حينما استعدت كامل ذكريات بليندا، أدركت وعلى عكس ما توقعه تشاشر، أنها لم تلمس يومًا أي غرضٍ مريب يتعلق بالسحر الأسود.
ومع ذلك، انقضَّ عليها السحر الأسود كصاعقةٍ في سماءٍ صافية.
ولأجل هذا، واصلتُ إجراء التحقيقات مع تشاشر بطريقتي الخاصة لكشف السبب.
“تُحفظ في جمهورية السحر الكثير من الوثائق فائقة السرية، على سبيل المثال، قائمة بأصحاب النفوذ الذين لا يجرؤ أحد على المساس بهم، رغم العلم بأنهم سحرة سود.”
بناءً على آثار السحر الأسود التي كانت متبقية في جسدي -والتي اختفت الآن- شرع تشاشر في تضييق نطاق المشتبه بهم وفق معايير محددة:
أولاً: أن يكون ساحرًا أسود نشطاً قبل 600 إلى 700 عام.
ثانياً: بالنظر إلى تعقيد السحر الملقى، فالأرجح أنه كان ساحرًا عاديًا في الأصل ثم انغمس في السحر الأسود، ويجب أن يكون ساحرًا من “المرتبة السادسة” على الأقل.
وأخيرًا، المعيار الثالث:
“بما أنكِ لم تلمسي غرضًا مشبوهًا، فمن المؤكد أن السحر أصابكِ لاستيفائكِ شروطاً معينة، وفي هذه الحالة، يكون نطاق السحر واسعًا جدًا، مما يتطلب تضحيات جسيمة بالمقابل.”
لذا كان عليَّ البحث عن حوادث اختفاء أو وفيات جماعية غير طبيعية، ومعرفة من كان يقف وراءها.
“عند تجميع كل هذه الخيوط، لا يبرز في قائمة المشتبه بهم سوى شخص واحد.”
أشار تشاشر بطرف سبابته، فطار كتابٌ من رفوف المكتبة واستقرّ في يده بنعومة.
“لا يجب أن تخبري أحداً بهذا، وبما أن لكِ صلة بالعائلة المالكة، عليكِ أن تكوني أكثر حذرًا.”
فتح تشاشر الصفحة الأخيرة من الكتاب. كانت تحتوي على رسم توضيحي مروع؛ مقصلة، ورؤوس بشرية مقطوعة متراكمة كالجبال.
أشارت أصابع تشاشر الرقيقة إلى رجل عجوز رث الثياب مرسوم في زاوية اللوحة.
“يعتقد الناس أن الملك المؤسس لهذه المملكة، بطل القارة، قد أُصيب بالجنون في أواخر حياته ومارس الاستبداد، لكن الحقيقة تختلف عن ذلك.”
لم أستطع إزاحة نظري عن العجوز في الرسمة.
الملك العظيم الذي أرسى قواعد مملكة كزينوس.
البطل الذي أتقن السحر والمبارزة، وحظي بمباركة الآلهة حتى امتلك القوة المقدسة.
لكنه في أواخر عمره، اصبح الطاغية المجنون الذي أباد نصف شعبه.
“تشاشر، هل تعني أن…”
أومأ تشاشر برأسه بوقار وثقل:
“بناءً على الأدلة المتعددة، فإن الشخص الذي ألقى عليكِ السحر الأسود هو… الملك المؤسس.”
***
الفصل 16
“الثلوج تسقط في الشمال يومًا بعد يوم، بالأمس، وأنا في جولة خارج القصر، رأيتُ زهور الكاميليا الحمراء تتفتح خلف القلعة لأول مرة منذ سنوات، فخطرتِ ببالي على الفور.”
“يقولون إن العاصمة لم تشهد ندفة ثلج واحدة هذا الشتاء، لذا، كلفتُ رسامًا ماهرًا برسم منظر الثلوج في الشمال لأرسله إليكِ، أما الزهور، فلم أطلب منه رسمها؛ لأنني ظننتُ أنكِ لستِ بحاجة إليها.”
‘سير تشيري، لقد تطورت مهارتك في الكتابة بشكل مذهل، لقد وصلتني لوحة الطبيعية التي أرسلتها، ولكن، متى ستنطلق؟ هل ستصل في الوقت المناسب لعيد ميلاد ليو؟’
“بمناسبة عيد ميلاده، أنوي إرسال سيف حقيقي كهدية للصغير، أعتقد أن الوقت قد حان ليعتاد على ثقل السيوف الحقيقية بدلاً من الخشبية، أرجو أن تبقي الأمر سرًا عن ليو.”
