عاد السير تشيري على عجَل، حتى إنه لم يجد وقتًا لينفض الثلج العالق بكتفيه، وتناول عشاءه بصمتٍ ووقار كعادته.
“وبعدها، قام الفرسان برفعي عاليًا والاحتفاء بي، لقد طرتُ عاليًا لدرجة أن عينيّ التقت بعينيّ الآنسة بليندا التي كانت في الطابق الثاني!”
انطلق ليو يغرد بحماس، ساردًا للسير تشيري تفاصيل يومه الحافل، متجاهلاً تماماً ذكر الجزء الذي صببتُ فيه جام غضبي على فرسان الشمال حتى كادت آذانهم تنزف من شدة توبيخي لهم بسبب ذعري مما فعلوا.
بينما كان السير تشيري ينصت لحديث ليو بجدية تامة، اهتزت نظراته حين قُدّم الشاي والحلويات التي لم تكن من النوع المعتاد.
وفي اللحظة ذاتها، انجذبت أنظار ليو تلقائيًا نحو كعكة العسل، حيث تراصّت طبقات العسل والكريمة بدقة متناهية.
وكأنهما على موعدٍ مسبق، جلس الاثنان باعتدال وبدآ يلتهمان الكعكة في تناغم غريب.
كان صوت طقطقة الحطب المنبعث من الموقد الضخم يملأ المكان، بينما تمددت الكيربيروس داخل الموقد بتراخٍ، وكأن دفء الشمال قد راق لها تمامًا.
كان مشهدًا يسوده السلام، لدرجة أنني تمنيت لو أستطيع تخليده في لوحة فنية، أعلقها على جدار قصر بلانش لأتأمله وأسترجع تفاصيله المرة تلو الأخرى.
غير أن اللحظات التي لا تُحبس داخل إطار اللوحة، لا تكف عن السريان كحبيبات الرمل التي تتفلت من بين الأصابع.
***
بعد أن تأكدتُ من استغراق ليو في نومٍ عميق، لففتُ شالاً حولي وحملتُ المصباح متجهةً إلى غرفة الاستقبال.
وكما توقعت، كان السير تشيري هناك بملابسه الخفيفة، غارقًا في كرسي مريح وقد غلبه النعاس.
كان حديث السير بيناديل حقيقة؛ إذ ذكر أن الأيام التي نَعِم فيها سيده بنوم هانئ طوال الأشهر الماضية كانت تُعد على أصابع اليد الواحدة.
تحركتُ بحذر وجلستُ في المقعد المقابل له.
كان التعب قد بلغ منه مبلغًا، لدرجة أن حواسه المستنفرة دائمًا لم تشعر بحركتي، ولم يتململ في جلسته.
وبدلاً من إيقاظه، فتحتُ كتابي وبدأتُ أقرأ، أنتظر اللحظة التي سيستيقظ فيها.
لا أدري كم من الوقت مضى.. لكنها كانت تلك الساعة التي تسبق الفجر، حيث يسكن العالم في أحلك لحظات ظلمته.
حين رفعتُ رأسي صدفة، وجدت السير تشيري يحدق بي بعينين صافيتين خلت تمامًا من غبش النوم.
بدا وكأنه مستكشفٌ عثر للتو، وفي أعماق غابة سحيقة، على كائن أسطوريّ نادر.
ظل ساكنًا كالطبيعة الصامتة، وكأنه يخشى أن يهرب الكائن أمام ناظريه لو أصدر حتى صوت أنفاسه.
ابتسمتُ له برقة.
ورغم الظلال العميقة التي ألقاها وهج الموقد الأحمر على وجهه، كانت عيناه تلمعان بزرقة باردة تذكرني بصفاء الأنهار الجليدية.
“مبارك لك يا سير تشيري، لقد عادت عيناك إلى لونهما الطبيعي.”
عندها فقط، أطلق السير تشيري زفيرًا عميقاً هزّ كتفيه، وكأنه استيقظ للتو من حلم.
مسح عينيه بخفة، فسألتُه بلهجة عابثة:
“لقد قلتَ سابقًا إن استحضار أغلى ما يملكه المرء في ذهنه يساعده على مقاومة لعنة وحش، أنا فضولية حقًا لأعرف.. فيمَ كنت تفكر؟”
ما الذي جال بخاطره حتى تلاشت تلك اللعنة التي سيطرت عليه لشهور دون أن تترك أثرًا؟
“لم أفكر.. في أي شيء.”
جاء رده مقتضبًا، رتيبًا نوعًا ما.
وبينما كنت أبتسم بخيبة أمل طفيفة وأعيد بصري إلى الكتاب، أردف قائلاً:
“كل ما في الأمر.. أنني كنت أنظر إليكِ أيتها الآنسة.”
تاهت نظراتي فوق السطور التي تصف القوى الخارقة لعائلة بالواستين.
