لم يستطع السير بيناديل، الذي فقد اتزانه وأخذ يقهقه بكتوم، أن يوقف نوبة ضحكه إلا حين استقرت عليه نظرات السير تشيري الغائرة والمنذرة بالخطر.
“حسنًا، سأعود لمواصلة استراحتي إذن.”
انسلّ السير بيناديل من المحادثة ببراعة، واتجه نحو ليو الذي كان وجهه لا يزال يتوهج حمرة، فأخذ يلوح له بيده كالمروحة ليبرد حرارته، وشرع يرمم معه برج المكعبات الخشبية المنهار.
بدا بيناديل، رغم كونه أعزبًا، خبيرًا بشكل مثير للريبة في التعامل مع الأطفال.
ظلت بليندا تلوك كلمات بيناديل في عقلها لوهلة، ثم اقتربت برأسها من السير تشيري وهمست بصوتٍ خفيض لا يسمعه أحد سواهما:
“سير تشيري، هل هناك أحد في عائلتكم مفقودًا، أو ربما…”
لكن، ويا للدهشة، تراجع سيزار فجأة بخطوة واسعة إلى الوراء، بل ورفع الصينية الفضية ليصنع بها حاجزًا بينه وبينها!
وبينما كان وجهه متواريًا تمامًا خلف الصينية، خرج صوته متهدجًا وهو يحاول استجماع شتات نفسه:
“حين تكتسي عيناي باللون الأحمر… يكون من الصعب عليّ كبح دوافعي ورغباتي كما أفعل عادةً، لذا… أرجوكِ، لا تقتربي مني هكذا فجأة.”
رَمشت بليندا بعينيها بذهول.
هذا الرجل الذي كان يبدو دائمًا كزاهدٍ متعبد، بوجهٍ لا مبالٍ يرى الجبال جبالاً والماء ماءً، خالٍ من أي طمع أو رغبة…
أيعقل أن تكون لديه “دوافع ورغبات”؟
‘صحيح، لقد ذكروا في المعبد أن أعراض التحول لوحش تجعل من الصعب كبح الغرائز المكبوتة.’
استرجعت المعلومات التي تعلمتها في المعبد وهزت رأسها بتفهم.
ثم نقرت على الصينية الفضية بأطراف أصابعها بلطف، وسألت بوقار:
“سير تشيري، هل يُسمح لي بالاقتراب الآن؟”
بعد صمتٍ قصير، خفض سيزار الصينية ببطء، وظهر وجهه وقد استعاد بعضًا من هدوئه، وإن كان لا يزال متوترًا.
“نعم، تفضلي، لقد أصبحتُ مستعداً.”
كانت ملامحه جادة للغاية وكأنه يواجه عدواً في ساحة معركة، لدرجة أن بليندا فقدت رغبتها في مداعبته.
مالت برأسها نحوه بحذر وشرحت له ما حدث في زنزانة السايرين.
“ليس هناك يقين، كلها مجرد ظنون، لكني أعتقد أن ليو قد يكون من عائلة فرعية بعيدة من عائلة بالواستين ما رأيك؟”
أجاب سيزار بصوتٍ رخيم وعميق:
“نسل بالواستين نادرٌ جدًا، لذا، ومن أجل حماية قدراتنا الخاصة، تقتضي القواعد بأن يسكن حتى أبعد الأقارب في هاتين القلعتين التوأمتين.”
” ومع ذلك… حاليًا، أنا الفرد الوحيد من سلالة بالواستين المباشرة الذي يقطن هذه القلعة.”
“أتقصد أنه لا يوجد فردٌ واحد غيرك؟”
بمجرد أن سألت، عضت لسانها ندمًا.
أليست الإشاعات تقول إن سبب عدم وجود عائلة لِـ سيزار هو أنه أبادهم جميعًا بيديه قبل ست سنوات؟
هزت رأسها بسرعة لتجاوز الموقف:
“لا بأس، سأبحث في هذا الأمر بنفسي، المهم الآن أن تحل مشكلة الوحش الذي تطارده وتركز على استعادة عافيتك.”
