“لقد عانيتِ كثيرًا ، لذا، هل لي أن أتجرأ واقول… هل أقتله؟”
سألتني تيري بنبرة خفيفة للغاية، وكأنها تدعوني لنزهة قصيرة، رغم أنني لم أرَ وجهها منذ أسبوعين، لم أكن بحاجة للسؤال عن هوية الشخص الذي تقصده؛ فقد كان الأمر جليًا.
أجبتُها بينما كنتُ أستعين بلمسة يدها لأصعد إلى العربة:
“توقفي عن ذلك، فحين تنطقين بمثل هذه الكلمات لا تبدو وكأنها دعابة أبدًا.”
“لكنني لا أمزح.”
بدت تيري عابسة، وكأنها تفرغ حظها العاثر في ملامحها، وراحت ترمق بنظرات حادة سقف المعبد العظيم الذي يلوح بجزء منه وراء الجدران العالية.
ما إن استندتُ بظهري إلى مقعد عربة عائلة بلانش، حتى غمرني ملمس المخمل الفاخر المألوف، محتضنًا جسدي براحة تامة.
‘آه، أجل.. هذا هو الشعور المنشود.’
بينما كنتُ أستمتع بتنسّم عبير العالم الدنيوي الحلو، وأراقب صخب الشوارع من نافذة العربة، مدت تيري نحوي بعض الوثائق التي كانت وضعتها جانبًا.
“لديَّ تقارير عديدة لأعرضها عليكِ، ولكنني جئت بهذا أولاً، لأنني ظننتُ أنكِ كنتِ تنتظرينه بفارغ الصبر.”
“هذا هو…”
[هجوم وحوش على قافلة تجارية، انطلقت فرقة إبادة من العاصمة الملكية، لكنها فوتت الوقت الذهبي للإنقاذ، مما أسفر عن وقوع عدد كبير من الضحايا.]
كانت الأوراق التي سلمتني إياها تيري تلخص بإيجاز حادثة تعرضت لها قافلة تجارية كبرى كانت تتنقل بين الشمال والعاصمة.
عادةً، سكان المقاطعات الذين لا يغادرون أراضيهم إلا نادرًا، يعتمدون على القوافل العابرة مقابل مبلغ مالي كبير ليرافقوهم حتى وجهتهم.
وكان ليو واحدًا من أولئك العوام الذين ائتمنوا القافلة على أرواحهم للسفر من الشمال إلى العاصمة.
[وفاة 21 شخصًا من أصل 24، عُثر على طفل صغير بين الناجين وتم نقله إلى دار أيتام في العاصمة، يُعتقد أن الأوصياء قد فارقوا الحياة.]
لم أستطع إزاحة عينيّ عن الورقة حتى بعد أن انتهيت من قراءة كل تفصيل فيها. حينها، أضافت تيري بلهجة حذرة:
“يُقال إنه عند نقله إلى دار الأيتام، لم يستطع ممارسة حياته بشكل طبيعي لعدة أشهر بسبب الصدمة النفسية، ولحسن الحظ، بدأت حالته تتحسن تدريجيًا، لكنه بدا وكأنه لا يتذكر أي شيء مما حدث قبلاً.”
ربما كان قولها حقيقة.
فلقد قال ليو بلسانه ذات مرة:
“أذكر أنني كنت في دار الأيتام منذ ان كنت في الخامسة، لكنني لا أعرف كيف كان الحال قبل ذلك، لا أتذكر بوضوح.”
بالطبع، تختلف الذكريات الأولى من شخص لآخر، لكن ليو لم يستطع حتى استحضار صورة رسول الروح الذي يتجسد عادةً في هيئة حيوان مألوف لصاحبه.
ألا يعني هذا أن هناك ذكرياتٍ مفقودة سقطت من ذاكرته؟ كذكرياته في الشمال قبل سن الخامسة مثلاً، حيث كان من المعتاد رؤية ابن عرس الأبيض.
