لم تستطع عينا ليو أن تتحولا عن اللوحة، وكأن سحرًا قد قيد نظراته بها.
مالت بليندا برأسها هي الأخرى لتتأمل الرسم بعمق، وبعد صمت قصير تبادلا نظرة طويلة، أومأ بعدها ليو برأسه بحزم، واحتضن اللوحة بين ذراعيه كأنها كنزٌ لا يُقدر بثمن.
“هذه الهدية هي أكثر ما أحببته على الإطلاق.”
في تلك اللحظة، حُسم أمر الفائز في مراسم عرض الهدايا.
***
في وقت متأخر من المساء، وبعد أن انتهى الحفل، كان الخمول قد تمكن من بليندا وليو جراء الإفراط في الطعام، فاستلقيا جنبًا إلى جنب في مخبئهما السري الذي صنعاه من الوسائد المتراكمة.
’لا أتذكر متى كانت آخر مرة ارتحتُ فيها هكذا منذ أن أصبحتُ ربة عائلة بلانش.‘
كان جسدها مسترخيًا تمامًا، وشعرت بنعاس لذيذ يداعب جفنيها.
قاومت بليندا تثاؤبها والتفتت بطرف عينها لترى ليو، الذي لم يملّ بعد من تأمل اللوحة التي تلقاها.
“ليو، أتعجبك تلك اللوحة إلى هذا الحد؟”
“أجل، إنها تشبه تمامًا ابتسامتكِ يا آنسة بليندا، أنا متأكد أن من رسمها شخص يعرفنا جيدًا.”
’هل أبتسمُ حقًا بكل هذا اللين؟‘
“لقد رسمك أنتِ بدقة مذهلة.”
بقيت بليندا تتأمل مع ليو صورتهما في اللوحة، وهما يبتسمان بودّ، لوقت طويل.
ورغم أنها بحثت عن صاحب الهدية لتسليمه الجائزة، إلا أنه لم يظهر حتى نهاية الحفل.
لكن بليندا كانت توقن بهويته؛ فاللوحة الأولى كانت تجسد لقاءهما بعد الخروج من زنزانة السايرين، والثانية صورت ما حدث في يوم ميلادها.
كان هناك شخصا واحدًا كان حاضرًا في كلا الموقعين، ويمتلك تلك الحساسية المرهفة لإدراك طبيعة ليو وما يفضله اكثر، وهو من يمكنه تقديم مثل هذه الهدية.
’لا بد أنه إيان، يبدو أنه ورث موهبة والده البارون رايتشل في الأعمال اليدوية.‘
أطلقت بليندا تثاؤبًا طويلًا لم تحاول كبحه هذه المرة، واستلقت براحة.
وفي ذهنها، همست بكلمة نافذة الحالة، لتظهر أمامها الشاشة التي لا يراها سواها:
[الاسم: ليو بلانش]
[العمر: 11 عاماً]
[الذكاء: 208/299]
[القدرة البدنية: 220/299]
[القوة المقدسة: 171/199]
[القوة السحرية: 235/299]
[مستوى التوتر: 0/100]
تغير عمر ليو ليصبح أحد عشر عامًا، بعد أن كان عشرة أعوام حتى الأمس.
وبينما كانت بليندا تغمض عينيها وتفتحهما وهي تسترجع أحداث العام المنصرم، تناهى إليها صوت ليو:
“آنسة بليندا، متى سيأتي الفارس؟”
أجابت بليندا بنبرة حملت مزيجًا من العتب والقلق وهي في غمرة النعاس:
“أنا أيضاً أتساءل عن ذلك.”
في النهاية، لم يأتِ سيزار حتى في يوم ميلاد ليو.
وصلت رسالة اعتذار منه لعدم تمكنه من الحضور وتقديم الهدية، لكنه لم يذكر فيها كلمة واحدة عن سبب غيابه أو متى سيعود إلى العاصمة.
“هل هو مشغول إلى هذا الحد؟”
“يبدو ذلك.”
’أي شغلٍ هذا الذي يجعله يخلف وعده ولا يأتي في يوم ميلاد الصغير…‘
بينما كانت بليندا تعبث بخاتمها في إصبعها بشكل لا إرادي، قال ليو فجأة:
“إذا كان الفارس مشغولاً لدرجة تمنعه من القدوم، ألا يمكننا نحن أن نذهب لرؤيته؟”
“هذا…”
فتحت بليندا عينيها اللتين كاد يغلبهما النوم.
’صحيح، كيف لم يخطر هذا ببالي؟‘
انقلبت بليندا بجسدها لتواجه ليو وهي مستلقية على بطنها.
“ليو، هل تريد حقًا الذهاب لرؤية الفارس؟”
“أجل!”
مع تلك الإجابة المفعمة بالحماس، استحضرت بليندا على الفور خريطة المملكة في مخيلتها.
تقع قلعة بالواستين في أقصى الشمال، بالقرب من غابة الحاجز التي تُعرف بـ حدود البشرية.
إنها رحلة طويلة تستغرق قرابة الشهر بالعربة إذا ساروا بتمهل.