“… إن قواهم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقوة إرادتهم الروحية… ويتجرأ الكاتب على القول بأن الشيء الوحيد الذي سيحررهم للأبد من أغلال اللعنة هو ‘الحب الصادق’ وحده.”
أغمضت عينيّ بقوة ثم فتحتهما، وواجهت السير تشيري بملامح حاولتُ جاهدة جعلها تبدو طبيعية.
إذا كان وجهي يبدو محمرًا الآن، فمن المؤكد أن السبب هو ضوء الموقد لا غير.
“حسناً، لا بأس، فأنا جميلة بما يكفي لهزيمة اللعنات.”
“نعم، انتِ حـ..ـقًا…”
“إنها دعابة، لذا اكتفِ بالضحك.”
رفع السير تشيري زوايا فمه بصعوبة، مصطنعًا ابتسامة متصلبة خرقاء.
“سمعتُ ذلك من رئيسة الخدم، أخبرتني أنكِ مكثتِ هناك طويلاً.”
“نعم، رأيتُ أشياء كثيرة، شجرة عائلة بالواستين، أصل غابة الحواجز، وتلك المعلومات عن الطفل الملعون ذي العينين الحمراوين.”
لم يظهر على السير تشيري أي رد فعل يُذكر.
ربما لأنه كان يتوقع يومًا كهذا؛ فهو من سمح لي، دون غيري، باستكشاف كل ركن في هذه القلعة.
“ليو..”
توقف صوتي فجأة وغصّ حلقي بالكلمات.
حين فكرتُ في كمّ المصادفات الإعجازية التي تشابكت لتؤدي إلى هذه النتيجة، شعرتُ بدوارٍ من فرط الدهشة.
“هل هو ابن الدوق الصغير الراحل.. وابن أخيك؟”
“هذا ما أفترضه.”
“.. وهل صحيح أنه وُلد بعينين حمراوين تماماً كما حدث معك؟”
لم يكن سؤالي يخص أصل ليو فحسب، بل كان ينفذ إلى جوهر سر السير تشيري نفسه.
ومع ذلك، أجاب دون أدنى تردد:
“هذا صحيح.”
كان رده مقتضبًا لدرجة أصابتني بالإحباط، وشعرتُ بأن قواي تخور.
كان هناك الكثير لأطرحه، لكنني في الوقت ذاته شعرتُ برغبة متناقضة في ألا أعرف شيئًا.
وبعد صراع طويل مع أفكاري، ناديتُه باسمه أخيرًا:
“سير تشيري.”
لقد قررتُ ما سأسأل عنه.
نظرتُ إليه مباشرة وقلت:
“أخبرني عن طفولتك.”
يجب أن نبدأ من هناك أولاً.
***
“ضع هذا نصب عينيك؛ أيًا كان الشعور الذي يراودك، إياك أن تمنحه اسمًا.”
كانت تلك المقولة هي القيد الذي كبّل عقل سيزار بالواستين طوال حياته، والورث الوحيد الذي ناله من والده، بل وكان شكل والده الوحيد من أشكال المودة.
قبل أن يحصل سيزار على اسم، لم يكن سوى طفل ملعون، سجين في القصر المنعزل لعائلة بالواستين.
كان يسكن في أفخم وأعظم غرفة في الشمال، لكنها كانت أضيق من أن تكون عالمًا لطفل.
من خلف الأبواب المغلقة، كان غالبًا ما يسمع نحيب والدته التي لم يكن يراها.
“إنه طفلي، ومع ذلك لا أستطيع ضمه ولو لمرة واحدة.. أي ذنب اقترفه ذلك الصغير ليُعامل هكذا؟!”
“يا سيدتي، لا أحد يعلم متى أو كيف سيتحول السيد الشاب إلى وحش، يقال إن هناك أمًا قُتلت نهشًا على يد طفلها الملعون وهي تضمه إلى صدرها، يا سيدتي، هذا الإجراء هو لحمايته هو أيضًا، عليكِ أن تكوني قوية الإرادة.”
حسب ذاكرة الطفل، لم يكن يُسمح لأحد بدخول تلك الغرفة سوى والده ونائبه السير بيناديل.
كان الدوق الأكبر يجلس أمام ابنه الصغير ويقول له دائمًا:
“إذا سمعت أصواتاً تحاول إغواءك، فتجاهلها، لا تسلم نفسك لتلك الأشياء، المشاعر ليست سوى أداة تتلاعب بك لتقودك إلى طريق الفساد.”
“ما هي المشاعر يا أبي؟”
سأله الطفل بعينين بريئتين، فشدّ الدوق على أسنانه وهو يواجه تلك النظرة وأجاب:
“كل ما تشعر به، لذا يا بني، أنكر كل إحساس يختلج في صدرك، وعش مخلصًا فقط لواجبات عائلة بالواستين، إن فعلت ذلك، فستتغلب حتمًا على اللعنة.”
الغضب يعمي البصيرة، لذا سيحرض الطفل على التحول لوحش.
