الحلقة مئة و اثنان وخمسون.
على غير ما رسمه إيان في ذهنه من خريطة، اندفع الأطفال يركضون إلى الأمام بلا تروٍّ، كأنما لم يعد في العالم سوى طريق واحد لا يُلتفت عنه.
لم يكن لديهم متّسع للنظر خلفهم أو لتفحّص المسارات.
فلو أبطأوا ولو خطوة يسيرة، لأطبق عليهم ذلك الشيء ومزّقهم بلا رحمة.
ذلك الحدس الغريزي، الذي لا يحتاج إلى تفكير، هو ما ساقهم في النهاية إلى طريقٍ مسدود.
“اللعنة…”
همهمة أسيلي الخافتة ابتلعتها هدير المياه المنهمرة.
كانت أمامهم فسحة دائرية شاسعة، بسقفٍ مرتفعٍ حدّ الدوار.
ومن جدرانها الأربعة انهمرت شلالات هادرة، تصبّ في مجرى يطوّق الساحة، مولّدة ضجيجًا يصمّ الآذان.
وكأنهم اتفقوا دون كلام، التصق الثلاثة بظهورهم في وسط الساحة، يلهثون، يلتقطون أنفاسهم المحترقة.
قفز حيوان ليو المُرسَل على رأس سيّده، وأطلق نورًا ساطعًا، لكن،
لم يظهر للوحش أثر، لا في الضوء، ولا في الظلال.
كان إيان، المنهك أكثر من غيره، قابضًا على صدره وهو يلهث.
قلبه يخفق بعنفٍ حتى خُيّل إليه أنه سيكسر أضلاعه ويقفز خارج جسده.
“ه-هل… أفلتنا منه؟”
لم يحتمل ضغط الرعب أكثر، وما إن فتح فمه بالكلمات حتى…
من وراء الحدّ الفاصل بين الضوء والظلمة، انقضّت ذراعٌ طويلة كالسوط، وخطفت كاحل إيان في لحظة واحدة.
“آآآآه!”
“لا!”
“إيان!”
مدّ الطفلان أيديهما نحوه، لكن أصابعهما لم تمسك إلا الفراغ، بفارق أنفاس.
دفع ليو حيوانه المُرسَل إلى الأمام على عجل، فشقّ الضوء ستار العتمة.
‘هناك..!’
كان الوحش القبيح، بذراعين طويلتين كقصبة صيد، يمسك إيان مقلوبًا رأسًا على عقب، متفحّصًا فريسته بعينين نصف مغمضتين.
“أيها القبيح!”
اندفع أسيلي نحوه، ولوّح بالمِجداف الذي ظلّ ممسكًا به حتى تلك اللحظة.
طنغ!
دوّى صوت كأنما ضُربت صفيحة فولاذية، ثم انشطر المجداف نصفين.
“لِمَ رأسك أصلب من الحديد هكذا؟!”
لم يتأثّر الوحش.
تناوب نظره بين أسيلي وإيان المتخبّط، ثم انشقّ فمه بابتسامة ملتوية مقزّزة.
“كِررر… كِررر!”
مع ذلك الصوت، شعر ليو بأن الدم تجمّد في عروقه.
إن لم يكن مخطئًا… فذلك—
“كِررررر!”
كان… ضحكًا.
ضحكًا مشبعًا بشرٍّ مقرف لا يوصف.
أمسك الوحش إيان بكلتا يديه، وبدأ يضغطه ببطء، كما لو كان يسحق ثمرة ناضجة.
“غخ…”
خرج من إيان أنينٌ مكتوم، بلا صراخ، بلا قدرة على المقاومة.
ومع ذلك، لم تكن عينا الوحش عليه، بل ظلّ يراقب أسيلي وليو، كأنه يستمتع بردود فعلهما.
“اتركه! أيها المجنون! المجنون! أرجوك، دع إيان!”
راح أسيلي يضرب ساقي الوحش بالمجداف المكسور ضربًا أعمى، حتى نزف كفّه من شدّة القبض عليه.
أما ليو، فتلفّت حوله بذعر.
كان عليه أن يفعل شيئًا… أيّ شيء.
حتى رسم دائرة سحرية، أي دائرة، لكن رأسه كان أبيضَ خاليًا، لا فكرة واحدة تستجيب.
