لكنّ بليندا ما لبثت أن مسحت عن وجهها ملامح الكآبة، ورفعت نظرها لتلتقي عيناها بعيني ليو.
قالت بهدوءٍ بدا متماسكًا على غير عادتها: “ليو، الأمر مفاجئ، لكن عليك أن تقيم في البرج السحري مع تشاشر لمدة أسبوعين من الآن، هل سيكون ذلك على ما يرام؟”
“… نعم.”
“خلال هذين الأسبوعين لن أستطيع رؤيتك، ولن تذهب إلى الأكاديمية أيضًا، تشاشر سيكون إلى جانبك، لكن من حولك سيكونون جميعًا غرباء… هل تستطيع أن تبقى شجاعًا؟”
كان وجه بليندا وهي تسأله مختلفًا عن المعتاد، مختلفًا إلى حدٍّ جعل ليو يتعمد أن يتخذ هيئةً وقورة، فهزّ رأسه بثبات.
“نعم، أستطيع.”
“حسنًا، هكذا يكون كستنائي الصغير.”
وعندها فقط، وكأنها اطمأنت أخيرًا، ضمّت بليندا ليو إلى صدرها بقوة.
أدرك ليو في اللحظة نفسها أن عناقها يختلف عن كل مرة. كان أكثر إلحاحًا… أكثر اختناقًا. حتى أن أنفاسه كادت تُحبس.
لا بدّ أن شيئًا سيئًا قد حدث.
وربما… ربما لم يكن ينبغي له قتل ذلك الوحش.
ارتجف الطفل قلقًا، لكنه بدل أن يسأل عمّا يجري، اكتفى بأن يسند خده إلى كتف بليندا، دافعًا وجنته فيها قليلًا، مستغرقًا في دفء جسدها، كأنه يحاول أن يحفظه في داخله.
ثم قال بصوتٍ حذر، لكنه صادق حتى العمق: “حتى لو كان قتل الوحش في الزنزانة، أمرًا سيئًا جدًا جدًا، فأنا… لن أندم عليه أبدًا.”
أبعدت بليندا الطفل عنها، ونظرت مباشرةً إلى وجهه.
كانت عيناه الزرقاوان الصافيتان تتلألآن تحت ضوء الشمس، لامعتين كحصى مصقول.
“أنتِ من قلتِ لي يا آنسة بليندا، قلتِ إن أنقذكِ بشجاعة، إن كان ما فعلته لإنقاذكِ، فكيف لي أن أندم؟ مستحيل. أبدًا.”
ذلك الكلام، في النهاية، جعل بليندا تبتسم.
“يقولون إن الأطفال يكبرون بسرعة.”
وكانت تلك الابتسامة… كافية.
شعر ليو أنه يستطيع أن يتحمّل الأسبوعين القادمين بشجاعة.
***
يختلف الأمر من شخصٍ لآخر، لكنّ ظهور لعنة المخلوقات السحرية يستغرق في المتوسط أسبوعين.
وخلال هذين الأسبوعين، كانت بليندا محبوسة في المعبد، لا تتحرك خطوة، تعيش تحت ما يشبه المراقبة الدائمة.
ولم يكن ذلك مقتصرًا عليها وحدها.
جوزيبي وأوفيليا أيضًا لم يُسمح لهما بمغادرة المعبد قيد أنملة، وكانا يخضعان للفحص مرارًا: هل تغيّر لون العينين إلى الأحمر؟ هل ظهرت ميول عنيفة؟
والأمر الوحيد الذي يُعدّ عزاءً، هو أن الحرية داخل المعبد كانت مضمونة. لكن بليندا، بعد يومٍ واحد فقط، بدأت تشعر بالضجر حتى النفور.
“الطعام بائس،هل الجميع هنا حيوانات عاشبة؟ لماذا لا يأكلون سوى العشب؟”
“يا للسماء… لا تقولوا لي إن رجال الدين ينامون فعلًا على هذه الأسرة التي تشبه التوابيت.”
“لا تدقّوا الأجراس قبل الفجر، أرجوكم، دعونا ننام قليلًا!”
كان الأمر أشبه بتجربة حياة راهبٍ ناسك يسعى لتزكية النفس.
لقد اشتدت قوانين المعبد ، الطهارة، النزاهة، الزهد ، إلى هذا الحد منذ أن أصبح جوزيبي الكاهن الأعظم.
يقال إن الكهنة العاديين أصبحوا ينعمون بمعاملة أفضل من ذي قبل، لكن بالنسبة لبليندا، المعتادة على حياة النبلاء، كان كل يوم عذابًا بحد ذاته.
ومع ذلك… إن سُئل عمّا كان الأصعب تحمّلًا…
“هل الأوضاع محتملة؟”
“هل تمزح معي الآن؟”
كان ذلك وقت المقابلة اليومية، مرة واحدة في اليوم، مع جوزيبي.
