لمح السير بيناديل وجوه الفرسان وهم يفسحون الطريق لسيدهم؛ كانت نظراتهم مزيجًا من الاحترام، وشظايا من الخوف، وتساؤلاتٍ مكتومة، فرمقهم بيناديل بنظرة لائمة.
لم يكن بيناديل يجهل ما يشعرون به.
لولا قدرة سيزار الفريدة، لما توقفت لعنة الوحوش عند هذا الحد، ولأصبح أي فارس عادي عاجزًا عن مقاومة جنون اللعنة، ولتلطخت يداه بدماء رفاقه منذ زمن.
ولهذا السبب، كانت العيون الحمراء في الشمال رمزًا للنبذ والرهبة.
‘ومع ذلك، أن يظهروا هذا القدر من عدم الولاء علانية!’
ساد في القرية صمتٌ كأنه صمت المقابر، إذ لم يُسمع فيها نبض حياةٍ واحد.
توقف سيزار في الساحة العامة، حيث كانت الجثث ملقاة كأنها مهملاتٍ لا قيمة لها، وتأكد بنفسه من عدم وجود ناجٍ واحد.
بفضل الطعنة التي سددها سيزار لذلك ‘الشيء’ قبل أشهر، انحصرت الأضرار في اختفاءات فردية من القرى المجاورة، لكن يبدو أن الوحش استعاد عافيته الآن، فقرر إبادة قرية كاملة كرسالة تحدٍّ.
بينما لا يزال سيزار يدفع ثمن غرسه للسيف في ظهر ذلك الوحش حتى هذه اللحظة.
“لماذا هذه القرية تحديداً؟”
تمتم بيناديل بنبرة يعتصرها الألم بعد وقفة حداد قصيرة.
كانت هذه القرية قريبة من القلعة، ويرتادها الفرسان باستمرار في دورياتهم.
المنطق يقول إن الوحش، وإن كان يتحرك بغريزة القتل، فإنه يملك ذكاءً يفوق الحيوانات، وكان الأجدر به استهداف القرى النائية.
انحنى سيزار وأغمض عيني طفل صغير قضى نحبه في حضن أمه، وقال بصوت خافت:
“إنه يسترجع عاداته حين كان حيًا.”
استقام سيزار في وقفته وهو يربط في ذهنه بين توقيت حالات الاختفاء وأماكن ظهور الوحش.
حين كان ذلك ‘الشيء’ بشرًا، كان يخرج بانتظام في دوريات لتفقد أحوال الرعية، ومسار الوحش الآن يتطابق تمامًا مع تلك الرحلات القديمة.
“بما أنه يتبع عاداته السابقة غريزيًا، يمكننا على الأقل توقع وجهته التالية.”
الآن بعد معرفة الهدف القادم، سيكون الاستعداد أهون.
وبينما استدار سيزار لمغادرة الساحة، استوقفه صوت بيناديل القلق:
“يا صاحب الفخامة، عاهدني.. عاهدني أنك لن تزهق روحه بيدك.”
إن قدرة عائلة بالواستين على تطهير لعنة الوحوش ليست مطلقة.
فلكل فردٍ منهم حدٌ أقصى لما يمكنه تطهيره، واللعنة تشبه الفيروس الكامن في الجسد؛ صبورة ولئيمة، تختبئ كأنها ميتة، لكنها تطفو على السطح في اللحظة التي تضعف فيها إرادة المضيف، فتؤجج رغباته ومشاعره السلبية لتدفعه نحو السقوط.
لذا، كان على أفراد بالواستين الالتزام بصرامة بأخلاقيات النزاهة والترفّع؛ فذرةٌ واحدة من الشعور بالذنب كفيلة بأن تكون طعمًا للجوع الذي تقتات عليه اللعنة.
تابع بيناديل بإلحاح:
“ألم تعاهد الماركيزة بلانش؟ أنك ستذهب للعاصمة، لو قتلته بيدك، فحتى أنت لن تعود قادرًا على الرجوع عن حافة الهاوية.”
“فخامتك، أرجوك.. لا تجعلني أفشل في أداء واجبي، أنا لا أريد أن أسلّ سيفي ضدك.”
كانت نبرة بيناديل يائسة.
التفت سيزار نحو نائبه، وأطال النظر في ظله الذي يمتد بشكل مشوه بسبب القناع، ثم قال:
“بيناديل.”
“نعم، يا صاحب الفخامة.”
“هل يشبه ذلك الصغير… إنديميون؟”
أطبق بيناديل على أسنانه بقوة.
لقد فهم فورًا عمن يتحدث.
والحق يقال، نعم؛ حين رأى الطفل، كان أول من تبادر لذهنه هو السيد الصغير إنديميون.