وأضافت بنبرة هادئة:
“وعندها فقط، سنعود معًا إلى العاصمة، نحن وليو.”
استقرت نظرات سيزار عليها.
كانت عيناه الحمراوان، كدليل على اللعنة، تبثان رعبًا فطريًا في نفس كل من يراهما، لكن بليندا لم تتراجع قيد أنملة.
ظلت تنظر في عينيه بثبات، مؤمنةً دون أدنى شك بأن اليوم الذي سيطهر فيه لعنته ويعودان فيه سويًا ليس ببعيد.
كما هو متوقع، لم يستطع السير تشيري البقاء بجانب بليندا كما كان يفعل في العاصمة.
كان جدول أعماله مزدحمًا لدرجة الجنون؛ يخرج مع ندى الفجر ولا يعود إلا بالكاد في وقت المأدبة المسائية.
وبسبب الوحوش التي تظهر قرب القرى، لم تكن بليندا وليو قادرين على الخروج من القلعة بسهولة.
لكن لحسن الحظ، كانت قلعة بالواستين شاسعة ومهيبة.
كانت الأسقف شاهقة الارتفاع، وبدا وكأن كل ما يحتاجه المرء للعيش متوفر داخل هذه الجدران.
باختصار، كانت القلعة مكانًا يستحق الاستكشاف.
كان ليو أكثرهم حماسة، فبنيتها المعقدة حيث تظهر ممرات جديدة عند كل زاوية جعلته يشعر وكأنه في مغامرة.
“آنسة بليندا! من هنا! هنا توجد ساحة تدريب للفرسان!”
ركض ليو بوجهٍ يشع بهجة، وارتقى ببراعة فوق الزخارف البارزة لأحد الأعمدة ليطل من نافذة مرتفعة.
ثم تنبه بخجل إلى أن عتبة النافذة لم تكن بتلك الارتفاع الذي يتطلب التسلق، فنزل بوقار مصطنع.
وقفت بليندا بجانبه تراقب المشهد؛ عشرات الرجال الأقوياء يلوحون بسيوفهم ببراعة، بملابس خفيفة لا تبالي بالبرد القارس.
كان مشهدًا لا يمكن رؤيته أبدًا في قصر بلانش.
وبينما كانت تجول بنظرها، وقعت عيناها على جسر علوي بارز من القلعة يشبه مقبض مطرقة مكسور.
خلف ذلك الجسر الذي انتهى طرفه محترقًا ومتفحمًا، كانت تمتد أطلالٌ لم يبقَ منها سوى القواعد.
“ما ذلك المكان؟”
كانت رئيسة خدم القلعة ترافقها كـ مرشدة، وهي امرأة تشبه سيدها في جمود ملامحها.
أجابت بنبرة خالية من المشاعر:
“تلك هي القلعة التوأم التي احترقت بالكامل قبل ست سنوات.”
“القلعة التوأم؟”
“نعم، كانت نسخة مطابقة لهذه القلعة، سكنها عبر الأجيال أقارب وأفراد عائلة بالواستين.”
أرادت بليندا أن تسأل عن سبب الحريق وكيف التُهمت قلعةً بهذا الحجم، لكنها آثرت الصمت.
قبل ست سنوات… إنه ذلك التاريخ..
السنة التي قيل فيها إن الدوق الحالي قتل عائلته وأقاربه واغتصب السلطة.
ورغم أن بليندا علمت عبر نظارات كشف الكذب أن سيزار لم يقتل والديه وإخوته، وأصبحت الآن تؤمن تمامًا بمعدنه الأصيل، إلا أن هناك لغزًا لا يزال قائمًا:
‘هل قتل دوق بالواستين عائلته حقًا واعتلى العرش؟’
“هذا… صحيح.”
لقد كان سيزار نفسه لا ينفي هذه الإشاعات الخبيثة.
