ابتلع سيزار ريقه بجفاف، وبدا وكأنه حسم أمره أخيرًا، إذ أعاد الخاتم إلى كبير الخدم وقال بصوتٍ حاول جاهدًا أن يكون ثابتاً:
“إنها ضيفةٌ عزيزة، فلتعدّوا لها الجناح الداخلي الأقصى، احرص على خدمتها بعناية فائقة، دون شائبة واحدة.”
“آه، نعم، نعم… حاضر يا سيدي.”
سحب سيزار نفسًا خفيفًا، ثم انحنى بإيماءة قصيرة مقتضبة، متجنبًا حتى ملامسة نظراته لعينَي بليندا، ومال بجسده قليلاً ليفسح لها الطريق وهو يتمتم:
“إذن، تفضلي بالاستراحة.”
وهكذا انهى كلامه؛ إذ لم يكد ينهي عبارته حتى استدار وابتعد بخطواتٍ واسعة وحازمة، دون أن يلتفت وراءه ولو لمرة واحدة.
ساد صمتٌ مطبق بين الثلاثة المتبقين، وكانت بليندا أول من استعاد رشده.
ظلت تراقب قامة سيزار وهي تبتعد نحو مدخل القلعة، دون أن تكلف نفسها عناء نفض الثلج العالق بعباءتها، ثم فتحت فمها بذهول وقالت:
“ما هذا؟ هل فرّ هاربًا للتو؟”
كانت نبرتها تنضح بجرأة جعلت قلب كبير الخدم العجوز يهوي بين ضلوعه من الفزع.
سيّد القلعة، الذي لم يُولِ ظهره قط أمام جحافل الوحوش الضارية، يُقال عنه الآن إنه يهرب؟!
ومع ذلك، لم يستطع الخادم إنكار أن ظهر سيزار المبتعد بدا وكأنه في عجلةٍ مريبة من أمره، فما كان منه إلا أن ضم شفتيه بضيق مكتوم؛ فقد تلقى لتوّه أمراً بخدمتها بامتياز، ولا يمكنه إظهار استيائه علانية.
لكن الكلمات التالية التي فاهت بها بليندا جعلت فم كبير الخدم ينفجر ذهولاً هذه المرة:
“أيها الدوق السابق!”
“يا… يا للوقاحة…!”
سواء احمرّ وجه الخادم حنقاً أم لا، لم تكترث بليندا، بل انتزعت الخاتم من يده بحركة خاطفة، ووجهت نظراتها الحادة نحو بيناديل الذي فاتته فرصة التسلل والهروب.
تعرق بيناديل بغزارة أمام وجه بليندا الذي ينذر بالخطر، وأجاب بارتباك:
“نعم، نعم؟ هـ… هل تنادينني أنا؟”
“وهل هناك شخصٌ آخر هنا أعرفه غير الدوق السابق؟”
“نعم، نعم… هذا صحيح… لقد كُشف أمري إذن.”
هكذا، وبلمحة بصر، وجد بيناديل نفسه شريكاً في مؤامرة سيزار.
وقف متصلباً كجندي مستجدّ يحاول استجماع شجاعته، منصتاً لما ستقوله بليندا بتركيز مفرط.
“أتسمح لي بأن أطارد الدوق الحالي وأقبض عليه؟”
“بالطبع، بكل سرور! ومن فضلكِ، يمكنكِ مناداتي ببساطة بـ السير بيناديل.”
ازدادت ملامح بليندا حِدّة، ورمقته بنظرة جعلت القشعريرة تسري في أوصاله، ثم همست بصوتٍ خافت:
“كيربيروس.”
رغم خفوت صوتها، إلا أن كلاب الدوبرمان الثلاثة في الطابق العلوي حيث غرفة الاستقبال، بدت وكأنها كانت تترقب الإشارة، فوثبت قافزةً إلى الأسفل.
“يا إلهي!”
صرخ كبير الخدم وهو يتنحى جانبًا بسرعة، بينما انطلقت الكلاب تطارد أثر سيزار الذي اختفى خلف البوابة.
وبمجرد أن أمرت بليندا بأمرها الحازم:
“أمسكوا به.”
حتى تحولت الكلاب في لمحة بصر إلى وحشٍ أسطوري عملاق بثلاثة رؤوس، تنبعث منه أنفاسٌ لاهبة، واندفعت خارج أسوار القلعة.
لم يملك بيناديل إلا أن يرفع صوته مشجعًا لبليندا وهي تتجه نحو الخارج بهدوء:
“سـ… سيدتي! ابذلي جهدكِ!”