حسبت بليندا ميزانية الرحلة وجدولها الزمني في ثوانٍ، ثم سألت ليو لتتأكد للمرة الأخيرة:
“إذا ذهبنا لرؤيته، فسيتعين عليك حضور دروس الأكاديمية في الفصل الشتوي بدلاً من الصيفي، هل أنت موافق؟”
فكر ليو للحظة.
رغم أسفه لعدم حضور الدروس مع إيان وأسيلي، إلا أن رغبته في رؤية الفارس كانت أقوى بكثير.
“أنا موافق على حضور الفصل الشتوي.”
ثم أضاف ليو بنبرة يشوبها القلق:
“لقد أخبرني الفارس أنه سيعود في الربيع، أي في يوم ميلادي، هذا ليس من شيمته، الأمر غريب.”
في الواقع، كان هذا يثير ريبة بليندا أيضًا.
فبناءً على شخصية سيزار، لو استجد أمر طارئ، لكان قد أوضح سبب انشغاله ومدته، وحدد موعدًا أكيدًا لعودته.
’تجنبه المباشر للإجابة ليس من طباعه أبداً.‘
لتبديد شكوكها، كانت بليندا قد سألت أوفيليا التي ذهبت لترميم حاجز الشمال الشتاء الماضي، عن أحوال سيزار، وكان الرد مفاجئاً:
“للأسف، لم أتمكن من مقابلة الدوق الأكبر قبيل رحيلي، كان الجو في القلعة غريبًا بشكل ما.”
“كيف كان غريبًا؟”
“لا أعرف التفاصيل، لكن… بدا الأمر مضطربًا، كان فرسان الشمال في حالة تأهب قصوى، كما لو أنهم في حالة حرب.”
“هل بدا وكأن خطرًا ما قد وقع؟”
“لا أظن ذلك، أكبر خطر قد يحدث هو ما يتعلق بغابة الحاجز، لكن حاجز الغابة كان متيناً.”
حتى أن سيزار لم يودع القديسة التي أرسلها المعبد، وهو أمر مريب بلا شك.
دارت الأفكار في رأس بليندا بسرعة؛ لم يتبقَّ من الفعاليات الكبرى في الربيع والصيف سوى ‘حفل رقصة الربيع’، وشؤون العائلة أصبحت مستقرة الآن.
’يمكنني ترك أمور القصر لتيري، وبما أنني كنت أفكر في حاجتي للراحة، فاعتبارها رحلة لعدة أشهر سيكون…‘
“حسناً، سنكتب رسالة نخبره بقدومنا، ونذهب لرؤيته.”
“حقاً؟”
“بالطبع، وما دمنا قد قررنا، فما رأيك أن نكتب الرسالة الآن؟”
ما إن أنهت بليندا كلماتها حتى وثب ليو وأحضر الورق والقلم، وكتبت بليندا لسيزار جملة واحدة قاطعة:
[انتظر هناك، ولا تتحرك من مكانك.]
***
لم تكن الاستعدادات للرحلة سهلة، فقد قوبلت بالرفض من كل حدب وصوب.
وكانت تيري وتشاشر الأكثر إصرارًا على الرفض.
“خذيني معكِ.”
“أرجوكِ خذيني معكِ أيضًا، يا سيدتي!”
اتحد الاثنان في موقف نادر، وأومآ برأسيهما كأن بينهما تحالفاً سرياً، معلنين معارضتهما الشديدة خوفاً على سلامة بليندا.
“كيف تذهبين إلى ذلك الشمال البارد والبعيد دون حراسة لائقة؟ أنا أعارض! خذيني معكِ على الأقل!”
“صحيح، يجب أن يرافقكِ ساحر من المرتبة التاسعة على الأقل ليرتاح قلبي، لقد سمعتُ أن سيد البرج الرمادي، الوسيم وذو الخلق الرفيع، لديه وقت فراغ كبير الآن، ما رأيكِ؟ ألا تريدين استئجاره؟”
كانت تفهم سبب قلقهما، لكنها لا تستطيع أخذهما.
“تشاشر، كيف يترك سيد البرج برجه ويرحل؟ وتيري، عليكِ حماية القصر في غيابي، وأخيرًا، لا داعي للقلق على سلامتي.”
كانت هذه فرصة مثالية لتظهر لهما نتائج تدريباتها، وضعت بليندا الصافرة الطويلة التي صنعتها فيفيان في فمها ونفخت فيها بقوة.
فويييييت—!
بعد لحظة، ظهروا كيربيروس وهم يركضون من بعيد.
أشارت بليندا إلى شجرة ضخمة في زاوية الحديقة وأمرت:
“كيربيروس، اهجم.”
ما إن نطقت بالكلمة، حتى ارتمى الثلاثة -الذين كانوا يركضون في تشكيل مثلثي- نحو بعضهم البعض فجأة.
وبدلاً من أن يتمرغوا على الأرض، بدأت أجسادهم تتضخم وهي تنفث ألسنة اللهب، لتتحول في لمح البصر إلى كلب ضخم بثلاثة رؤوس.