أشرتُ إلى موضع في الوثيقة وسألت تيري:
“هذان الزوجان، ‘آل هاربر’، اللذان يُفترض أنهما وصيا ليو.. أي نوع من الأشخاص هما؟”
“سأحتاج إلى مزيد من الوقت للتحقق، الشمال بعيد جدًا ومنغلق، فضلاً عن أن تحديد هويات المتوفين يعتمد على ذاكرة الناجين، لذا فإن الدقة منخفضة للغاية.”
رغم أن قدرات ‘جرذان المجاري’ الاستخباراتية لا يُعلى عليها، إلا أن هناك حدودًا تجعل تركيز معلوماتهم ينصبُّ بالضرورة على العاصمة.
سيتطلب الأمر وقتًا وجهدًا كبيرًا لتتبع المسار الذي سلكته القافلة قبل أربع سنوات والبحث عن آل هاربر في أصقاع الشمال.
نظرتُ إلى قصر بلانش الذي بدأ يقترب، وشعرتُ وكأنه بيتي الحقيقي، ثم قلت برزانة:
“هل يمكنكِ التحقق أيضًا من الفروع الجانبية لعائلة بالواستين بجانب آل هاربر؟”
“تقصدين عائلة الدوق الأكبر في الشمال؟” سألت تيري بدهشة.
أومأتُ برأسي وقلبٌ مثقل بالهموم.
***
في ذلك اليوم، لم تتحول عينا أي شخص في الزنزانة إلى اللون الأحمر.
استنتج المعبد وبرج السحر أن لعنة الوحش قد توزعت بالتساوي بين الحاضرين فضعف أثرها.
لكنني، أنا التي واجهت وجه ذلك الوحش مباشرةً في لحظة موته، كان لي رأي آخر.
تلك العيون الحمراء المتوقدة بالرغبة في القتل والجنون، كانت مسلطة نحو ليو حتى الرمق الأخير.
وكأن الوحش أراد أن يحدق بوضوح في وجه من اخترق قلبه.
رغم محاولاتي المستميتة لإنكار الأمر، إلا أن حدسي كان يخبرني أن لعنة الوحش قد أصابت ليو.
‘إن كانت لعنة الوحش قد طالت ليو، فلا يمكنني إرساله إلى المعبد، وبالتأكيد ليس إلى جوزيبي.’
لا يمكنني ائتمان شخص أعدم كاهنًا فورًا ودون تردد بمجرد اكتشاف أنه ساحر أسود، على سلامة ليو.
كان هذا هو السبب في حمايتي لليو من جوزيبي بكل قوتي، وفي إرساله لاحقًا إلى برج السحر.
وخلال الأسبوعين الماضيين، جمعتُ ما يكفي من المعلومات من داخل المعبد. وكما توقعت، كانت المكتبة هناك تعج بكتب وأبحاث عن الوحوش لا يُسمح بإخراجها…
[…تتميز اللعنة بالرغبة في السفك والوقوع في شرك الجنون مع تحول العينين إلى اللون الأحمر.]
[ ومن ناحية أخرى، الأطفال الصغار أكثر عرضة للوقوع تحت تأثير لعنة الوحوش… ولا يمكن تطهير اللعنة تمامًا حتى بالقوة المقدسة… وحاليًا، لا توجد طريقة معروفة لإزالة لعنة الوحش كليًا.]
لم يرد ذكر أي طريقة لإضعاف اللعنة في أي مكان.
‘من حسن الحظ أن ليو بخير حاليًا، ولكن…’
عليّ الآن أن أكتشف لماذا هو بخير، ولم يكن هناك سوى سبب واحد يتبادر إلى ذهني.
“سيدتي، هل تعتقدين أن ليو ينتمي لفرع جانبي من عائلة بالواستين؟”
“ليس هناك شيء مؤكد والأدلة واهية، لكن الاحتمال ليس مستحيلاً.”
اجتازت العربة المسرعة البوابة الرئيسية لقصر بلانش وبدأت تعبر الحديقة المنسقة بعناية.
وبين زهور الخريف التي تفتحت خلال الأسبوعين الماضيين، ترامت إلى مسمعي كلمات السير تشيري التي همس بها ذات مرة:
“سلالة بالواستين المباشرة تولد بقدرات خارقة تمكنهم من مقاومة اللعنات.”
