يمكن قياس درجة خطورة أي زنزانة من خلال الفارق الزمني بين العالم الواقعي والزمن بداخلها.
فكلما اشتدّت كثافة المانا المظلمة في الزنزانة، ازدادت شراسة الوحوش القاطنة فيها، وتباطأ تدفّق الزمن مقارنةً بالواقع.
ولهذا، كان بين المستكشفين تُروى حكاية أقرب إلى الأسطورة: عن مستكشف دخل زنزانةً، وظُنّ أنه مات، ثم عاد بعد عشر سنواتٍ كاملة… من دون أن يكون قد شاخ يومًا واحدًا.
وبالاستناد إلى هذا المعيار، فإن ‘الممرات المائية الجوفية التي ينساب فيها نشيد السايرين’ ليست زنزانةً عصيّة على الإتمام.
فالمانا فيها ضئيلة إلى حدّ يكاد لا يُذكر معه أي فراق زمني عن الواقع، كما أن الوحوش التي تسكنها ليست سوى سايرين وديعة نسبيًا، لا تمتلك سوى قدرة على الإغواء والتشويش.
ومع ذلك، فإن وجودًا واحدًا فقط، الوحش الملعون، حوّل زنزانة المعبد الاصطناعية إلى مكانٍ يفوق غيره خطرًا.
قال جوزيبي بصوتٍ هادئ:
“إذا قُتل الوحش الملعون، سَتُحلّ لعنةٌ بالقاتل، فيتحوّل هو نفسه إلى وحشٍ ملعون، لذلك، عند مواجهته، عليكم أن تحذروا كي لا تتوجّه نواياه الشريرة إليكم”
وخلال بحثنا في الممرات الجوفية عن الأطفال، أخذ جوزيبي يشرح لنا طرق التعامل مع هذا الكائن.
“إمّا أن يُقتل قبل أن يدرك موته، أو يُقضى عليه باستغلال التضاريس، أو يُضعف أثر لعنته بحاجزٍ مقدّس قبل الإجهاز عليه.”
كان يشرح الأمر بنبرةٍ رتيبة، لكن أياً من تلك الطرق لم يكن سهلًا.
تيري، التي كانت تسير خلفي بصمت، سألت فجأة:
“لكن… كيف وُجد وحشٌ ملعون شرير في سراديب معبدٍ مقدّس؟ آه، لست أسخر يا سيدي الكاهن، فلا تسيء الفهم.”
رغم أن عبارتها الأخيرة جعلت كلامها يبدو ساخرًا بوضوح، إلا أن جوزيبي لم يتهرّب من الإجابة.
اتّضح أن كل ما حدث كان نتيجة حماقة رئيس الكهنة الأعظم السابق.
فالمعبد الأعظم كان يرسل كل شتاء كهنةً رفيعي المستوى لمساندة حملات القضاء على الوحوش في الشمال، وكان أحدهم قد أُصيب بلعنة الوحش، لكنه أخفاها وعاد إلى العاصمة.
ومع مرور الوقت، اشتدّت اللعنة، فتحوّل الكاهن نفسه إلى وحشٍ ملعون.
والمشكلة أن ذلك الرئيس الأعظم لم يحاول حلّ الأمر، بل سجن الكاهن، الذي كان يومًا من مرؤوسيه، في زنزانةٍ اصطناعية بلا تردّد.
لعلّه أراد أن يموت الوحش جوعًا في الممرات الجوفية، من دون أن تتلطّخ يداه بالدم.
لكن الوحش، الذي كان يومًا كاهنًا، نجا بعناد، مقتاتًا على وحوش الزنزانة الأخرى.
قال جوزيبي بنبرةٍ امتزج فيها الاعتذار بالأسف:
“قد لا يكون هذا سوى عذرٍ متأخر، لكننا كنّا نعتزم القضاء عليه خلال هذا الأسبوع، وإذا انتهى الأمر بسلام، فستقدّم الإمبراطورية المقدّسة، باسمها الرسمي، اعتذارًا وتعويضًا يليقان بما حدث.”
من دون وعي، عضضت باطن فمي.
كنت أتساءل لماذا ظهر وحشٌ ملعون لم يرد ذكره أصلًا في هيرومي.
صحيح أن الطريق المؤدي إلى ‘الممرات المائية الجوفية التي ينساب فيها نشيد السايرين’ كان أسهل قليلًا من المسار النظامي، لكنه يتطلّب شروطًا خاصة لاستخدام الممرات الجانبية.
ختم “النجم البطل” ، وقوةً مقدّسة لا تقل عن مئة.
في اللعبة، لم يكن البطل في هذه المرحلة قادرًا حتى على بلوغ قوة مقدّسة بمقدار مئة، ناهيك عن امتلاك علاقات تسمح له بدخول المعبد الأعظم.
لكن كل شيء انقلب رأسًا على عقب منذ أن أصبحتُ الوصية الرسمية لليو.
وإذا كانت هذه هي النتيجة…
كنتُ ساذجة أكثر مما ينبغي، لم يكن عليّ أن أظن أن كل ما عرفته من هيرومي هو كل الحقيقة، كان يجب أن أبحث أكثر، أن أتقصّى التفاصيل.
بما أن تبنّي ليو الرسمي غيّر مسار اللعبة، فلا بد أن أمورًا أخرى قد تغيّرت أيضًا.
كما حدث حين أتمّت أوفيليا، بالمصادفة، مهمة “آثار القديسة البيضاء”.
ألقيت نظرةً جانبية على أوفيليا، التي كانت تسير في آخر الصف.
كانت قد تقدّمت بشجاعة، لكن توترها الآن كان واضحًا؛ شفاهها تتحرّك بتمتمة أدعيةٍ خافتة، وجسدها مشدود، مستعدةً لنشر حاجزٍ مقدّس في أي لحظة.
كانت قد انضمّت إلى هذا الاستكشاف الخطير بدافع الطيبة والقلق لا غير، ومع ذلك، راودني شعورٌ ثقيل بالذنب، وكأنني أرتاب في تلك المصادفة البريئة.
التعليقات لهذا الفصل " 153"