سرعان ما اصبح الاسم الذي منحه إياه ثيودور هو لقب التدليل الذي يُعرف به الصغير.
ومرت الأيام والسنين، حتى بلغ تشيري عامه العاشر.
في فصل الصيف، الفصل الوحيد الذي يندر فيه رؤية الثلج في الشمال، انقشعت اللعنة التي سكنت عيني الطفل فجأة، تمامًا كأول هطول للثلج يأتي دون سابق إنذار.
عندها فقط، استطاعت الدوقة الأكبر أن تضم إلى صدرها ابنها الذي أزهرت في عينيه زهور الثلج الزرقاء.
أما الدوق، فقد وضع يده على كتف ابنه، ولأول مرة، نطق بالاسم الذي احتفظ به في قلبه عشر سنوات:
“سيزار.”
“أعتقد أن اسم تشيري يليق به أكثر من سيزار أليس كذلك يا تشيري؟”
ضحك ثيودور بعبث وهو يمرر ظهر يده على وجنة سيزار الناعمة، كعادته التي لم يتركها.
حينها، أدرك سيزار أخيرًا أن قدرته على قهر اللعنة كانت بفضل صرامة والده، وحنان أخيه، ودموع والدته.
لابد أنه كان يشعر بسعادة غامرة في تلك اللحظة.
غير أن تعاليم والده، التي تغلغلت في دمه ولحمه، كانت قد سلبت قدرته على التعبير؛ فلم يظهر على وجه الصغير أي أثر لأي شعور يُذكر.
***
انساب الوقت برقة كبتلات زهور تتساقط، حتى بلغ سيزار الرابعة عشرة من عمره.
وفقاً لتقاليد عائلة بالواستين، توجه إلى غابة الحواجز، وعاد منها حاملاً رؤوس ثلاثة من الوحوش.
وعلى الرغم من أن السيف الذي كان يقبض عليه كان ملطخًا بدماء الوحوش المتجمدة بفعل هالة الجليد، إلا أن عينيه لم تعكس قطرة دم واحدة؛ كانت صافية تمامًا.
لقد أقام مراسم بلوغه قبل أوانها بأربع سنوات، ومع ذلك، ذُهل فرسان الشمال وهم يرون سيدهم الشاب يعود دون خدش واحد.
حتى ثيودور نفسه لم يملك إلا أن يبدي إعجابه بموهبة أخيه الفذة.
“آه، لقد هزمني تشيري، كأخ أكبر، أشعر أن هيبتي قد ضاعت.”
أقام ثيودور مراسم بلوغه في السادسة عشرة، وهو أيضًا كان قد سبق أقرانه بعامين.
لكن بخلاف سيزار، الذي كانت عمليات القتل والقواعد في غابة الحواجز سهلة ويسيرة بالنسبة له، فقد بذل ثيودور جهدًا مضنياً آنذاك، وكان هدفه الوحيد هو نيل الأهلية للقاء أخيه الصغير.
أجابه سيزار ببرود وجفاء:
“لا داعي للقلق بشأن هيبتك أمامي، فحقيقة أنك أخي لن تتغير أبدًا.”
بهت ثيودور ليرد بتلك الكلمات، ثم نظر إلى أخيه بنظرة فخر، ومسح وجنته بظهر يده قائلاً:
“انظروا إليه، انظروا! لقد أصبح ينطق بكلمات تبعث على الفخر، لقد كبرتَ حقًا.”
“إذا كنت تعتقد أنني كبرت، فتوقف عن لمس وجهي وكأنني طفل صغير.”
“آه، إذاً أسحب كلمتي، أنت لم تكبر بعد.”
***
جرى الوقت كجريان الماء، وبلغ سيزار الخامسة عشرة.
“سيزار، لقد أصبحت عمًا.”
رُزق ثيودور، الذي تزوج من ابنة عائلة نبيلة في الشمال قبل عامين، بطفل.
وقف سيزار مرتبكًا لا يدري كيف يتصرف وهو يحمل ذلك الكائن الصغير الذي يشبه حبة خوخ بيضاء وناعمة.
كان الرضيع يبدو هشًا لدرجة أن سيزار كان يخشى حتى من إخراج أنفاسه في حضرته.
