بحلول الوقت الذي اعتدتُ فيه على هيكل قلعة بالواستين المعقد، كانت هناك حقيقة بدأت تتكشف أمامي بوضوح:
معظم سكان القلعة ، باستثناء كبار الموظفين مثل كبير الخدم ورئيسة الخدم كانوا يرتعدون خوفًا من سيدهم بشكل مفرط.
صحيح أن سيزار يمتلك هيبة طاغية ومظهرًا قد يوحي بالرهبة، لكنه يقينًا لم يكن ذلك السيد المخيف الذي يستحق كل هذا الذعر.
ومع ذلك، كان الجميع يعاملونه وكأنه كلب مسعور! بينما سيزار الخاص بي لا يعض أحداً دون سبب!
يبدو أن الجميع يجهل حقيقة سيزار تمامًا.
فهم لا يلمحون كيف يهرع عائدًا من مهامه الشاقة التي تبدأ قبل الفجر فقط ليتمكن من تناول العشاء معي ومع ليو، ولا يرون كيف يقتطع من وقته الثمين ليشرف على تدريب ليو على فنون السيف؛ كل هذه التفاصيل بدت وكأنها غير مرئية لأعينهم.
‘حتى الشاي الذي يُقدم بعد الطعام.. سيزار يحب السكريات بشدة، ومع ذلك يقدمون له شاياً مرًا دائمًا’
والمشكلة أن سيزار، كعادته، كان يتناول الشاي المر ببطء وصمت دون تذمر، مما جعل الخدم يجهلون تمامًا ذوق سيدهم.
لذا، قمتُ بتدوين قائمة بتفضيلات سيزار وسلمتها لرئيسة الخدم.
“من الآن فصاعدًا، قومي بإعداد الحلويات المذكورة هنا بالترتيب كتحلية بعد العشاء، وبالطبع، تشمل حصة صاحب الفخامة أيضاً.”
حين رأت رئيسة الخدم القائمة التي تحتوي على غزل البنات والشاي المحلى بمكعبات السكر والحلويات التي تذوب من شدة حلاوتها، ارتسمت على وجهها لأول مرة تعابير واضحة.
ضيقت عينيها وكأنها أصيبت بطول نظر مفاجئ، وتفحصت القائمة بذهول لم تستطع إخفاءه وهي تجيب:
“سأقوم بإعدادها.”
بعد ذلك، تفرغتُ لمراجعة المعلومات التي أحضرتها لي؛ المعلومات التي طلبتُها بشأن الزوجين هاربر.
والخلاصة هي: لم يكن لديهما أطفال قط.
لكن، قبل ست سنوات، أحضر الزوجان فجأة طفلاً ذكرًا زاعمين أنه ابن أحد الأقارب، وبدآ في العيش معه.
تملك الفضول سكان القرية بشأن هذا الطفل المفاجئ، لكن الزوجين ، وكأنهما يخشيان اهتمام الناس، غادرا بسرعة إلى العاصمة في شتاء ذلك العام وهما يصطحبان الطفل.
حسب المعطيات، يبدو أن ليو هو ذلك الطفل، ولكن إن لم يكن ابنهما البيولوجي، فإن الأمر يزداد تعقيدًا.
‘هل اختطف الزوجان هاربر الطفل؟’
‘ولكن لو كان ليو من أقارب عائلة
بالواستين، لما استطاع مغادرة المقاطعة بهذه السهولة.’
‘ربما افتراضي بأنه من أقارب بالواستين خاطئ من الأساس.’
كانت المعلومات شحيحة جدًا لفك خيوط هذه الرواية المتشابكة.
وبينما كنتُ أفكر بعمق وأنا أرتشف الشاي، لمحتُ من طرف النافذة وميضًا ساطعًا كالألعاب النارية يخترق السماء.
إنه النور السحري الذي يُطلق لتحديد موقع العدو، وهو مشهد اعتدتُ رؤيته بملل منذ وصولي للقلعة.
لكن هذه المرة، كان الوميض أقرب من المعتاد، ورأيتُ الفرسان يتحركون بنظام واستنفار لم يسبق له مثيل.
كما قالت أوفيليا، كان التوتر يسيطر على الفرسان منذ وصولي، وهذا التوتر كان يزداد حدة يومًا بعد يوم.
وفي النهاية، وجدت أفكاري طريقها لترسو عند سيزار مجددًا.
“لقد وُلد صاحب الفخامة بأقوى قدرة سحرية في تاريخ العائلة، فرغم أنه قطع رؤوس مئات الوحوش حتى الآن، إلا أنه لم يغرق في لعنتها أبدًا.”
“لذا، سيتغلب على هذه اللعنة قريبًا يقينًا سيفعل.”
كان السير بيناديل يتباهى بذلك بلسانه المعسول، لكن ما قرأتُه في نبرته ووجهه لم يكن الثقة، بل كان التوسل والرجاء.