دائرة الضوء… لا، دائرة النار لو…
وبيدٍ ترتجف، أخرج بصعوبة قلم الطقوس من جيبه الداخلي.
في تلك اللحظة…!
“ليـ…ـو… أسيـ…لي…”
ضغط إيان الكلمات من صدره ضغطًا، وقد احمرّ وجهه اختناقًا.
تسمّرت أنظار ليو وأسيلي عليه.
لم يعد قادرًا على الصوت؛ اكتفى بتحريك شفتيه.
“اهربا.”
في تلك اللحظة، تباطأ عالم ليو حتى كاد يتوقّف.
فات الأوان، لا حلّ.
إيان سيموت هنا، بين يدي هذا الوحش.
وحين أدرك تلك الحقيقة، انطبعت دائرة النار في ذهن ليو، كأن حديدًا محمّى كُوي به دماغه الخاوي.
ولإخراجها إلى الواقع، لم يعد بحاجة حتى إلى قلم الطقوس.
ما احتاجه كان… رغبة حارقة، وقوة سحرية خالصة.
تلونت عينا ليو الزرقاوان بلونٍ ذهبي داكن، لم يسبق له مثيل.
تشقق.
وفي اللحظة التي تصدّع فيها الحجر السحري على هيئة فراشة الذي كان يحوم بقربه، ارتفعت تحت قدمي الوحش دائرة نارية عملاقة.
“أيها الوغد المقزّز!”
“اترك إيان!”
فتح إيان، الذي كان قد أغمض عينيه كالميّت، جفنيه على الصوت، وتمتم بسخرية واهنة:
“أصبحت قردًا فعلا…”
ارتسمت أخيرًا على شفتيه ابتسامة استهزاء مألوفة، لكن لم يكن وقت الاطمئنان بعد.
“غغغغ!”
قفز الوحش إلى المجرى المائي وأطفأ النار الملتصقة بجسده، ثم خرج بوجه أشدّ شراسة، وعينين تلمعان بالقتل في الظلام.
أسرع أسيلي وليو بإسناد إيان، واندفعوا نحو المدخل ركضًا.
كان عليهم أن يبتعدوا عن الطريق المسدود، وأن يضيّعوا ذلك الشيء.
عندها فقط… قد ينجون.
كان إيان يُجرّ نصف جرّ، لا يقوى على المشي، لكنه فتح فمه بصعوبة:
“لدي… فكرة… جيدة.”
“قلها، أيّ شيء!”
“لنُفكّر… بفعالية، البقاء للأقوى، إن تركتموني… سأكسب لكم بعض الوقت…”
توقّف، لا بسبب الألم في أضلاعه، بل لأن أسيلي ضربه بقوة على مؤخرة رأسه.
“أيها الأحمق! تتباهى دائمًا بذكائك، وعندما يحين وقت الجدّ تقول هراء! فعالية؟ بقاء للأقوى؟ ما هذا الهراء!”
“كيف يكون تركك فعّالًا؟ مرفوض! مرفوض! مرفوض!”
قلّد ليو دون وعي كلمات بليندا التي كان يسمعها من خلف باب قاعة الاجتماعات، ودفع ما تبقّى لديه من سحر في الحيوان الرسول.
لكن نور ابن عرس الأبيض الذي ينير طريقهم أخذ يخبو شيئًا فشيئًا.
الطاقة السحرية قاربت على النفاد.
في عيني إيان، بدا ذلك كأملٍ ينطفئ… ومع ذلك، ضحك.
“حمقى… لأنني أمشي معكم، اصبحتُ أحمقًا مثلكم.”
وفي اللحظة التي تلاشى فيها الحيوان الرسول تمامًا، وغرقت أعينهم في ظلامٍ دامس..
وصلهم صوت أنفاس الوحش، كأنه يسخر منهم.
ومع ذلك، لم يُرخِ ليو ولا أسيلي قبضتهما عن إيان.
تقدم…تقدم…
اقتربت خطوات الوحش المبتلّة، حتى شعروا بأنفاسه الكريهة عند أعناقهم.
وفجأة—
شراخ!
وميضٌ كعيون وحشٍ حمراء شقّ الظلام، وانقضّ متجاوزًا الأطفال، مباشرةً نحو الوحش.
