من وراء حجاب القداس الرقيق، بدا الوجه المموّه كزنبقةٍ بيضاء على ضفاف بحيرة مكلّلةٍ بضباب الماء؛ لا يزال نقيًّا، رائقًا، جميلًا كما كان دائمًا.
ومع ذلك، وجدت نفسي متوتّرة، وكأنني اُلقيت على طريقٍ مملوء بعشبٍ سام.
فالعلاقة بيننا لم تكن على ما يرام حين التقينا آخر مرة.
‘رجلٌ بمنصبه، يشغل موقع الكاهن الأعظم، ويُخفي هويته ليبارك الناس متخفّيًا بين الكهنة العاديين؟’
جوزيبي آريا سيرناديل.
كان ذلك منه تصرّفًا نبيلًا يليق برجلٍ لا يفرّق بين الناس على أساس المنصب أو الطبقة، ومع ذلك، كان من اللطيف لو أنه نبّهني مسبقًا!
حينها، التفت جوزيبي عني وكأنه لم يتعرّف إليّ، وأمال رأسه نحو ليو.
“شـش.”
رفع سبّابته إلى شفتيه بحركةٍ تشير إلى السرّ، فبادر ليو بتغطية فمه بكلتا يديه وهزّ رأسه بثقة كمن يقول ‘دع الأمر لي.’
ومن خلف الحجاب، ارتسمت على شفتي جوزيبي ابتسامةٌ وادعة لدرجةٍ لا تُحتمل من اللطف.
“فتًى صالح.”
وبمجرد أن لامست أنامله جبين ليو، ارتفع صوتٌ مألوف في ذهني:
[تمّت زيادة الطاقة المقدّسة للنجم البطل +10.] [ لقد تخطّت الطاقة المقدّسة حدودها القصوى، تمت زيادة القدرة الكلية للطاقة المقدسة.] [حلّت طاقة التسع مراتب الإلهية في النجم البطل، للتحقق من استخدامها، يرجى مراجعة مهمة “قبلة الإله”.]
لقد كانت بركته كجرعةٍ سماويةٍ فائقة المفعول، ترفع الطاقة المقدّسة دفعةً واحدة بعد ركودٍ طويل.
بعد ذلك، تلقّى إيان واسيلي أيضًا بركته بهدوء، وكانوا يهمّون بالانصراف حين سمعته يقول:
“أنتم، آل بلانش؟ أليس كذلك؟”
توقّفت في مكاني، وقد أمسك بكمّي، بنبرةٍ مهذّبةٍ كمن يخاطب شخصًا يراه لأول مرة.
“نعم… وماذا في الأمر؟”
“الكاهن الأعظم الجديد يتطلّع إلى لقائكم منذ مدة، ليقدّم شكره لعائلة بلانش على ما أبدته من إخلاصٍ وولاءٍ تجاه المعبد، هل نرافقكم إليه الآن؟”
كان يتحدّث إلينا كما لو كان كاهنًا عاديًّا، ومع ذلك أوصل بوضوحٍ مقصده الحقيقي بصفته الكاهن الأعظم.
تساءلت في نفسي: هل لا يزال يشكّ في أنني ساحرةٌ سوداء؟ إن كان كذلك، فلا بدّ من أن بيننا عقدةً لم تُحل بعد.
وبينما كنت أستجمع أفكاري، لمحت اسيلي الذي كان يبدو حتى اللحظة في قمة الملل، وقد أضاءت عيناه فجأة، لتشرع في نكز ليو وإيان وهمس بحماس:
“أنا موافق! تمامًا! في الحقيقة أنا مؤمن مخلص، وكنت دائمًا أريد أن أرى المعبد الكبير بنفسي!”
قال إيان متلعثمًا:
“أ-أنا أيضًا أودّ ذلك!”
“حسنًا، كما تشاؤون.”
تظاهرت بأنني استسلمت لرغبتهم، ثم سألت جوزيبي إن كان من الممكن اصطحاب الأطفال كضيوفٍ أيضًا.
“بالطبع، سأأمر بإعداد الشاي بما يناسب عددكم.”