مسحتُ على رأس كيربيروس الذي كان يلوك أحجار المانا بملل، وقلتُ:
“رئيسة الخدم.”
أجابت من خلفي بوقارها المعهود، فتابعتُ دون أن ألتفت إليها:
“سأطرح عليكِ بعض الأسئلة، وإذا كان الأمر يسبب لكِ حرجًا أو لا ترغبين في الإجابة، فلا بأس.”
“لديّ أمر من صاحب الفخامة بتلبية كل ما ترغب فيه الماركيزة، سأجيب عن أي شيء طالما أنه لا يضر بعائلة بالواستين.”
كانت إجابة مرضية.
التفتُّ إليها وسألتُ:
“أي نوع من الأشخاص هو الدوق؟”
“أرجو أن تحددي المعلومات التي ترغبين في معرفتها بدقة لأتمكن من إفادتكِ.”
“ماذا يفعل عادةً؟ هل وقته في القلعة دائمًا قصير هكذا؟ وكيف كانت طفولته؟”
هنا، ولأول مرة، ترددت رئيسة الخدم التي كانت تجيب بسرعة.
لم يفتني لمحة بصرها الخاطفة التي اتجهت نحو يدي؛ وتحديدًا نحو الخاتم العتيق الذي أعطاني إياه سيزار كعهد.
قالت بصوت هادئ:
“صاحب الفخامة مخلص جدًا لواجبه في حماية الغابة وصيد الوحوش، لذا لا يمكث في القلعة طويلاً، أما بخصوص طفولته، فاعتذر منكِ، إذ قضى أول عشر سنوات من حياته داخل ‘القلعة التوأم’ فقط ولم يظهر للخارج أبدًا، لذا لا أعرف شيئًا عن تلك الفترة.”
كانت إجابة غير متوقعة.
عشر سنوات حبيس القلعة التوأم؟
استرجعتُ عبارة الطفل الملعون التي مرت عليّ سابقًا.
ربما بسبب مهنتهم في صيد الوحوش، تنتقل اللعنة أحيانًا عبر الأجيال إلى أبناء بالواستين، وفي تلك الحالات، يُذكر أن الطفل يولد بعينين حمراوين منذ البداية.
فجأة، وبناءً على حدسٍ محض، بحثتُ في السجلات التاريخية عن الأطفال الملعونين.
كانت السجلات مقتضبة وجافة لدرجة القسوة:
[ في أوائل صيف عام 130 من تقويم ختم الوحوش، وُلد طفل مصاب بلعنة الوحش.]
[ الطفل ذو العينين الحمراوين، في يومه الـ 1,302، تحول إلى وحش وقتل خمسة أشخاص قبل أن يتم إعدامه.]
[ في شتاء عام 214، وُلد طفل مصاب بلعنة الوحش.]
[الطفل ذو العينين الحمراوين، في يومه الـ 967، تحول إلى وحش وقتل جدته قبل أن يتم إعدامه.]
[في أواخر ربيع عام 301…]
حتى وصلتُ إلى هذا القيد:
[ في صيف عام 677، وُلد طفل مصاب بلعنة الوحش.]
[الطفل ذو العينين الحمراوين، في يومه الـ 3,660، تحولت عيناه إلى اللون الأزرق.]
[ وأخيرًا، سُمح له بحمل اسم بشري…]
عندما قرأتُ ذلك، شعرتُ وكأن أنفاسي قد توقفت، وهمستُ ببقية السطر بصوت مسموع:
[ “وأصبح اسمه سيزار بالواستين.”]
لكن السجل لم ينتهِ هناك.
[ في أوائل ربيع عام 692، وُلد طفل مصاب بلعنة الوحش.]
وقبل أن يحدد السجل ما إذا كان قد تحول إلى وحش أم لا، وُضع خط حازم وشديد فوق الجملة التي تقرر مصير الطفل.
وتحت ذلك الخط، وبخط يد سيزار الذي ألفته جيدًا من رسائلنا طوال العام الماضي، كُتبت هذه العبارة:
[ فُقد أثره، ولا سبيل لمعرفة ما إذا كان حيًا أم ميتًا.]
[نحن الآن في عام 703 من تقويم ختم الوحوش.]
[الطفل ذو العينين الحمراوين الذي وُلد قبل 11 عامًا ولا يُعرف مصيره… والتمرد الذي حدث قبل 6 سنوات.]
ليو الذي قاوم لعنة الوحوش… والزوجان هاربر اللذان ظهرا فجأة ليأخذا طفلاً إلى العاصمة.
في تلك اللحظة، حين وجدت كل قطعة مكانها الصحيح، شعرتُ وكأن تروس عقلي التي كانت تدور في فراغ قد تعشقت أخيرًا بصوتٍ مسموع.
لقد اكتشفت بليندا السر الكبير! ليو هو الطفل الذي اعتقد سيزار أنه فقده أو قُتل.
التعليقات لهذا الفصل " 163"