“كِيــــغ!”
دوّى عواء الوحش، فتوترت أجساد الأطفال.
“م-ما كان هذا؟!”
“ما الذي هاجمه؟!”
لم يرَ أسيلي وإيان سوى ظلام دامس… وعشرات العيون الحمراء.
وحده ليو عرف ما الذي وقف أمامهم.
“السيدة بليندا…؟”
وكأنها تجيب صوته، انبثق من بعيد نورٌ ساطع، كفجرٍ يولد، وانتشر صوتٌ نقيّ كترتيلٍ مقدّس، يلتهم الظلام.
“احفظ عبدك الذي يقف في وجه الشر.”
حملت دعوة أوفيليا القصيرة قوةً إلهية، واحتضنت الأطفال بهدوء.
وبينما لم يستوعبوا الضوء المفاجئ بعد، كانت بليندا قد بدأت تنفيذ خطتها.
“تيري، لا تقتليه تمامًا.”
“نعم، يا سيّدتي.”
“كير، روبي، بيرو… ساعدوا تيري.”
“هوو!” “هاو!” “كغغ!”
كان أسيلي أول من استعاد بصره، فحدّق بلا وعي في أثر تيري التي اندفعت كرمحٍ من نور خلف الحاجز.
في الأثناء، أجلس جوزيبي إيان برفق، وراح يفحصه بدقة.
لم تكن الإصابة قاتلة، لكن أضلاعه متشققة.
وضعت يد جوزيبي المشبعة بالقداسة على جبهة إيان.
بلا تراتيل، بلا كلمات—
تدفّقت الطاقة الإلهية، ولامست جسد الطفل بلطف.
ثم وضع يده على عينيه وهمس، كمن يهدّئه:
“لقد أحسنت، نم قليلًا، وعندما تستيقظ، سيكون كل شيء قد انتهى.”
“لكن…”
“اترك ما بعد هذا للكبار، سنعيد أصدقاءك سالمين إلى السطح.”
عندها فقط، استسلم إيان للنوم تمامًا.
“السيدة بليندا…”
لم يبتلع ليو ريقه إلا بعد أن تأكّد من سلامة إيان، ثم واجه بليندا، التي كان تعبيرها أشدّ رهبة من أي وحش.
لكن ما أرعبه حقًا… كان تنهيدتها.
لا شيء أخاف ليو أكثر من خيبة أمل بليندا.
تأمّلت الأطفال الثلاثة، وقد غمر التعقيد ملامحها:
إيان النائم،
أسيلي المنغمس في متابعة قتال تيري،
وأخيرًا ليو، بمظهره البائس.
تقدّمت نحوه بخطوات حازمة.
“ليو.”
“ن-نعم.”
كانت تتمنى أن يكبر مثل أي طفل، يخطئ، يدلل نفسه، يعيش عاديًا.
لكن هذا… أكبر من اللازم.
تنهدت مجددًا، ثم ركعت أمامه.
“وأين رميت حذاءك حتى تصبح بهذا الشكل؟”
مسحت الطين عن قدميه بيديها، ثم ألبسته حذاءها.
“هل أصبتَ في أي مكان؟”
“أ-أنا آسف…”
“…ليو، أهذا كل ما تريد قوله لي؟”
كان ينظر إلى الحذاء في قدميه، ورأسه مطأطأ، حين تجمّعت الدموع في عينيه.
“ك-كنت خائفًا…”
“ظننتُ أن إيان سيموت… وأنني لن أراكِ مجددًا… س-سيّدتي بليندا، كنت خائفًا جدًا…”
احتضنته بليندا، وربتت على ظهره المرتجف بين الخوف والارتياح.
“لقد تعبتَ كثيرًا، يا كستنائي الصغير شكرًا لأنك صمدت.”
“هغغ…”
“لكن اعلم… حين نعود إلى البيت، ستُعاقب عقابًا قاسيًا.”
“ن-نعم…”
وبينما كانت تواسيه، لاحظت نظرات جوزيبي المثبّتة عليها، فعبست.
ما الذي تنظر إليه؟
أشارت له بفمها بحدّة، لكنه ظلّ يراقبها لحظة أطول، قبل أن يعود أخيرًا للمشاركة في صيد الوحش.
التعليقات لهذا الفصل " 152"