على حد علمي، القدرة الوحيدة التي تمنح الحصانة ضد لعنة الوحوش هي قدرة عائلة بالواستين.
‘لو كان سبب سلامة ليو هو امتلاكه لتلك القدرة…’
هل كان الزوجان هاربر والداه الحقيقيين؟ وما علاقة ذلك بقدرات عائلة بالواستين؟ كل شيء لا يزال غارقًا في الضباب.
‘بالحديث عن ذلك، ألم يقل السير تشيري إنه يبحث عن طفل؟’
تُرى ما مدى ارتباط ذلك بالمعلومات التي أملكها؟
بينما كنتُ أفكر في إرسال رسالة للسير تشيري لاستيضاح الأمر، توقفت العربة.
“لقد عدتِ بعد أسبوعين، الجميع بانتظاركِ يا سيدتي.”
عندما فتحت تيري باب العربة، رأيت ليو يركض نحوي.
“آنسة بليندا!”
بدا وجهه محمرًا قليلاً من شمس الخريف، وكأنه ظل ينتظرني في الخارج طويلاً.
وبمجرد رؤية ابتسامته، تبددت الأفكار المعقدة التي كانت تغيم على عقلي كسحب سوداء.
بسطتُ يديّ لأصنع ظلاً فوق جبهته وسألت:
“ليو، هل كنت شجاعًا وبخير في غيابي طوال هذين الأسبوعين؟”
“أجل!”
“حقاً؟ كنت بخير حتى دوني؟ هذا يشعرني ببعض الخيبة.”
“أوه، في.. في الواقع، كنت أقل شجاعة من المعتاد بقليل.”
أشار ليو بسبابتيه ليوضح مقدار هذا الـ “قليل”، وهو يراقب رد فعلي بحذر، ثم بدأ يباعد بين أصابعه تدريجيًا حتى اعترف في النهاية: “الحقيقة، لم أستطع أن أكون شجاعاً أبداً.”
كنتُ أتساءل إن كانت هناك قدرات أخرى لا أعرفها يمكنها مقاومة لعنة الوحش.
لذا توجهتُ للمكتبة في وقت متأخر من الليل للبحث عن كتب ذات صلة.
ولسوء الحظ، كان الكتاب الذي أبحث عنه في رفٍّ أعلى بكثير من مستوى نظري، فرفعتُ نفسي على أطراف أصابعي ومددتُ يدي.
“تريدين إخراج هذا، أليس كذلك؟”
شعرتُ بحضور مألوف خلف ظهري، وسحب أحدهم الكتاب بدلاً مني.
التفتُ ببطء لأرى الرجل الذي وضع الكتاب في يدي، وأملتُ رأسي بتعجب.
كانت ابتسامته المشرقة والجريئة كما هي لم تتغير، ولكن.. كيف أقولها؟ شعرتُ أن مستوى نظره وهو ينظر إليّ أصبح أعلى، وأن ثيابه تبدو أكثر ملاءمة لجسده من ذي قبل.
“تشاشر، هل ازداد طولك؟”
“هل أبدو كذلك؟” ابتسم تشاشر بمكر.
لم يكن وهمًا، يبدو أنه طال حقًا خلال الأشهر القليلة التي لم أره فيها.
“حسنًا، فأنت لا تزال في مرحلة النمو على أي حال.”
عندما تمتمتُ بذلك دون تفكير، ارتفع أحد حاجبي تشاشر بامتعاض.
“من قال ذلك؟ أنني في مرحلة النمو.”
أوه، هل جرحتُ كبرياءه؟ رغم أنه لا يزال طفلاً في نظري بخبرتي من حياتي السابقة، إلا أنه في هذا العمر ربما يشعر بالاستياء لأنه يعتبر نفسه رجلاً ناضجًا.
تنحنحتُ بسرعة وانتقلتُ إلى الطاولة لأغير الموضوع:
“على كل حال، هل يُعقل لسيد برج السحر أن يتسكع هكذا بكل هذا الفراغ؟”
جلس تشاشر امامي بملامح متصلبة قليلاً، لكنه سرعان ما استعاد تعبيره المسترخي المعتاد، وسند ذقنه على يده الموضوعة على الطاولة.