لو قدر لذلك الصغير ذو السنوات الخمس أن يكبر، لكان بهذا المظهر يقينًا.
لكن بيناديل طرد تلك الفكرة من رأسه، لأنه لا يزال يعجز عن تصديق احتمال نجاة إنديميون.
“أنا إنسانٌ قاسي القلب، لم أعد أذكر ملامح وجهه.”
ما يذكره هو تلك اليد الصغيرة كأنها ورقة الإيسر وهي تتشبث بإصبعه، ودفئها الرقيق.
“ليس الأمر كذلك، ذكريات الماضي ليست مكتملة لديك بسبب تأثير اللعنة.”
لقد عاش السيد الصغير في القلعة التوأم كخيالٍ مستتر بعيدًا عن الأعين لسببٍ ما، لدرجة أن من يعرفون وجهه أو حتى وجوده من الخدم يُعدّون على أصابع اليد الواحدة.
ولهذا السبب، كانت محاولات سيزار للبحث عن الطفل تصطدم دائمًا بحوائط مسدودة.
“حتى لو لم تكن اللعنة هي السبب، فحريق القلعة لم يترك وراءه لوحة واحدة للسيد الصغير، ست سنوات مدة كافية لينسى المرء أي شيء.”
ولكن، أليس هناك نداء الدم؟ حتى لو غابت الملامح عن الذاكرة، ألا يشعر المرء بشيء حين يلتقي بدمه؟ لقد كانت ست سنوات كافية ليدرك سيزار كم كان ذلك الأمل هباءً.
“أعتقد أن ليو قد يكون فرعًا بعيدًا من عائلة بالواستين.”
“ألست الأخير المتبقي فخامتك؟”
لماذا لم يفتح سيرة إنديميون في تلك اللحظة؟ استرجع سيزار الأسباب وافترض “ماذا لو”.
‘ماذا لو كان ليو هو إنديميون حقًا..’
وإذا عرف الطفل الحقيقة، فربما لن يرى تلك النظرة اللامعة في عينيه وهو ينظر إليه مجدداً.
فبالنسبة للطفل، سيزار هو قاتل والديه والسبب في تدمير حياته.
رغم أنه تمنى طويلاً أن يتوجه لوم ابن أخيه إليه هو، إلا أنه لو نظر إليه ليو بعيون تملؤها الكراهية… أدرك سيزار أخيرًا كيف ملأ تلميذه الصغير تلك الهوة السحيقة في قلبه.
“هل يمكنني أن أصبح قويًا مثلك أيها الفارس؟”
“أيها الفارس، منذ متى وأنت فارس؟”
“أتعلم؟ سأخبرك سرًا.. أنت أروع وأقوى بكثير من ذلك الذي يسمونه ‘سيد السيف’ في الأكاديمية.”
كل تلك الكلمات البريئة التي همس بها الطفل كانت تتردد كصدىً في تلك الهوة، لتواسي شعور سيزار بالذنب لأنه فشل في حماية ابن أخيه.
ربما لهذا السبب كان ينكر لا شعوريًا احتمال كون ليو هو إنديميون؛ لأنه لم يرد أن يفقد ذلك الصدى، ولا تلك النظرة التي تفيض بالإعجاب.
“كلها مجرد افتراضات، لكن، إياك أن تسمح لليو بلقاء الوحش، لا تترك الطفل يرى حتى ظله.”
نظر سيزار إلى الرجل الذي حماه منذ طفولته وقال بنبرة يشوبها الحزن:
“لا أستطيع أن أعاهدك، أنا آسف.”
في النهاية، يبدو أن بيناديل سيضطر لإشهار “واجبه” الذي لم يخرجه من غمده قط.
استدار سيزار نحو قلعة بالواستين البعيدة وهو يشعر بهذا التوجس الغامض.
لقد استطاع نطق اعتذاره لبيناديل والحديث عن نهايته الوشيكة بهذا الهدوء، ولكن…
‘لماذا لا يمكنني أن أكون صادقًا أمامها هي؟’
أمام بليندا، يصبح دائمًا جبانًا، أنانيًا، ومخادعًا.
ورغم علمه بأن هذا خطأ، إلا أنه لا يستطيع التوقف.
أشاح بنظره بصعوبة عن القلعة، مستذكرًا قسمه لنفسه: “لا شيء أسمى من الواجب.”
لكن، هل هذا صحيح حقاً؟
لقد كان يرى شعر بليندا في حمرة زهور الكاميليا، ويجد عينيها في نجمة الصبح، وفي أحلامه كانت ذكرياتهما معًا تتدفق كالسيل.
وكأنه لا يوجد عهدٌ أقدس من عهده لها، كان يستحضر بليندا في كل شهيق وزفير.
