
عويلٌ أشبه بزئير الوحوش، لا يمت للغة البشر بصلة.
في الحالات العادية، كان من المستحيل فهم ما قاله، لكنّ ذلك الاسم قفز من فمه دون تفكير:
“إندي…ميون.”
التفتت بليندا نحوه بجسدٍ متصلب، وكأنها سمعت ما لا يُصدّق.
وهمس ليو بذهول، كمن ترك روحه في غياهب حلم:
“لقد قال يقينًا… إنديميون.”
ارتخت يد بليندا وهي تتسلم الكأس من ليو.
تحطم!
تفتت الكأس الزجاجي محدثًا ضجيجًا عاليًا، لكن لم يهرع احدًا للغرفة بسبب الفوضى العارمة التي كانت تضرب القلعة.
“ليـو، من أين سمعت ذلك الاسم؟”
وفقاً لما رواه سيزار، لم يعد في هذا العالم سوى قلةٍ قليلة تذكر ذلك الاسم؛ فالبقية قضوا جميعًا في ليلة التمرد.
أجاب ليو وهو ينظر إليها بعينين حائرتين، لكنهما خاليتان من الخوف:
“ذلك الشيء… نظر إليّ ونطق به، كان يبدو كوحش، لكنني لم أشعر أنه وحشٌ شرير…”
لم تجد بليندا ما تقوله للصغير سوى كلماتٍ مطمئنة:
“لا بأس يا ليو، كل شيء سيكون بخير.”
احتضنته بقوة وهي تهمس له بالأمان، لكنها عضت شفتها السفلى بقوة.
الآن فقط، بدأت تدرك كنه ذلك الشعور المريب الذي كان يغزُوها كشوكةٍ عالقة في طرف إصبعها.
لقد كانت تتساءل دومًا:
غابة الحاجز هي خط الدفاع الأخير الذي وضعه الملك الأول لمنع الوحوش من وطئ أرض البشر، فكيف تتجول الوحوش في أراضي الشمال إذن؟
ولماذا اصطبغت عينا سيزار الذي لم يتأثر سابقاً حتى وهو يقطع رقاب مئات الوحوش باللون الأحمر الآن تحديدًا، وهو يواجه وحشًا واحدًا فقط؟
بزغت في مخيلتها جملةٌ من كتابٍ يصف القوى غير الطبيعية لعائلة بالواستين:
“تقتاتُ لعنة الوحوش على ركام الخطايا، وتستعرُ نيرانها بآثام الورى، لكن أشدَّها عتوًا ما كان بدمِ القربى؛ فيا بني بالواستين، لا تدنّسوا شرف نصالكم بذبح الأرحام، فمن سفك دمَ أهله، استحال وحشاً قبل أوانه.”
إذا كانت خطيئة قتل الأهل تحفز اللعنة لدرجةٍ لا يمكن الرجوع عنها، فكيف استطاع سيزار الذي يُقال إنه قتل والديه وإخوته أن يبقى بشريًا؟
كل هذه التساؤلات أدت إلى حقيقة واحدة.
أدركت بليندا أخيرًا السر الذي كان يخفيه سيزار.
في ليلة التمرد، لم يكن سيزار هو من أباد عائلته.
‘لقد كان ثيودور بالواستين، هو من لم يستطع تحمل لعنة الوحوش فقتل عائلته واستحال في النهاية إلى وحش.’
هذه الحقيقة التي تجلت أخيرًا مزقت نياط قلب بليندا، لكنها لم تستسلم للانهيار.
“سأذهب لتسوية الأوضاع والعودة.”
تذكرت قول سيزار، فَـشعرت بمرارة وحزن ذلك الرجل الصادق لدرجة الحماقة، ولم تطق البقاء مكتوفة الأيدي.
***
كان لغابة الخضرة التي تقطع الشمال أسماءٌ عدة.
أكثرها شيوعًا بين الشماليين هو الغابة التائهة، لأن كل من يطأها يظل تائهًا فيها للأبد حتى يستحيل إلى غذاءٍ لتربتها.
وبينما كانت الغابة تلتهم كل كائن حي، سواء كان بشرًا أو وحشًا، إلا أنها كانت تفيض بالرحمة تجاه من يجري في عروقهم دم العائلة الملكية أو عائلة بالواستين.
لذا، لُقب أبناء بالواستين بـ أدلة الغابة، إذ كانوا محصنين ضد مكائدها وأوهامها.
ولهذا السبب، كان سيزار يشعر أحيانًا بحريةٍ وراحةٍ لا توصف داخل الغابة، وكان يظن أن الآخرين يشعرون مثله تمامًا.
لكنه أدرك في ليلة التمرد أن ذلك كان وهمًا يخصه وحده.
لقد كان ثيودور يضغط على نفسه فوق طاقته منذ زمنٍ بعيد.
منذ اليوم الذي خضع فيه لمراسم بلوغٍ مبكرة لكي يتمكن من احتضان أخيه الوحيد، بدأت روحه تتآكل تدريجيًا بفعل اللعنة.
عند مدخل غابة الحاجز، عثر سيزار على الوحش الذي كان يلملم جراحه بعد أن أصابته السهام، فنطق بذلك اللقب بعد طول غياب:
“أخي.”
حاول أن يقنع نفسه بأنه مجرد وحش، لكنه لم يستطع في النهاية إنكار الحقيقة؛ الحقيقة الصارخة بأن ما يقف أمامه هو أخوه الذي يشترك معه في الدماء.
لقد كان الوحش الماثل أمام سيزار لا يزال هو ثيودور، شقيقه العزيز، لدرجة أن طعن نصله في ظهر أخيه الذي تحول إلى وحش لم يكن كافيًا لغسل اللعنة عنه طوال تلك الشهور الطويلة.
التعليقات لهذا الفصل " 166"