كانت بليندا تتعمد أن تتوارى في أماكن قليلة الحركة قبل موعد المقابلة، لكن لسببٍ لا تفهمه، كان يعثر عليها دائمًا، كأنه يملك حاسة سادسة.
“لولا أنهم يسمحون بإدخال طعام من الخارج لكنتُ هربت منذ زمن.”
“المعبد ليس سجنًا.”
“يا للعجب، ظننتُه سجنًا لأنني محتجزة فيه طوال اليوم، من كان ليتخيل أنه معبد؟”
قالت ذلك ببرودٍ ساخر، وأدارت وجهها بعيدًا عن جوزيبي الجالس قبالتها.
ومع ذلك، لم يُبدِ أي انزعاج، بل واصل الحديث بنبرة هادئة.
“رائحة الشاي طيبة.”
كانت بليندا تتذوق الشاي الأسود الذي أعدّته من أوراق فاخرة أرسلتها تيري، متجاهلةً كلامه تقريبًا، مستغرقة في عبقه.
ولم تفكر حتى في عرضه عليه. فهي تعلم مسبقًا أنه سيرفض.
حلّ اليوم الأخير من الأسبوعين.
وكما كان متوقعًا، لم تظهر على بليندا أي أعراض تُذكر.
أما ليو، فكان بخيرٍ أيضًا، وهو ما كانت تؤكده لها رسائل تشاشر التي تصل يوميًا في موعدٍ ثابت.
ابتسمت بليندا وهي تعيد قراءة رسالة ليو التي وصلت مع رسالة تشاشر، مرة بعد مرة… ثم شعرت بنظرةٍ صامتة موجّهة إليها، فتصلّب وجهها في الحال.
كانت المقابلات قد بدأت بحجة التأكد من إصابتها بلعنة المخلوقات السحرية، لكن في الواقع، لم يكن بينهما الكثير من الكلام.
كلٌّ منهما كان يقضي الوقت منشغلًا بأموره.
غير أن جوزيبي، بين الحين والآخر، كان يراقبها بنظرةٍ غريبة يصعب تفسيرها.
“الطفل… أقال إنه بخير؟”
توحشت نظرة بليندا فورًا.
“لا شأن لك.”
في ذلك اليوم داخل الزنزانة، أصرّ جوزيبي بإلحاح على أن يُدار أمر ليو أيضًا من قِبل المعبد.
وإرسالها ليو إلى البرج السحري، بدل إبقائه معها، لم يكن فقط رفضًا لذلك، بل لأن جزءًا منها خشي فعلًا أن تكون لعنة المخلوقات السحرية قد أصابته.
ولحسن الحظ، تبيّن أن ليو بخير.
لكن…
خلال الأسبوعين الماضيين، أدركت بليندا أمرًا واضحًا.
في اللعبة هيرومي، كان جوزيبي راعيًا مثاليًا، يغدق على البطل حبًا لا محدودًا. أما مع بليندا… فكانا خطّين متوازيين لا يلتقيان أبدًا.
كان جوزيبي كاهنًا نزيهًا بحق.
غاياته كانت دومًا في صف الخير، يمدّ يده دون تردد لمن يحتاج، ولا يتسامح مع أدنى شائبة.
كانت بليندا تحترم قناعاته ومبادئه، لكنها في الوقت نفسه فهمت أنه لم يعد، ولن يكون، راعيًا لليو.
لو كانت أوفيليا هي من تربي البطل لكان الأمر مختلفًا… لكن طالما أنني أنا من أعتني بليو، فلن يكون هناك وفاق بيننا.
أولوية جوزيبي كانت دائمًا الخير المطلق والعدالة المطلقة، بلا استثناء واحد.
ومنذ أن التقيا كـ بليندا، وبعد أن رأى بعين الحكمة ما ارتكبته من شرور في الماضي، لم يعد ثمة مجال للعودة.
لذلك، قررت بليندا بجرأة أن تتخلى عن السعي لنيل ودّه.
“سألتني سابقًا إن كنت أملك ذكريات من عالمٍ آخر.”
“نعم.”
“لا أعرف على أي أساس قلت ذلك، لكنك أخطأت.”
حتى دون دعم جوزيبي، يستطيع ليو أن ينال كل ما يريد.
وفوق ذلك… لم تكن تريد أن ترسله إلى جوار رجل يضع عدالته فوق طفلٍ صغير.
وبعد أن أنهت بليندا ترتيب أفكارها تمامًا، سكبت كأس شاي إضافية، وكأنها تمنحه آخر مجاملة.
“آمل أن يكون اليوم آخر مرة نتشابك فيها بهذه القذارة.”
وبتلك الكلمات، نهضت من مكانها وغادرت.
ظلّ جوزيبي جالسًا في مكانه طويلًا بعد خروجها.
حدّق في الموضع الذي كانت تجلس فيه، ثم أمال رأسه قليلًا وهمس:
“لا أفهم.”
بليندا، كما رآها بقدرته، كانت بلا شك امرأة شريرة لا مجال للشك فيها.