وفي اللحظة التي فتح فيها الطفل النائم عينيه والتقى بنظرات سيزار..
“عيناه.. حمراوان.”
لأول مرة، أدرك سيزار معنى أن يهبط القلب بين الضلوع من فرط الوجل.
وبالرغم من ملاحظة سيزار ، إلا أن ثيودور لم يكترث، بل راح يمسح وجنة رضيعه بظهر يده وكأنه يلمس أغلى كنز في الوجود.
“اسمه ‘إنديميون’.”
“ولكن…”
“تشيري، لن أربي طفلي كما ربانا والدي، هذا هو قراري وقرار زوجتي.”
وعلى عكس الدوق وزوجته اللذين غرقا في الهم، لم يطلق ثيودور ولا زوجته تنهيدة حزن واحدة.
“لقد قهر السيد الشاب اللعنة، وبفضله نملك نحن أيضًا الأمل، إنديميون سيشبه عمه، وبالتأكيد سيقهر اللعنة بسلام.”
كانت زوجة الدوق الصغير امرأة قوية؛ فبالرغم من المخاطر، لم تتردد يومًا في ضم طفلها إلى صدرها، حتى دون ارتداء الخوذة الحديدية التي تحمي العنق.
كان الزوجان يتحدثان كل يوم عما سيكون عليه لون عيني الصغير بعد أن تنقشع اللعنة.
بمشاهدة ذلك، عقد سيزار العزم على القيام بما في وسعه.
“أخي، سأبيد كل الوحوش وراء الغابة.”
“ماذا؟”
“عندما يكبر هذا الطفل، سأجعل من وحوش غابة الحواجز مجرد أسطورة تُروى.”
” هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله من أجل إنديميون.”
“تشيري…”
قطع عهدًا على نفسه بأن يفعل أي شيء لحماية ابن أخيه الصغير.
ومع مرور الأيام، أصبحت هالته التي تقطع رؤوس الوحوش أكثر برودة وحدة، لكن داخله كان أصلب من أي وقت مضى، دون ذرة اهتزاز واحدة.
“الحب الصادق وحده هو ما سيحررنا من لعنة الوحش.”
كان الدوق الأكبر يعتبر هذه العبارة مجرد ترهات لكاتب رومانسي، بينما كان ثيودور يرى أن هناك على الأقل شخصًا واحدًا عاقلاً بين أسلافهم.
أما سيزار، فكان يميل لرأي والده في البداية، لكنه بعد ذلك اليوم، بات يفهم ما يرمي إليه ثيودور.
طالما أنه يفكر في إنديميون، فلن تستطيع اللعنة أن تدنس روحه أبدًا، لم يكن ذلك غرورًا، بل يقينًا.
***
ومضى الوقت ببطء شديد، كنمو الصواعد في الكهوف، حتى بلغ سيزار العشرين من عمره.
كان في طريق عودته بعد رحلة صيد استمرت عشرة أيام خلف غابة الحواجز.
وكان السير بيناديل، الذي يتبعه في كل مكان، يشتكي بتذمر:
“آه، أخيرًا سأنام على سرير، لقد نشأتُ مدللاً، والتخييم لا يناسبني أبدًا.”
“النشأة في ترف لا تعني عدم ملاءمة التخييم، الأمر يعتمد على العزيمة.”
“يا سيدي، أنت لا تزال شابًا، لماذا تتحدث كالعجائز الـ…”
توقف بيناديل عن التذمر فجأة وتجمد في مكانه.
بعيداً، من ناحية قلعة بالواستين، كان يتصاعد خيط من الدخان الأسود القاتم.
كان مشهدًا يبعث القشعريرة في الأوصال، تمامًا كتلك الأضواء السحرية التي تنذر بظهور الوحوش.
لم يجد سيزار وفرسانه وقتًا لاستجماع قواهم المنهكة، بل انطلقوا مسرعين نحو القلعة.
وبدافع من غريزة مجهولة، ظل سيزار يردد تعاليم والده طوال الطريق:
“لا تثر تموجات على سطح الماء، ولا تفكر حتى في النظر إلى ما يكمن في الأعماق.”