“لستُ متفرغًا، ولكن من أجل سيدتي، يمكنني اقتطاع أي قدر من الوقت.”
ثم ضيق عينيه وابتسم برقة.
هذا الفتى.. يبدو أنه أصبح أكثر جرأة خلال هذه الأشهر.
وضعتُ الكتاب الذي أحضرته بشكل رأسي لأحجب نظراته الحارة وقلتُ بنبرة توبيخ:
“الشخص الذي يدعي أنه يقتطع لي أي وقت، لماذا لم يرسل رسالة واحدة طوال ذلك الوقت؟ رغم أنك كنت تراسل ليو بانتظام.”
كنتُ أتوق لسماع أخباره طوال الوقت. ورغم أنني لا أعرف تفاصيل العمل في جمهورية السحر، إلا أنني أدرك أن تولي منصب سيد البرج دون أي قاعدة دعم لم يكن أمراً سهلاً.
لابد أنه واجه صعوبات واحتاج للمساعدة. وحقيقة أنه كان يراسل ليو بانتظام بينما لم يتصل بي قط، جعلتني أشعر ببعض الغصة في قلبي.
ربما كان شعورًا يشبه انتظار أخبار أخٍ أصغر أُرسل إلى الجيش.
وفجأة، تناهى إلى مسامعي صوته العذب الذي يقطر عسلاً من خلف الكتاب:
“فعلتُ ذلك لكي تفكري بي أكثر ولو بقليل. لو أرسلتُ رسالة أقول فيها إنني بخير، لكنتِ قد اطمأننتِ وتوقفتِ عن التفكير بي، أليس كذلك؟”
انظروا إليه! تلصصتُ عليه بعينيّ فقط من فوق حافة الكتاب.
كان قد وضع وجهه بين كفيه كما في لقائنا الأول، وهمس بصوت خفيض للغاية وكأنه يبوح بسر عظيم:
“لقد اشتقتُ لسيدتي حقًا، ألم تشتاقي إليّ أنتِ؟”
إنه يستمر في العبث مع شخص أكبر منه.
رمقتُه بنظرة حادة.
ولسوء حظه، فقد اكتسبتُ نوعًا من المناعة ضد جماله، وهذا يعني أنني لن أنخدع بابتسامة عينيه اللعوبة عندما يريد شيئاً ما.
فضلاً عن أن بطاقة الجمال ليست حكرًا عليه وحده.
خفضتُ رأسي لأضبط تعابير وجهي، ثم أغلقتُ الكتاب بقوة أحدثت صوتًا.
ضيقتُ عينيّ وابتسمتُ، ثم همستُ ردًا على سره:
“لقد اشتقتُ إليك، تشاشر.”
“…………”
“سأقول لك هذا قدر ما تشاء، لذا هل يمكنك تخفيض رسوم دروس ليو قليلاً؟”
تحول وجه تشاشر في لحظة وكأنه سقط من الجنة إلى الجحيم، وغطى وجهه بيديه وهو يئن متذمراً:
“يا سيدتي، أنتِ قاسية جدًا، هل تعلمين ذلك؟”
ما كان عليك أن تعبث مع الكبار إذًا.
أصدرتُ صوتًا ساخرًا بأنفي وأعدتُ فتح الكتاب، بينما ظل تشاشر ضاربًا جبهته على الطاولة لفترة، قبل أن يفتح فمه بهدوء:
“سيدتي.”
“تشاشر، ألم تقل إنك مشغول؟”
لماذا يستلقي شخص بمكانة سيد برج السحر في منزل الآخرين هكذا؟
لكن تعبيري اللامبالي تجمّد فورًا مع كلماته التالية:
“لقد طلبتِ مني سابقاً أن أبحث عمن يقف وراء السحر الأسود المتبقي في جسدكِ.”
اتجهت نظراتي نحو تشاشر من جديد.
“أعتقد أنني عرفتُ من هو.”
رفع تشاشر رأسه، وكانت ملامحه جادة بشكل لم أعهده من قبل.
التعليقات لهذا الفصل " 156"