فكرت بليندا في الأمر، لكنها بدلاً من التقصي أكثر، سألت عن شيء آخر:
“أبحث عن أشخاص، ليسوا من النبلاء، أنهم من سكان الشمال، وقد غادروا إلى العاصمة في الشتاء قبل ست سنوات، سأعطيكِ اسم عائلتهم، هل يمكنكِ العثور عليهم؟”
“سأبذل قصارى جهدي.”
همست بليندا لرئيسة الخدم بصوتٍ لا يسمعه ليو:
“إنهما الزوجان ‘هاربر’، لا أريد التأكد من بقائهما على قيد الحياة فحسب، بل أحتاج لمعلومات؛ مثلاً، هل كان لديهما طفل؟”
أومأت رئيسة الخدم برأسها بصمت، وظل وجهها لغزًا غامضًا:
“سأتقصى الأمر.”
في إحدى قرى مقاطعة بالواستين.
كان بيناديل يترنح فوق سرج جواده من شدة النعاس، وهو يطوف في دورية تحت رياح الفجر التي تشبه الشفرات الحادة.
“سنفتش تلك القرية فقط اليوم، ثم نعود.”
كانت تلك الكلمات كفيلة بإيقاظه تمامًا.
نظر بيناديل إلى السماء بذهول ليرى الشمس في كبدها.
-مغادرة العمل مبكراً؟!-
كان المعتاد أن يخرجوا مع القمر ويعودوا مع القمر، لكن منذ فترة، بدأت ساعات العمل تتقلص بشكل ملحوظ.
ولم يتطلب الأمر تفكيرًا طويلاً ليصل للسبب:
منذ وصول الماركيزة بلانش.
تلك الماركيزة ذات الشعر الأحمر التي وصلت فجأة دون سابق إنذار، كانت تقلب حياة سيزار رأسًا على عقب.
كان عليه أن يدرك ذلك منذ اللحظة التي نادته فيها بـ “سير تشيري”.
ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه بيناديل.
تشيري… أليس هذا هو اللقب الذي كان يُنادى به سيزار في طفولته حين كان أكبر تحدٍّ يواجهه هو أكل الفلفل الرومي الموضوع كزينة على طبق الطعام؟
ورغم أنه هو من قدمه بهذا الاسم في العاصمة، إلا أنه لم يتخيل أبداً أنها ستستمر في مناداته به حتى بعد معرفة حقيقته.
بالتفكير في الأمر، الماركيزة بلانش هي الوحيدة الآن التي تنادي الدوق بهذا اللقب.
فكل من كانوا ينادونه به صاروا مجرد رماد.
مسح بيناديل تلك الابتسامة المريرة واقترب من سيزار.
كان سيزار يرتدي قناعًا منذ أن تحولت عيناه للأحمر، وفقاً لتقاليد الشمال، وكان مظهره يبعث على الرهبة لدرجة أن الفرسان بالكاد يجرؤون على رفع رؤوسهم أمامه. وحدهم بيناديل، وبليندا، وليو من يملكون تلك الجرأة.
سعل بيناديل بخفة ثم قال بحذر:
“ألن تخبر السيدة بالحقيقة؟ بشأن ذلك الوحش.”
“لماذا تسميها ‘السيدة’؟”
“لأنها ستصبح كذلك قريبًا، أليست تحمل إرث العائلة الذي لا ترتديه إلا ربة الأسرة؟ لذا فمن الطبيعي…”
“سأستعيده منها.”
اتسعت عينا بيناديل من الإجابة الفورية، وصرخ بذعر:
“هل تم رفضك؟!”
ظل سيزار صامتًا.
فصاح بيناديل بوجهٍ يتوسل، مع مسحة من العتاب لبليندا:
“أيعقل هذا؟! ما الذي ينقص دوقنا!؟ صحيح أنه يفتقر لسرعة البديهة في المشاعر، ومدمنٌ على العمل، وجامدٌ لدرجة الغموض… ولكن! ما الذي ينقصه حقاً لـ…”
التعليقات لهذا الفصل " 160"