انزلق القارب الصغير، حاملاً الأطفال الثلاثة، عبر شبكةٍ من القنوات المائية المتداخلة كخيوط صوفٍ متشابكة، يتقدّم بحذرٍ شديد، وكأنّه يختبر كل مسار قبل أن يسلّم نفسه له.
وحين انكشفت أمامهم ثلاثة مفترقات، رفعليو يده بإشارةٍ متفقٍ عليها، فتوقّف القارب فورًا، بعدما ثبّت أسيلي، الجالس عند المؤخرة، المجداف وسكن به الماء.
مفترقٌ لا يُرى ما وراءه، ظلامٌ كثيف كأنّه ابتلع الطرق جميعها
جمع ليو كفّيه، وقرّبهما من فمه، ثم نفخ فيهما نفسًا قصيرًا: “هوو…”
تحوّل زفير الطفل إلى ابن عرسٍ أبيض، لا يتجاوز حجمه راحة اليد، فاندفع يركض فوق الفراغ، كأنه يطأ الهواء نفسه، متجهًا بقوة نحو الطريق الأول.
ثم أرسل ليو أرواحًا رسولية مماثلة إلى بقية المفترقات، يستكشف بها المسارات، قبل أن يمسح العرق المتجمّع على جبينه وينقل ما توصّل إليه إلى إيان.
قال وهو يلهث قليلًا:
“الطريق الأول مسدود، أمّا الثاني والثالث ففي كلٍ منهما مفترق آخر، إلى أيّهما نتجه؟”
مرّ ساعتان كاملتان منذ بدأ الأطفال يتخبّطون في هذه القنوات الجوفية.
كانت خريطة إيان الذهنية، التي لم تكن في البداية سوى صفحة بيضاء، قد تحوّلت الآن إلى مجسّم ثلاثي الأبعاد معقّد، تتشابك فيه المسارات بدقّة مدهشة.
قال بلا تردّد:
“إلى الطريق الثاني.”
امتثل أسيلي فورًا، فحرّك الدفّة، وانزلق القارب نحو المسار الثاني.
“يسار.”
“الطريق الثالث يتصل بالممر الذي عبرناه قبل قليل، إذن نأخذ الثاني.”
“آه، تبًّا… يبدو أننا أخطأنا، كان يجب أن نذهب يمينًا آنذاك، علينا أن ندير القارب.”
ومع الوقت، وبعد أن اعتادوا تقسيم الأدوار والتعامل مع هذا المتاهة المائية، بدأ يتسلّل إليهم شيء من الفراغ الذهني، ما أتاح لإيان أن يهمس لنفسه، وكأنه يحدّث أفكاره:
“لماذا لا يظهر أي وحش؟”
كان هذا السؤال يراوده منذ فترة.
فمثل هذا المتاهة المعقّدة لا تكفي وحدها لحماية أثرٍ مقدّس. كان من المفترض، منطقيًا، أن تخرج المخلوقات المعادية منذ زمن لتعطيل مسيرهم.
غير أن السكون المحيط بهم كان غريبًا على نحوٍ مريب… سكونًا يبعث القلق في النفس.
تفقّد إيان ليو، الذي بدا عليه الإرهاق أكثر من ذي قبل، ثم التفت إلى أسيلي في الخلف وهمس بصوتٍ منخفض:
“أسيلي، إذا لاحظت أي شيء مريب… أخبرنا فورًا.”
لم يكن إيان خبيرًا بالسحر، لكنه كان يدرك بسهولة أن الاستمرار في استدعاء الأرواح الرسولية يستنزف قدرًا غير هيّن من الطاقة السحرية.
ولهذا، بدلًا من تكليف ليو المنهمك في المقدّمة، أوكل مهمة المراقبة الخلفية إلى أسيلي.
“أسيلي؟”
لم يأتِه رد.
وحين فكّر بالأمر، أدرك أن أسيلي ، الذي لا يكفّ عادةً عن الكلام ، كان صامتًا منذ فترة.
“أسيلي!”
استدار إيان على عجل، فرأى أسيلي وقد شحب وجهه حتى صار أزرقَ قاتمًا، كأن الدم قد فرّ منه.
“ما بك؟ هل حدث شيء؟”
سمع ليو صوت إيان، فتقدّم نحو مؤخرة القارب، وعلى كتفه إحدى الأرواح الرسولية.
أما أسيلي، الذي ظلّ طوال الوقت مطبقًا شفتيه ومحدّقًا إلى الأمام، فقد همس أخيرًا بصوتٍ واهن يكاد ينقطع:
التعليقات لهذا الفصل " 151"