“ماذا ستفعل بي الآن!؟ ، أنا هشّ كزجاجٍ مصقول؛ رقيقٌ، لطيف…ومع ذلك تدفعني إلى زنزانة كهذه؟ أما كنتُ سوى عبءٍ يثقل كاهلك؟”
“زنزانة؟ أهذه تُسمّى زنزانة؟”
رد أسيلي، وكأنه لم يدرك حجم الخطر إلا الآن.
رغم أنه لطالما حلم باستكشاف زنزانة ما، إلا أنه لم يكن ساذجًا لِيجهل مخاطرها.
فالزنزانات، كما يُقال، مشبعة بطاقةٍ شريرة تتخلل هوائها، وتحتضن الوحوش في جنباتها.
“هل بدأت تدرك الوضع الآن؟ لو لم تمسكني وتُصرّ على البقاء، لكنت ذهبت لطلب المساعدة من الكبار!” هتف إيان بغضب.
إيان، الذي اعتاد الابتعاد خطوة عن الحشود، مراقبًا الأحداث بسخرية باردة، لم يستطع هذه المرة التحكم بعقله.
الدخول إلى زنزانة بلا حماية كان أمرًا لم يجرؤ على تصوره حتى في أسوأ كوابيسه، لكنه اصبح حقيقة أمام عينيه.
حينئذ، عبس أسيلي بشدة، ودفع يد إيان بعنف.
“دائمًا ما تتصرف وكأن كل شيء لا يخصك، فكيف أعرف إن كنت ستطلب المساعدة حقًا؟ وأنت أول من حاول الهروب!” قال اسيلي بنبرة حادة.
“الهروب…؟ أأخرجت كل ما بقلبك الآن!؟”
رد ايان بذلك، وقد انتفخت كلمات الغضب والاشمئزاز بينهما كالبالون قبل أن ينفجر.
وفي اللحظة التي كاد فيها كل منهما يوجه كلمة قاسية لتوجع الآخر، جاء صوت مفاجئ:
“يا رفاق، انظروا هناك!”
انطلقت من بينهما إبنة عصفورٍ صغير تنبعث منها أشعة بيضاء، تقطع المسافة بخفة وتسرع إلى الأمام.
على كف ليو، ظهر الطائر الرسول، مضيئًا بخفة خافتة، يسلط ضوءه على الطريق المظلم الذي أمامهم.
تجمد إيان وأسيلي عن التنازع، مسحورين بالمشهد أمامهما.
المشهد كان كمدينة قديمة منسية تحت الأرض، شبكة أنفاق ضيقة كأنها أعشاش نمل تمتد في كل الاتجاهات، رائعة ومهيبة.
تقدم ليو، ممسكًا بيد كل من إيان وأسيلي، نحو قارب صغير موضوع عند بداية القناة.
على الرغم من أنها كانت مرة واحدة ، إلا أن ليو تعلم الكثير حين دخل زنزانة السلايم مع سيزار.
أول درس كان: عند دخول أي زنزانة، يجب أولًا معرفة طبيعتها.
هل هي طبيعية، أم تحتاج شروطًا خاصة لتجاوزها؟ وإذا كانت مصنوعة بشريًا، فما الهدف من صنعها؟
وبصوت هادئ، بدأ ليو يشرح مستندًا لتعليمات سيزار:
“من وجود منشآت صناعية هنا، يبدو أن هذه الزنزانة مصنوعة على يد بشرية ، ربما، كما قال أسيلي، وُجدت لحماية شيء ثمين، إذًا من المحتمل ألا تكون زنزانة مميتة.”
“لماذا؟…”
أجاب إيان، متابعًا تفكير ليو.
“لأن هناك سجلات عن القنوات تحت الأرض.”
“لو كانت زنزانة خطيرة حقًا، لما بقي عليها أي دليل حي، لكانت مجرد أساطير تقول ‘لم ينجُ أحد منها أبدًا’ وايضا وجود الشائعات حول القنوات يعني أن من دخلها وعاد حيًا كشف شيئًا عنها، وليس سرًا عظيمًا يمكن أن يثير اهتمام النبلاء.”
“حتى لو لم يجدوا الكنز، وجود من نجى يكفي ليتحدثوا عن القنوات…”
“هذا يعني أن هناك طريقة للخروج من الزنزانة حتى دون العثور على الكنز، أليس كذلك؟”
سأل أسيلي بدهشة، واقفًا مشوشًا بينهما.
توجهت عيونهم جميعًا نحو القارب، فقد وُضع هنا لسبب.
لا بد أنه جزء ضروري لعبور الزنزانة.
“لنركب القارب ونستكشف القنوات بحثًا عن المخرج ” قال ليو، وهو يصعد أولًا ويُمسك يد إيان ليصعد وراءه.
“سأقف في المقدمة وأضيء الطريق بالطائر المرسل، أسيلي، أمسك دفة القارب من الخلف”
“حسنًا، سأحفظ الطريق في ذاكرتي، أستطيع القيام بذلك” قال ايان.
بينما يضعان خطة، ظل أسيلي مترددًا، ثم همس:
“أنا… لا أريد ركوب القارب، سأتبعكم سباحةً.”
“لا تقل كلامًا سخيفًا، ابقى خلفي، فقد يخرج الوحش في أي لحظة ”
قال إيان، ومد يده إليه بسخرية معتادة.
تردد أسيلي قليلًا، ثم أمسك يد إيان وركب القارب.