سقوط!
انقض كيربيروس على الشجرة التي أشارت إليها بليندا، واقتلعها بلمحة بصر بين فكيه كأنها لعبة، ثم عاد وهو يهز ذيله بحماس طلباً للثناء.
نظرت بليندا إلى تيري وتشاشر اللذين تبعثر شعرهما جراء الهواء الناتج عن هز ذيل الكلب الضخم، وسألت ببرود:
“إذاً، من هو الشخص الذي في خطر؟”
“ذلك الكلب اللعين… كان يجب أن أدفنه في ذلك الوقت.” (تمتم تشاشر بحنق).
وهكذا، بعد تجاوز العقبة الأخيرة، استأجرت بليندا المرتزقة الذين رافقوها في رحلة الشتاء قبل الماضي، وبدأت رحلتها نحو الشمال.
كلما اتجهت العربة شمالاً، انخفضت درجات الحرارة تدريجياً.
وبما أنها كانت مستعدة لذلك، أخرجت فراءها وهي تومئ برأسها: ’لقد كنتُ مستعدة لهذا البرد.‘
في العاصمة، بدأ الجو يميل للحرارة، لذا كانت هذه البرودة منعشة بالنسبة لها.
استمرت العربة في المسير نحو الشمال لوقت طويل.
“لحظة… هل سيصبح الجو أبرد من هذا؟”
بدأت بليندا تخرج الملابس الصوفية الثقيلة التي خبأتها في الأعماق لترتديها.
اجتازت العربة مدنًا حيوية عديدة، حتى بدأت حقول الثلج البيضاء المتجمدة تظهر من النافذة، حينها أدركت أن هناك خطباً ما.
“انتظروا، هذا غريب حقاً، نحن في الربيع، أليس كذلك؟”
احتضنت بليندا كير الدافئ وهي تتأمل مناظر الربيع الشمالي التي كانت أبرد من شتاء العاصمة.
“يعتبر الربيع هذا العام دافئًا جدًا بالنسبة للشمال، يقولون إن الثلوج الكثيفة التي سقطت في بدايته جعلت الجو دافئًا هكذا.” قال المرتزق الشمالي وهو ينفض الصقيع الأبيض عن لحيته.
لم تنطق بليندا بكلمة، بل اكتفت بإلباس ليو قفازاته ولف الوشاح حول عنقه.
وبعد أسبوع آخر من السير، ظهرت قلعة بالواستين المهيبة من بعيد.
***
داخل قلعة بالواستين.
“يا صاحب السمو، أرى أن نكتفي بهذا القدر من البحث اليوم ونعود للقلعة.”
أومأ سيزار برأسه وهو ينظر للسماء ليتأكد من الوقت بعد كلمات مساعده بيناديل.
لكن قلبه كان مثقلاً وهو يعود.
لقد مرّت أشهر منذ أن فُقد أثر “ذلك الشيء”.
من أجل العودة للعاصمة في أسرع وقت، كان يغادر القلعة منذ الفجر للبحث عن أثره، لكنه كان يعود دائمًا خالي الوفاض عند المساء.
وفي ذلك اليوم أيضاً، عاد للقلعة بعد يوم مضنٍ من البحث في القرى المجاورة وهو يحاول تهدئة قلقه.
استقبله كبير الخدم بوجه بدا عليه الارتباك والاضطراب.
“صاحب السمو، لديك ضيوف.”
“يصعب عليّ استقبال أحد الآن، اشرح لهم الوضع واصرفهم بتهذيب.”
همّ سيزار بالانصراف دون حتى أن يسأل عن هوية الضيف.
لكن كبير الخدم العجوز تجرأ ووقف في طريق سيده ومَدّ يده بشيء ما.
“أعتقد أنه يجب عليك رؤيتهم، لقد أبرز الضيف هذا الشيء وأصرّ على مقابلتك.”
في اللحظة التي رأى فيها سيزار ما في يد كبير الخدم، تجمّد في مكانه.
ولأول مرة، ظهر تعبير حاد على وجهه جعل كبير الخدم يصاب بالذهول.
تناول سيزار إرث العائلة من يد الخادم، وبعد صمت طويل، نطق أخيراً:
“أين هي الآن…؟ لا، أرشدها إلى أفضل غرفة في القلعة واحرص على راحتها التامة، وأيضاً…”
نظر كبير الخدم بدهشة إلى سيده الذي بدأ يهذي بكلمات غير مترابطة:
“هل بدت بخير؟ هل بدت مريضة أو متعبة؟”
“يا صاحب السمو… أظن أنه من الأفضل أن تسأل صاحبة الشأن بنفسك.”
“لا، لا يمكنني رؤيتها وأنا بهذا المظهر…”
“لستَ تنوي القول بأنك لن تراني، أليس كذلك… أيها الدوق الأكبر؟”
في تلك اللحظة، ومن خلف ظهره، تجمّد سيزار تماماً عند سماع ذلك الصوت المألوف الذي تغلغل في أعماقه.
التعليقات لهذا الفصل " 158"