بمجرد أن خطت بليندا عتبة الباب، عصفت الرياح بخصلات شعرها ونثرت الثلوج الكثيفة حولها.
كانت آثار أقدام كيربيروس واضحة فوق البساط الأبيض، ممتدة إلى البعيد.
وقفت بليندا لوهلة ترقب تلك الآثار بذهول:
“لم أكن أتوقع أن يهرب فعلاً.”
رغم أنها لم تُظهر ذلك، إلا أن برودة سيزار وتجنبه للنظر في عينيها ولّدا في صدرها مزيجًا من الغضب والخذلان.
لم تلبث طويلاً تنتظر كلب الصيد ليعود بفريسته، حتى شعرت بدفءٍ ينسدل على كتفيها وهي تغتسل برقاقات الثلج.
“لم أكن أعلم أن قولكِ ‘انتظرني’ يعني أنكِ ستأتين بنفسكِ.”
تنفست بليندا الصعداء وأجابت:
“كنت أظن ذلك.”
تماماً مثل الثلج الذي يتراكم حبةً فحبة، كان عتابها تجاه سيزار يتراكم في قلبها، لكن لمسة يده وهي تضع المعطف على كتفيها بكل رقة معهودة جعلت كل ذلك الغضب يتبدد.
سألته بصوتٍ خفتت فيه نبرة التحدي:
“سير تشيري، هل كان مجيئي بلا داعٍ؟”
ربما كانت تعامله بعفوية مفرطة، متناسيةً أنه لم يعد مجرد فارس حارس لها، بل سيد الشمال الشاسع.
لكن الرد جاء دون تردد أو انزعاج:
“ليس الأمر كذلك أبداً.”
اعتبرت بليندا إجابته إذناً بالاقتراب، فالتفتت إليه ببطء.
كان سيزار هناك، في مكانه المعتاد، مطأطئ الرأس قليلاً، عاجزاً عن تثبيت نظراته في عينيها.
كان كل شيء كما فارقته قبل عام، باستثناء تفصيل واحد.
مدت بليندا يدها ووضعتها على وجنته، ومررت إبهامها برقة فوق جفنه:
“أيها السير، عيناك…”
كانت حدقتاه مصبوغتين بحمرةٍ قانئة، كقطرة دم سقطت فوق ثلجٍ ناصع.
في تلك اللحظة، ترددت في أذنيها كلمات جوزيبي..أولى علامات التحول إلى وحش هي تلون الحدقات باللون الأحمر.
ولحسن الحظ، كان سيزار أسرع، إذ أحاط خصر بليندا وجذبها مبتعدًا، مما أنقذهما من الانسحاق تحت جسد كيربيروس، وإن كان الثلج قد غطاهما بالكامل.
أما كيربيروس، الذي لم يدرك فداحة فعلته وظن أنه اصطاد فريسته بنجاح، فقد أخذ يربت بمخلبه الأمامي على عباءة سيزار بفخر، رافعًا رؤوسه بشموخ.
“حسنًا، حسنًا ، أحسنت صنعًا يا كيربيروس.”
تنهدت بليندا ثم التفتت نحو سيزار وقالت:
“كلانا في حالة فوضوية الآن، أتمنى أنك لا تزال قادرًا على ضيافتي بكوبٍ من الشاي الدافئ؟”
“سأفعل ذلك بكل سرور.”
ابتسم سيزار بملامح استسلمت للواقع، ورافق بليندا إلى داخل القلعة.
كانت مدفأة قلعة بالواستين ضخمة بشكل استثنائي، مما جعل كلاب كيربيروس تشعر بسعادة غامرة وهي تتمسح بالنيران المتأججة.
وبينما كنت أراقبهم، سألتُ فجأة دون وعي:
“ماذا حدث لعينيك؟”
أجاب السير تشيري بنبرة هادئة ومجردة:
“هناك وحش أطارده، وبسبب صيده، بدأت بوادر اللعنة تظهر على السطح.”
لم تقنُعني الإجابة، فظللت أرمقه بنظرة فاحصة.
تردد قليلاً، وبدا كأنه يزن كلماته قبل أن يضيف:
“في العادة، لا تظهر اللعنة أثناء صيد الوحوش… لكنني أطارد نوعًا خاصًا جدًا الآن، مما جعل التحكم في قواي صعبًا، كنت أنوي العودة إلى العاصمة بمجرد تسوية كل شيء.”