بدأ القارب يتحرك ببطء على مجرى المياه، دون أن يحرك أحد المجداف، يبدو أن قوة خاصة قد جعلته يتحرك تلقائيًا.
جلسوا جميعًا، وارتفع الطائر المرسل على مقدمة القارب، شامخًا، يسلط الضوء على الطريق المظلم.
لم يقل شيئًا، لكن إرادته للنجاة كانت كالشعلة تنير الطريق أمامهم.
لكنهم لم يكونوا يعلمون أن شيئًا لا ينبغي له أن يكون هنا، مفترس، يراقبهم عن بعد، حتى من قِبل سيد الزنزانة نفسه، السايرين.
***
لحسن الحظ، لم يغفل جوزيبي عن اختفاء الأطفال في المعبد، ولم يكتفِ بالمشاهدة.
شكّل فورًا فريقًا للبحث، وسرعان ما اكتشف أن ليو ورفاقه سقطوا عبر ممر جانبي إلى الزنزانة الصناعية تحت الأرض.
“ذلك الممر يتطلب شروطًا خاصة لا يستطيع حتى رجال المعبد المرور بها… فلماذا…” همس أحدهم.
لكن الأهم الآن كان العثور على الأطفال.
” أن “قناة السايرين تحت الأرض” ليست بِـ زنزانة خطرة، فقد صُنعت لحماية الكنز، والسايرين الوحوش المغنّية تجعل المستكشفين يضيعون فقط بصوت أغنيتهم.”
“كما أن الزنزانة تطرد أي دخيل بعد خمس ساعات تلقائيًا.”
“إذاً لا داعي للقلق، لننتظر خمس ساعات فقط.”
بينما حاولت تهدئة نفسي، وصل خبرٌ حطم معنوياتي:
“سوف نرسل فريق البحث فورًا إلى الزنزانة، ولأن استكشاف المتاهة يتطلب ساحرًا، سنطلب المساعدة من برج السحر ونقابة المرتزقة، وسأشارك أنا أيضًا “
قال جوزيبي، متسرعًا بعض الشيء.
لم أستطع كبح شعوري بالريبة.
كان شعورًا بالامتنان لمبادرة جوزيبي في البحث عن ليو، لكنه كان مبالغًا فيه أن يقوم الكاهن الأعلى بنفسه بالتحرك بحثًا عن الأطفال المتوقع خروجهم بعد خمس ساعات، كأن هناك شيئًا يخفيه عني.
وصلت الإجابة من البرج والنقابة: لا يمكن إرسال ساحر إلى المعبد.
حينها أدركت ما لم يخبرني به جوزيبي.
“اخبرني الآن ماذا تُخفي؟”
تجاهلت النظرات الغاضبة من الكهنة المحيطين به، لم يعد هناك وقت الانصياع للقواعد.
“لقد ترك الكاهن الاعلى السابق وحشًا في الزنزانة، و للقضاء عليه بلا ضرر، احتاج قوة مقدسة كبيرة، ولم يمتلك تلك القوة، لذلك أراد إخفاءه” قال جوزيبي.
سقط قلبي إلى الحلق.
إذا كان هناك وحش، ليس مجرد وحش عادي، فلا يمكن الانتظار لخروج الأطفال بعد خمس ساعات. سيكون معجزة إذا نجوا.
تتبعت جوزيبي والكهنة إلى المدخل الرئيسي للقناة، وصرخت.
“سأذهب معكم!”
“سأعتبر أنني لم أسمع شيئًا.” رد جوزيبي.
لم أستسلم، وواصلت اللحاق بهم.
“حسنًا، سأتبعكم على طريقتي، تقدموا أمامي.” قلت بعزم.
“الماركيزة…” توقف جوزيبي ونظر إليّ.
ما زال هادئًا، لكني قرأت التعب في عينيه.
” أنتِ عائق، ماذا تستطيعين أن تفعلي؟.” قال.
ظنّ أنه بإمكانه إخافتي، فابتسمت:
“كنت تريد الساحر لِيُرشدكم في المتاهة، لذا سآخذ هذا الدور.”
ولأثبت كلامي، استدعيت كاو من الظل فورًا.
كاو يمكن أن يتكاثر بلا نهاية في الظلام، ويمكنني مشاركة رؤيتي معه، فلا أحد أفضل مني لاستكشاف المتاهة.
توقف جوزيبي للحظة، ثم أضاف تحذيرًا:
“لا أستطيع ضمان حياتك، وأولويتنا نحن والكهنة هي حياتنا، ليس حمايتك.”
ابتسمت ساخرة:
“حسنًا، إذًا لن يتدخل أحد بشأني.”
حين أدرك جوزيبي أن عنادي لا يُقهر، عبس لأول مرة.
يبدو أن قوة القديسة البيضاء التي ورثتها أوفيليا عظيمة، لذلك لم أكن الوحيدة التي شعرت بالتحفظ.
قبل أن يتحدث مجددًا، ظهرت تيري من خلفي فجأة:
“يمكنني المشاركة أيضًا، جئت مُدعمة بفريق يساعدني جيدًا.”
همسوا: “وول! منغ! كنج!” ردت الكلاب الثلاثة على نداء تيري.
ابتسمتُ لها، ووعدتها بمكافأة جديرة لهذا الشهر، ثم نظرت إلى جوزيبي:
“بهذا العدد، لن ينقص فريق البحث شيئًا.”
وهكذا، شُكل فريق البحث المثالي للعثور على ليو ورفاقه.
التعليقات لهذا الفصل " 150"