‘سأعيد صياغة كلامي ، متى سَتصل لِهُنا؟’
“بالإضافة إلى السيف، سأرسل مهرًا من خيول الشمال كهدية لليو، وبما أن إرسال خيل صغير وحيدًا إلى أرض غريبة قد يشعره بالوحدة، سأرسل أمه معه أيضًا، إذا لم يمانع رقيّكِ، أرجو أن تتولي رعاية الفرس الأم.”
‘يا هذا، هل ستأتي أم لا؟!’
…
“هذا الوغد… هل يتجاهل رسائلي؟”
حملقت بليندا في رسالة سيزار الأخيرة قبل أن تغرق بجسدها في الكرسي الوثير وتغمض عينيها.
لقد نال منها التعب بعد أشهر من الجدول الزمني المرهق؛ فإلى جانب إدارة شؤون العائلة والاجتماعات الشهرية مع التابعين، انخرطت بشكل كامل في الجانب الموالي للملكية وبدأت المشاركة في مجلس النبلاء، مما زاد من علاقاتها السياسية بشكل مفاجئ.
كان عليها الموازنة بين حفلات المجتمع الارستقراطي، وصدّ مضايقات فصيل النبلاء والملكة في آن واحد، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اضطرت لتقمص شخصية ‘الملكة الحمراء’ والتردد على الكازينو لتعويض الخسائر الناتجة عن تزوير رقائق الكازينو الذي قامت به بنفسها.
وعندما أضافت إلى ذلك تحقيقها الخاص حول الملك المؤسس، شعرت أن جسدًا واحدًا لا يكفي لكل هذه المهام.
‘بذلتُ كل هذا الجهد، ومع ذلك لا توجد نتائج.’
وضعت ظهر يدها فوق جفنيها لتبريد الحرارة المنبعثة من عينيها الغائرتين في التفكير.
رغم كلمات تشاشر بأن الملك المؤسس له علاقة بالسحر، إلا أن بليندا لم تعثر على أي معلومة تذكر طوال الشتاء وحتى قدوم الربيع.
فالرجل مات منذ قرون، والوثائق المتبقية نادرة، ومعظمها قصص خيالية طمسها بريق إنجازاته البطولية.
كما أن كونه شخصية ملكية جعل التفتيش في سيرته أمرًا شائكًا.
كان الخيار الأخير هو البحث عبر ولي العهد، لكن سؤال ميخائيل بشكل مباشر قد يثير الشبهات، وإذا ساءت الأمور، فقد تُتهم بإهانة العائلة المالكة…
“….ماركيزة؟”
“أيتها الماركيزة!”
انتبهت بليندا أخيرًا للصوت الذي يناديها، فأنزلت يدها ونظرت أمامها.
كان البارون رايتشل واقفًا أمامها، ولا يُعرف متى وصل، ضحك البارون بحرج ثم طرح موضوعه بحذر:
“هل تتوفر لديكِ دعوة إضافية؟”
“دعوة؟”
“لقد تلقى ابني دعوة لعيد ميلاد السيد الصغير ليو… لكنني لم أتلقَّ واحدة.”
استعادت بليندا تركيزها واعتدلت في جلستها.
في الأيام القليلة الماضية، جاءها الكثيرون يسألون عن دعوات لحفل ميلاد ليو، وكانت نواياهم واضحة: التقرب من عائلة بلانش عبر الصبي.
في كل مرة، كانت بليندا تطرح سؤالاً واحداً:
“بارون، هل أنت مقرب من ليو الخاص بنا؟”
ترددت في أذن البارون أصوات معارفه الذين ترجوه أن يأخذهم معه إذا دُعي للحفل.
“ليس تمامًا، ولكن في المستقبل سنكون…”
“إذاً لا توجد دعوة، أنوي إقامة حفل بسيط يضم فقط المقربين من ليو.”
في النهاية، لم يجد البارون مفرًا من التراجع أمام نظرات بليندا الحازمة، وعاد خالي الوفاض.
***
‘بسيط؟ هراء!’
نظر إيان، الذي تأنق على غير عادته، بذهول إلى الجناح الملحق لعائلة بلانش الذي زُين بفخامة مفرطة.
كان يتردد على هذا المكان يوميًا حتى كاد عتبة الباب تتآكل، لكن بمجرد أن قررت بليندا طلاء المكان بالذهب، تحول ذلك المنزل الحجري الهادئ إلى قصر ملكي باذخ في لمح البصر.
‘إذا كان هذا هو المفهوم البسيط، فإن العائلة المالكة تعاني من الفقر إذاً.’
تفحص إيان دعوة الحفل التي وضعها في جيبه.