بدا أنه مستعدٌّ تمامًا لاستقبالنا.
صحيح أن اللقاء لم يكن متوقّعًا، لكنني كنت مستعدة لمثل هذا الموقف منذ زمن.
من منبع كل شيء إلى أزياء فاخرةٍ لليو، وصولًا إلى أدواتٍ سحريةٍ ذات تأثيراتٍ عجيبةٍ لا يُعقل وجودها إلا في الألعاب.
غير أن المشكلة أن شراء تلك الأدوات يحتاج إلى عملةٍ تُسمّى “القطع”، والتي لا يمكن الحصول عليها هنا إلا كمكافأةٍ من المهام الجانبية.
من حسن الحظ أنني كنت أنجز المهمات الصغيرة بين الحين والآخر.
[مهمة] — “ما هو المكوّن السري في مطعم هادي؟” – منجزة
[مهمة] — “أنقذ قطة السيدة العجوز العالقة على الشجرة” – منجزة
[مهمة] —” إيجاد البرسيم رباعي الأوراق” – منجزة
من إنقاذ قطّةٍ ثلاثية الألوان علقت فوق الشجرة إلى العثور على المكوّن السري لحساء الطاهي الراحل، كانت المهام متواضعةً لكنها كافية لجمع قدرٍ معتبرٍ من القطع.
وهكذا استطعت شراء ما أردت بسهولة.
[عنصر] – [قلادة الثقة ] “كان هناك تاجرٌ نزيهٌ جعل من الصدق مبدأ حياته، حتى جمع ثروته بالثقة وحدها، إيمانه بالنزاهة بقي متجسّدًا في هذه القلادة.”
تأثيرها: عند ارتدائها تمنح الطرف الآخر ثقةً مطلقة أثناء الحديث. لكنها لا تجعل الكذب صدقًا. وتفقد مفعولها إن خُنّت الثقة.
الاسم الشعبي: قلادة المحتال!
علّقتها حول عنقي وأخفيتها تحت ملابسي، ثم واجهت جوزيبي بثبات.
كان قد استبدل ردائه الرمادي العادي بعباءةٍ بيضاء مطرّزة بخيوط فضية دقيقة تدلّ على رتبته العليا.
مجرد الثوب وحده لم يكن كافيًا لتفسير تلك الهيبة التي غمرت المكان، لكنّها لم تصدر عن الرداء، بل عن الرجل نفسه.
على غير ما أبداه قبل قليل من لطفٍ مع الأطفال، كان صوته الآن منخفضًا، ساكنًا، يحفّه ثقلٌ غامض.
ألقيت نظرةً عبر النافذة إلى ليو وأصدقائه المتجمّعين قرب جدار المعبد، ثم التفت إليه قائلةً بهدوء:
“قبلت دعوتك لأن هناك حديثًا لم يُستكمل بيننا.”
حرصت على مخاطبته بلقبه الرسمي:
“لا أعلم إن كنت قد رفعت الشكوك السابقة عني، لكنني لست ساحرةً سوداء، وقد أُغلِق هذا الملف رسميًا بحكم المحكمة المقدّسة.”
لكنّه قاطعني بهدوء:
“لم أدعُكِ لهذا الغرض، يا آنسة بلانش.”
ثم وجّه نظره نحو تيري التي كانت تقف خلفي، وكأنه يطلب إخراجها.
لكنني هززت رأسي بحزم.
“إنها موضع ثقة.”
قال بهدوءٍ متقبّل:
“كما تشائين.”
توقف لحظة كمن ينتقي كلماته بعناية، ثم قال:
“في بعض الأحيان، تولد بيننا نفوس لا تخضع لمشيئة القدر الذي رسمه الإله، أولئك يستطيعون مقاومة المصير نفسه، فيتحررون من القيود، ويُقال إنهم قادرون على رؤية المستقبل… أو تدمير القدر ذاته.”
شدّدت قبضتي على مقبض الفنجان دون وعي. ذلك الحديث… كان يصفني تمامًا.