لذا، في لحظاتٍ نادرة جدًا، كان يتمنى لو يلقي بكل هذه الواجبات خلف ظهره، ويذهب فقط إلى حيث تكون هي…
‘لا، هذا الطمع نابع من لعنة الوحش، يجب ألا أتزعزع.’
حث خطاه مجددًا وهو يردد بهوس:
“لا شيء أسمى من الواجب”
حتى لو كان ذلك الواجب سيقذفه في غياهب الوحل.
***
“هذا كل ما لدي لتقرير هذا الأسبوع.”
فتح العصفور الآلي داخل القفص منقاره وبدأ يبث صوت تيري.
هززتُ رأسي بالموافقة بعد مراجعة الورقة التي دونتُ فيها كلماتها.
“جيد، تعاملي مع قضية الكازينو هكذا، واتركِ الباقي للبارون رايتشل، لقد طلبتُ من إيان مراقبته بشكل منفصل، لذا لن يجرؤ على القيام بأي حماقة خوفًا من نظرة ابنه.”
بعد نقل قرارات العمل العاجلة، نقرتُ على القفص، فانحنى رأس العصفور وانقطع الاتصال.
“إنه أمرٌ مذهل حقاً.”
بفضل أداة السحر “عش الطيور المهاجرة التوأم”، كان بإمكاني التحدث مع تيري دون أي فارق زمني رغم بعد المسافة في الشمال.
قيل لي إن بلورات المانا التوأم اللازمة لصنعها نادرة جدًا ولا تُشترى بمال، لكن يبدو أن ما لا يحله المال تحله العلاقات؛ فقد استعرتها بضمانة من سيد برج السحر شخصيًا.
العيب الوحيد هو أن البلورات تستهلك، لذا فاستخدامها في الثرثرة الجانبية يعد ترفًا باذخًا.
بعد إنهاء عمل اليوم، تمددتُ وفتحتُ النافذة، لكنني أغلقتها فورًا بسبب الرياح العاتية.
“أيُّ ربيعٍ هذا؟ لا يمكنني العيش في الشمال أبداً.”
مسحتُ ذراعيّ اللتين قشعرتا من البرد واستدعيتُ متجر الذهب.
لم أستخدمه بكثرة سابقًا لتوفير العملات، وأيضاً لأنني أدركتُ فيه أمرًا غريبًا.
من خلال منبع كل شيء، عرفتُ أن عناصر هذا المتجر هي في النهاية أشياء صنعها شخصٌ ما في هذا العالم.
واكتشفتُ معلومة جديدة: يمكنني شراء أشياء لم تُصنع بعد في الواقع!
مثلاً، أعمال مدام أولينج التي تورد الملابس للعائلة المالكة فقط.
لقد رأيتُ تصاميمها عبر ميخائيل، واكتشفتُ أن الكثير منها في متجر الذهب لم يُنتج بعد في الواقع.
أي أن المتجر يعرض حتى الملابس التي لم تُظهرها المدام للعالم.
‘يبدو وكأن المتجر يعرف ما سيُصنع في المستقبل.’
لهذا كنتُ حذرة، خشية أن أشتري شيئًا يورطني في تهمة سرقة تصاميم ملكية مستقبلاً.
‘لكن، أن يتعفن المال…لا اريد ذلك’
بما أن إقامتنا في الشمال طالت، بدأ ليو يحتاج لملابس شتوية أكثر.
لا يهمني ما أرتديه أنا، لكن ليو الصغير لا يمكنه ارتداء أي شيء.
اشتريتُ دون تردد عدة قطع من أعمال مدام أولينج الشتوية، وكانت تبدو عليه مذهلة.
“وفي تلك اللحظة! أحاط ضوء أحمر بعصا أسيلي الخشبية، وصرخ الوحش: كراااا! وهكذا وُلد أصغر مستخدم ‘أورا’ في تاريخ الأكاديمية!”
حين ذهبتُ لغرفة الاستقبال، كان ليو يقص أحداث الزنزانة بحماس، يتقمص دور أسيلي تارة والوحش تارة أخرى.
والجمهور كان، للمفاجأة، السير تشيري الذي كان غائبًا في الأيام الماضية.
صفق سيزار ببراعة فاترة بعد انتهاء العرض وقال:
“بما أنه ضوء أحمر، فلا بد أنها أورا اللهب.”
“أورا اللهب!”
لمعت عينا ليو كطفل يسمع أسطورة بطولية:
“أتعرف أي نوع من الأورا سأملكها لاحقاً؟ أعني… إذا استطعتُ إيقاظها طبعًا.”
“للأسف، لا يمكن لأحد التنبؤ بذلك.”
تهدلت أكتاف ليو بخيبة أمل.
اضطررتُ لعض لساني كي لا أصرخ بأنني أعرف الإجابة يقينًا.
التعليقات لهذا الفصل " 161"