ورقة فيرجو الفاخرة المطعمة بالزهور المجففة، والمحاطة بإطار مذهب، والمعطرة بعطر ثمين… كان ينبغي له أن يدرك حين استلمها أن مفهوم البساطة عند آل بلانش يختلف تمامًا عن عامة البشر.
“السيد إيان رايتشل، تم التحقق من دعوتك، سيتم الكشف عن الهدايا في فترة ما بعد الظهيرة، لذا يرجى وضع هديتك هنا.”
” كما نلفت انتباهكم إلى وجود ‘زي موحد’ للأطفال دون سن الخامسة عشرة، يرجى ارتداؤه.”
‘….كان يجب أن أدرك ذلك حقًا.’
مشى إيان بملامح متبرمة بين طاولات الحفل الخارجية، وقد رُبطت على رأسه فيونكة ضخمة التزامًا بالزي المطلوب.
كانت فرقة أوبرا الكازينو -التي لا تقل مهارة عن الفرقة الموسيقية الخاصة بالعائلة الملكية- تتولى عزف موسيقى الحفل.
ولم تكن الموسيقى هي الشيء المذهل الوحيد.
“يا سيدي، ألا يمكننا إطلاق بعض المفرقعات والألعاب النارية بالسحر؟ ليس كثيرًا، فقط إحدى عشرة طلقة توافق عمر برعمي الصغير.”
كان المتحدث هو السيد الجديد لـ “البرج الرمادي”، أصغر من وصل للمرتبة التاسعة.
“جنة اللحوم… لا أمانع الموت الآن…”
مالكة ورشة سحرية شهيرة تنتج أكثر الأدوات السحرية رواجًا في العاصمة حالياً.
“هل تقصد الشمال؟ لقد كان مكاناً ذا مناظر ثلجية خلابة، أنوي التوجه نحو الجنوب في المرة القادمة…”
القديسة التي بدأت بترميم حواجز الشمال الشتاء الماضي، وتجوب المملكة الآن للقيام بأعمال خيرية نالت ثناء الشعب.
“هل يمكنك إفراغ جيوبك لـ سوغا؟ سوغا فضولية جدًا لمعرفة ما بداخلها!”
حتى الجنية التي تطير بنشاط محاولةً نهب جيوب الناس.
‘تلك أيضاً تُعتبر من الضيوف الرفيعين، على ما أظن.’
تنهد إيان سراً وهو يرى أسيلي، الذي نسيّ الفيونكة الضخمة فوق رأسه، يدور حول تيري وهي تحمل طبقاً من الحلويات.
لا يعلم ما هي الهدية التي جهزها أسيلي، لكنه بالتأكيد شيء ثمين لا يوجد إلا في الجنوب.
‘لو كنتُ أعلم أنه حفل فاحش الثراء كهذا، لكنتُ ضغطتُ على نفسي واشتريتُ غرضًا من صنع حرفي ماهر.’
شعر بالحماقة لأنه صدق كلمة بسيط وظن أنه مجرد عشاء مع زملاء الأكاديمية.
وبدأت مراسم الكشف عن الهدايا كما أعلن الموظفون.
كان الحفل يسير دون أن يعرف ليو أو الضيوف من قدم ماذا، والشخص الذي تنال هديته إعجاب ليو الأكبر، سيعود بجائزة مذهلة.
تحت أنظار الجميع، بدأ ليو بفتح الهدايا واحدة تلو الأخرى بعناية:
أداة سحرية مصنوعة خصيصاً لليو، الوحيدة من نوعها في العالم.
عصا سحرية منحوتة من خشب الجنيات.
سيف حقيقي أزرق مصنوع من حديد الشمال المطروق.
رداء أحمر صارخ مصنوع من حرير الجنوب الفاخر، رغم أن تصميمه كان ريفياً بعض الشيء.
مع كل هدية تُكشف، كان ليو يبتسم بإشراق ويعبر بصدق عن مدى روعة الهدية وإعجابه بها.
وأخيرًا، لم يتبقَّ سوى هدية إيان.
رغم برود إيان المعتاد، إلا أنه في تلك اللحظة لم يستطع سوى إشاحة وجهه بعيداً عن ليو.
فتح ليو الغلاف ببطء وأخرج ما بداخله.
“هذا…”
لقد كانت عدة رسومات.
رغم أنها مجرد سكتشات، إلا أن الجهد المبذول فيها كان واضحاً؛ رسومات تجمع بليندا وليو وهما يبتسمان وجبهاهما متلاصقان، أو ليو وهو يعانق عنق بليندا من الخلف ضاحكًا.
لم تكن المهارة خارقة، لكن ليو أدرك في تلك اللحظة أن الرسام كان ينظر إلى الأشخاص في الصورة بنظرة دافئة وحانية للغاية.
التعليقات لهذا الفصل " 157"