الحزن منبع الكآبة، لذا سيحرض الطفل على التحول لوحش.
الفرح يؤدي للهياج، لذا سيحرض الطفل على التحول لوحش.
الرغبة ليست سوى مسمى آخر للشهوة، لذا ستحرض الطفل على التحول لوحش.
لهذه الأسباب، نشأ الطفل تحت رقابة صارمة على مشاعره.
كان والده يرى أنه إذا عاش من أجل العدالة وحدها، فلن تتدنس روحه ويتحول إلى وحش.
وبدا أن جهود الدوق قد تكللت بالنجاح؛ فحتى بلغ الطفل السادسة، لم تظهر عليه أي علامات تحول، غير أن لون عينيه ظل ثابتاً لم يتغير.
وفي يوم ما، حلّ ضيفٌ غريب على غرفة الطفل.
كان يملك شعرًا أسود وعينين زرقاوين تشبهان تمامًا ملامح الدوق الأكبر، لكنه في الوقت نفسه كان مختلفًا كليًا.
“اسمي ثيودور، أنا في السادسة عشرة، الابن الأول لوالدك.. وأخوك، نادني ‘أخي الأكبر’.”
نظر الطفل بجمود إلى الرجل الغريب الذي قدم نفسه كأخ له.
كانت المسافة بينهما قريبة جدًا مما أشعره بالارتباك، وكان انحناء الرجل على ركبتيه ليلتقي مستوى نظر الطفل أمرًا يثير ضيقه.
حاول الطفل الابتعاد، لكن قوة ذراعي الرجل كانت أكبر من أن يقاومها طفل صغير.
وبينما كان وجهه يحتقن باللون الأحمر من شدة المقاومة، صرخ الطفل أخيرًا بصوت يملؤه الخوف:
“اتركني! اتركني الآن! قد.. قد انتشل عنقك وانهشه إن فعلت هذا!”
عندها فقط، ارتخت قبضة ثيودور.
لاذ الطفل بالفرار كحيوان بري، زاحفًا تحت المكتب ليختبئ.
كان قلبه يخفق بعنف، فظن أن هذه قد تكون بوادر تحوله إلى وحش.
ضَمّ ركبتيه إلى صدره وأنزل رأسه، محاولاً تهدئة نبضات قلبه.
‘هذا لا شيء، يجب ألا أشعر بشيء، لن أتحول إلى وحش أبدًا.’
لكن ثيودور كان عنيدًا.
“لا داعي للقلق، لقد أصبحتُ قويًا بما يكفي لأضمك الآن، لذا لن أموت على يديك أبدًا.”
“صحيح، سمعتُ أنه ليس لديك اسم بعد؟ أعتقد أنني بحاجة لاسم أنادي به أخي الصغير، ما رأيك؟ هلا اخترنا واحدًا معًا؟”
سدّ الطفل أذنيه محاولاً تجاهله، لكن صوت ثيودور تغلغل إلى مسامعه كحلاوة العسل.
“كنتُ أريد إخبار أخي بسر خاص جدًا، لكن لا بأس، سأحتفظ به لنفسي وأرحل الآن.”
لكن الطفل وقع في الفخ؛ فكلمة سر كانت طعمًا لا يقاوم.
وبمجرد أن أخرج رأسه من تحت المكتب ليتأكد مما إذا كان سيرحل حقًا، اختطفه ثيودور بين ذراعيه بسرعة خاطفة وانفجر ضاحكًا.
“أمسكتُ بك! ههه، لا تزال صغيرًا حقًا، كيف انطلت عليك هذه الكذبة البسيطة؟”
ارتجف كتفا الطفل من الصدمة.
كذب! وفقًا لما تعلمه، كان الكذب فعلاً شنيعاً للغاية.
نظر ثيودور إلى العينين الحمراوين المليئتين بالشك والريبة، وشعر ببعض الحرج، فجال ببصره يمينًا ويسارًا قبل أن يغير الموضوع بسرعة:
“حسناً، من الآن سأنادي أخي الصغير بـ ‘تشيري’ انظر، كم هي جميلة عيناك، لامعة وحمراء تمامًا كحبات الكرز!.”
“لا يمكنني الحصول على اسم بعد، ثم إن ‘تشيري’ هو اسم لشيء يؤكل، وليس اسمًا لبشر.”
“يا إلهي، من يشبه تشيري الصغير ليكون بهذا الذكاء؟ هاه؟ هل يشبهني؟”
“لست أنت من أنجبني، لذا لا يمكنني أن أشبهك.”
رغم كلمات أخيه الصغير، لم يكترث ثيودور بل أخذ يمسح وجهه بوجنة الطفل بلطف.
كان الطفل يكره اسم “تشيري”، ويكره ثيودور الذي منحه هذا الاسم، لكنه ، وفقًا لما لُقن به لم يظهر أي مشاعر على وجهه قط.
التعليقات لهذا الفصل " 164"