“إذن كان عليك أن تشرح ذلك منذ البداية، بما أنك لم تقل شيئاً، فقد ظننتُ أن…”
(ظننتُ أن شيئاً فظيعاً قد حدث لك).
عندما رأى ملامحي تنقبض حزنًا، سارع بالاعتذار:
“أنا آسف، فقط… لم أرغب في إطلاعكِ على حالتي هذه…”
تلاشت كلماته في نهايتها، ومسح طرف عينه بخفة وهو يتجنب نظراتي.
كان من الواضح أنه يخفي شيئاً ما.
فلو كان قتل وحش أو اثنين كفيلاً بجعل عينيه تحمران هكذا، لكان ذلك قد حدث منذ زمن بعيد.
ثم لماذا قد تهاجم الوحوش المناطق السكنية وهي التي نادرًا ما تخرج من وراء الحدود؟
كانت لدي أسئلة كثيرة، لكنني آثرت الصمت خشية أن أبدو وكأنني أوبخ السير تشيري الذي بدا منكسرًا بشكل غير معهود.
في تلك اللحظة، تدخل السير بيناديل، الذي كان يلعب مع ليو أمام المدفأة، في حوارنا:
“أعتذر عن مقاطعة حديثكما، ولكن…”
أشار بيناديل بعينيه نحو ليو، الذي كان يسحب مكعبًا خشبيًا بحذر شديد من برج المكعبات:
“من يكون هذا الشاب الصغير؟”
كانت نظرات بيناديل تنتقل بفضول واهتمام بين ليو والسير تشيري، وكأنه يحاول استنتاج أمر ما.
أجبتُ ببساطة وعفوية:
“إنه طفلي.”
“لقد كنتُ أعرف! إنه من الدوق إذن…!”
“كُح! كُح!”
شرق سيزاز بالشاي الذي كان يشربه وأخذ يسعل بشدة إثر كلمات بيناديل.
نظرتُ إليه بشفقة ثم هززتُ رأسي وقلت
:
“سير بيناديل، ألا تزال أعزبًا؟”
“نـ… نعم؟ هـ… هذا صحيح… ولكن كيف عرفتِ ذلك؟”
“لكي تنجب طفلاً، عليك أن تحمله في بطنك لتسعة أشهر، وليو الآن في الحادية عشرة من عمره، بالمنطق البسيط، ألا تدرك أن الحسابات لا تستقيم؟”
“رغم أنني أعزب، إلا أنني أعرف هذه البديهيات! لكنهما… إنهما متشابهان لدرجة مذهلة!”
عن ماذا يتحدث هذا الرجل؟ ليو والسير تشيري يتشابهان؟ ضيقتُ عينيّ وأخذتُ أنظر إليهما بالتناوب.
حسناً، ربما فكرتُ يوماً أن لون عينيهما متشابه، ولكن…
“كيف يمكن لملاكٍ وإنسان أن يتشابها؟”
“ماذا…؟”
“لا يمكن أن يوجد مخلوق كامل مثل ليو، لذا لا يمكن لأحد أن يشبهه، علاوة على ذلك، شعر السير تشيري أسود كظلمات أعماق البحار، بينما شعر ليو يتلألأ كلون سماء الليل.”
” وانظر إلى الأنف، كم هو مختلف! أنف السير تشيري حاد ومرتفع بجمال رجولي، بينما أنف ليو رقيق وصغير كتماثيل الملائكة.”
” وانظر إلى الشفتين أيضاً، شفتا السير تشيري…”
“كركبة!”
في تلك اللحظة، انهار برج المكعبات محدثاً جلبة.
التفتُّ لأجد وجه ليو قد اصطبغ بحمرةٍ قانية لا يمكن تخيلها، لدرجة أنني شعرتُ أنه سينفجر لو لمسته.
غطى ليو وجهه بكلتا يديه من شدة الخجل.
ورغم أنه لم يصل لمرحلة ليو، إلا أن وجه
السير تشيري لم يكن بأفضل حال؛ فقد بدت عليه أشد ملامح الارتباك التي رأيتها في حياتي، فطبق شفتيه بإحكام ثم أدار وجهه بعيداً.
عند رؤية ذلك، سارع السير بيناديل بتغطية فمه وخفض رأسه وهو يحاول كتم ضحكته:
“أنا آسف… كل هذا خطئي، ولكن ‘سير تشيري’… ههه… يا له من لقبٍ مألوف ولطيف حقاً!”
التعليقات لهذا الفصل " 159"