وقوة الإله لا تُظهر سوى الحقيقة، لذلك لم يشك جوزيبي يومًا في ما أراه إياه الوحي.
لكن عندما يتعلّق الأمر ببليندا… كان، في بعض الأحيان النادرة، يشكّ في القوة نفسها.
أن تبادر بإلباس طفلٍ حافي القدمين حذاءها فور أن وجدته في الزنزانة. أن تقلق على حياة الآخرين أكثر من حياتها.
وقبل كل شيء…
“أنا من طعنت قلب المخلوق السحري.”
ذلك الكذب.
ما إن تحقق من زاوية الطعنة حتى أدرك فورًا أنها ضربة وُجّهت من ارتفاع عينَي طفل.
أي أن من قتل المخلوق لم يكن بليندا… بل ليو.
ومع ذلك، احتضنت بليندا طفلًا قد يتحوّل إلى مخلوقٍ سحري في أي لحظة، وحمته، وادّعت بنفسها أنها القاتلة.
ظلّ جوزيبي غارقًا في التفكير فيها، حتى رفع دون وعي الكأس الموضوعة أمامه إلى شفتيه.
انتشر في فمه عبق الشاي الذي كانت تشربه بليندا في كل مقابلة.
وكأنها لا تزال هنا.
دون أن يشعر، نظر إلى المقعد المقابل الفارغ… ثم هزّ رأسه نافيًا.
***
حين خرجتُ، تاركةً جوزيبي خلفي.
كانت أوفيليا تقف أمامي، مترددة، كأنها كانت تنتظرني.
“سيدتي الماركيزة… هل انتهت المقابلة؟”
كانت هذه أول مرة أراها وجهًا لوجه منذ أسبوعين، بعد أن ظلت تتجنبني طوال تلك المدة.
تنحنحت أوفيليا بخفة، ثم مدت إليّ كيسًا ورقيًا بحذر.
“خبزتُ بعض الكعك، تذكرتُ أن ليو يحب نكهة الليمون، فحضّرت الكثير من المادلين بالليمون.”
ما إن أمسكت بالكيس حتى فاح منه عبق دافئ شهي.
تابعت أوفيليا، وملامحها كئيبة:
“لم أستطع أن أشكركِ كما ينبغي ذلك اليوم… شكرًا لكِ على ما حدث في الزنزانة، وأنا… آسفة لأنني لم أستطع حمايتكِ كما يجب.”
ربما كانت لا تزال تؤنب نفسها لأن تعويذتها انهارت تحت تأثير أغنية السايرين.
نظرتُ إليها بصمتٍ لحظة، ثم قلت:
“أوفيليا… هل أنتِ راضية عن حياتكِ في المعبد؟”
في الحقيقة، أنا أيضًا لم أستطع تجاوز ما حدث في الزنزانة.
ليس من الصعب التحرر من كوابيس ‘أنشودة الموت’ للسايرين. يكفي أن تستدعي ذكرى سعيدة.
وقد أوصاني جوزيبي بذلك مرارًا.
لكن أوفيليا لم تستيقظ من كابوسها.
وكأنها لم تعرف السعادة يومًا.
لا أعلم أي كابوسٍ ذاك الذي يسحقها بهذا الشكل… لكن لا بدّ أنه فظيع لدرجة تجعلها تتمنى الموت.
ترددت أوفيليا قليلًا، ثم أجابت:
“قبل أن آتي إلى العاصمة، كان الطريق الوحيد أمامي هو الزواج من رجلٍ لا أعرفه، وبناء أسرة، كنت أكره ذلك أكثر من الموت، ولهذا… همم… هربتُ من المنزل وجئتُ إلى الإمبراطورية، كنتُ حرة، نعم، لكنني شعرتُ أنني تائهة.”
كنت أعرف كم من الألم تخفيه كلماتها العابرة. فقد تحريتُ عن ماضيها دون إذنها.
“القوة التي حصلتُ عليها كانت صدفة، لكن أيامي الآن مليئة بالمعنى، أن أستطيع إنقاذ الناس بقدرتي… هذا وحده يجعل كل يومٍ جديرًا بالعيش، كيف أقولها… أشعر وكأنني وجدتُ أخيرًا هدف حياتي.”
كنتُ أشعر بالذنب وأنا أشك فيها، لأن صدق مشاعرها تجاهي كان واضحًا إلى حدٍّ لا يمكن إنكاره.
وكان الأسبوعان الماضيان كافيين لأدرك أي نوعٍ من الأشخاص هي.
لا شك أن لديها سرًا.
لكن لم يكن لي الحق في نبشه.
بعد أن رأيتها تقف أمامي بجسدها دون اي حماية، دون تفكير، لتحميني عندما هاجمني المخلوق السحري.
“أوفيليا… أو لا، هل ينبغي أن أناديكِ الآن بالقديسة؟”
“أرجوكِ لا تفعلي، عندما تنادينني هكذا أشعر وكأن المسافة بيننا اتسعت… وهذا يحزنني.”
التعليقات لهذا الفصل " 155"