كان قلب سيزار دائمًا كأعماق البحر، لا يهتز أمام أي هجوم خارجي.
لكن في ذلك اليوم، واجه سيزار لأول مرة عاصفة هوجاء نبشت حتى قرار سحيقه.
وخلّفت في روحه جرحًا لا يندمل.
لقد كانت ليلة التمرد.
***
توقف السير تشيري عن الكلام عند هذا الحد.
حول نظره عن عينيّ إلى سماء الفجر التي بدأت تصطبغ بالرمادي الباهت.
“كان اضطرابًا سببه فارس أخفى حقيقة تحوله الوشيك إلى وحش داخل القلعة.”
كان صوت السير تشيري وهو يروي ماضيه يبدو منهكًا، كأنجم الفجر التي يخبو ضياؤها.
“الرغبة في القتل والجنون عدوى تنتقل، يأس ذلك الفارس حطّم قوتي الروحية التي كانت منهكة للتو بعد العودة من الغابة.. وهكذا، عندما استعدتُ وعيي، كان كل شيء قد انتهى.”
شرح ببرود كيف أن اللعنة استولت عليه جزئيًا، وكيف قتل والديه وأخاه، وكيف احترق القصر المنعزل تمامًا، وسقط الكثير من الضحايا، ومع ذلك، لم يتم العثور على جثة إنديميون أبدًا.
لكنني، لسبب ما، شعرتُ بوجود كذبة تتخلل كلمات السير تشيري.
ليس لأنني لمحت الحقيقة عبر نظارات كشف الكذب، ولا لأنني لم أرغب في تصديق كلماته، بل لأنني أدركتُ وجود حلقة مفقودة في روايته، شيء لا يستقيم مع المنطق، كغصة في الحلق.
ومع ذلك، لم أضغط عليه لقول الحقيقة، ولم أتسرع بمواساته.
بدلاً من ذلك، نطقتُ بما ظل يشغل بالي طوال استماعي له.
هناك مقولة يرددها الجميع في القلعة عن السير تشيري:
“إنه يذهب دائمًا إلى الغابة، ويذهب دون أن يلتفت وراءه، وكأنه لن يعود أبدًا.”
“سير تشيري، هل تذهب إلى الغابة من أجل الانتقام؟”
التقت عينا السير تشيري بعينيّ بعد أن كان يحدق في الفراغ.
لكن ما رأيته في عينيه الغارقتين في الماضي كان مختلفًا عما رأيته في عيني تشاشر.
“…. ربما كان الأمر كذلك في البداية.”
في أعماق عينيه اللتين ظننتُ أنهما لا تحويان سوى الجليد، كان هناك شيء متجمد يشبه بذرة أزلية صلبة لم ألحظها من قبل.
“لكنني شخص بليد المشاعر، لذا بعد ذلك، لم أفكر إلا في الواجب، أردتُ ألا يمر الآخرون بما مررتُ به.”
هو يسمي ذلك واجبًا، لكنني لا أراه كذلك.
“هذا ليس بسبب بلادة مشاعرك.”
مددتُ يدي بحذر وأمسكت بيده، وكأنني أربتُ على وحش جريح.
وقلتُ بنبرة أكثر حزمًا من أي وقت مضى:
“بل لأنك شخص طيب القلب وحنون.”
حين يأتي اليوم الذي يذوب فيه جليده، سيعرف الكثيرون بلا شك كم هو إنسان قوي ودافئ.
سقطت نظرات السير تشيري على يدي كما يسقط شفق المساء.
وبينما كانت يده المليئة بالندوب توشك أن تبادلني القبض على يدي..
فييوو.. بوم!
انطلق ضوء أحمر قاني يشق سماء الفجر التي بدأت تتفتح.
اتجهت أنظارنا معًا نحو النافذة.
ذلك الضوء الذي أصبح مألوفًا لي جدًا، لم يكن يعلن إلا عن شيء واحد:
ظهور وحش.
لكن كان هناك اختلاف واحد هذه المرة؛ الضوء أُطلق من داخل القلعة.
وفي اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا مرة أخرى، تأكدتُ أننا فكرنا في الشيء ذاته.
التعليقات لهذا الفصل " 165"