ثم سألني بنظرةٍ فاحصةٍ عميقة:
“آنسة بلانش، هل تحملين ، أو لعلّك تعرفين ، ذكرياتٍ من عالمٍ آخر غير هذا العالم؟”
لمحتُ في سؤاله صدى حالي، كأنه يلمّح إلى حقيقتي نفسها.
“أودّ سؤالك بصفتي وكيلًا عن الإله، لكن لسوء الحظ، هناك من استعمل ضدك بالفعل ثلاث اسئلة من عين الحقيقة ، لذا لا يمكنني استخدام أي وسيلةٍ أخرى لمعرفة الحقيقة.”
تردّدت وأنا أنظر إلى تيري.
تشير أقوال تشاشر إلى أن تجسّدي في جسد بليندا مرتبطٌ بالسحر الأسود، ومع ذلك لم أجد بعد أي دليلٍ أو شرطٍ يفسّر سبب حدوثه.
ربما لو صارحت جوزيبي بالحقيقة، لوجدت خيطًا يقود إلى سبب تجسّدي هذا…
لكن—
هل يمكن الوثوق به فعلًا؟
لا يمكن التنبّؤ بردّ فعله إن علم، لذا بدلاً من الإجابة، سألته أنا:
“هل البحث عن هؤلاء الذين لا يخضعون لمشيئة الإله أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة إليك، يا سعادة الكاهن الأعظم؟”
“نعم، بالغ الأهمية.”
“ومن يدري؟ لعلّك تبحث عنهم لتُقيم عليهم حكم الإعدام، لا لحمايتهم.”
أجاب بنبرةٍ عميقةٍ أقرب إلى القسم: “أعدك باسم الإله أنني لن أؤذيهم، بل سأحميهم.”
ربما كانت مجرد كلماتٍ لا أكثر، وربما فخًا خفيًّا. لكن صوته حمل صدقًا مؤلمًا، جعلني أريد تصديقه دون وعي، رغم أن قلادة الثقة كانت حول عنقي أنا، لا حول عنقه.
“أنا…”
كنت على وشك الحديث حين—
طَرقٌ سريع على الباب.
انفتح الباب، ودخل شخصٌ مألوف الملامح وهو يقول بمرحٍ متعجّب:
“سمعت أن الآنسة بلانش تزور المعبد… يا للعجب، إنها حقًا الآنسة بلانش!”
لم أُدرك في البداية سبب وجودها هنا بقدر ما استوقفني ثوبها الأبيض المزدان بشعار الكهنة الكبار.
أوفيليا التي كان من المفترض أن تجوب شمال البلاد الآن… كيف اصبحت في المعبد؟ وفي هذا الزي تحديدًا؟
أمسكت يدي بفرحٍ غامر، والدموع تترقرق في عينيها.
“كنت أظن أن الكاهن ماك قد أخطأ حين أخبرنا بقدومك، لكن رؤيتك هكذا… يا للفرح! لا أعلم من أين أبدأ! لو أخبرتك بما حدث لي، لما صدّقتِ أبدًا! يا آنسة، أنا—”
قاطعها جوزيبي بهدوءٍ جليل
: “أليست هذه ساعة تلاوة الصلوات يا سيّدة النور؟”
هتفت وهي تضحك بخجلٍ طفولي:
“أوه، نعم! صدقًا، لقد أصبحتُ سيّدة النور! لكنّي لم أهرب من الصلاة عمدًا، فقط سمعت أن هناك زائرةً عزيزة، فأردت الترحيب بها بنفسي…”
كانت تثرثر في حماسةٍ وهي تتوجه بالاعتذار إلى جوزيبي، بينما كنت أنا لا أزال مصدومة.
“سيّدة… النور؟!”
ثم وقعت عيناي على بروشٍ بسيطٍ يزيّن صدر ثوبها: زهرةُ إكليلٍ من الروزمارين.
تجمّدت أنفاسي. ذلك البروش لم يكن عاديًا، بل هو بالضبط الرمز المقدّس لسيّدة النور البيضاء، المحفوظ في معبد القرية التي انهار فيها الجبل.
التعليقات لهذا الفصل " 148"