في الجناح الغربي من القصر، عند ساحة التدريب الصغيرة التي شيّدتها بليندا خصيصًا من أجل ليو، بدا على وجه أسيلي حين وصل مزيج من الخيبة والاستياء.
كانت الساحة مثالية من حيث الشكل، أرض مستوية ممهدة، سقف يقي من المطر، ونافورة صغيرة لتبريد الجسد بعد التمرين… لكنها خلت تمامًا من الفرسان.
لم يكن هناك أحد يتدرّب.
قال أسيلي وهو يتفحّص المكان بانزعاج:
“ما هذا؟ ألا يوجد في منزلكم فرسان؟”
أجاب ليو ببساطة، وهو يهز كتفيه:
“لا، لا نملك سوى الفارس الذي يعلّمني فنّ السيف.”
رمق أسيلي المكان بعينين متململتين وقد بدت عليه خيبة الرجاء.
بيت هيريوس، حاكم البحار الجنوبية والمدافع عن مياه المملكة، كان جيشه عظيم الشهرة والسطوة. أما بيت بلانش، فعلى وفرة ثروته، فهو من نبلاء العاصمة ولا يملك أراضيَ تابعة له، أي لا حاجة له بجيشٍ يحرس أو يدير الإقطاعيات.
لذا اقتصر الأمر على بضع خدمٍ مسلحين يكفون لحراسة القصر، دون فرقة فرسانٍ دائمة تستهلك مالًا هائلًا في صيانتها.
وهكذا، ما لبث أسيلي أن فقد اهتمامه بساحة التدريب الخالية، فاتجه نحو ركنٍ ووقف يتأمل صفًا من السيوف الخشبية المرتّبة بعناية، ثم حكّ وجنته بخجل خفيف وقال متلعثمًا:
“بالمناسبة… إنها حقًا جميلة… أقصد، حقًا جميلة جدًا.”
لم يكن ليو بحاجة ليسأله عن المقصودة من كلامه، فقد بدا واضحًا. فما كان منه إلا أن انتفخ فخرًا، كأن الإطراء موجّه إليه شخصيًا.
“صحيح! السيدة بليندا أجمل امرأة في العالم!”
لكن أسيلي رفع حاجبيه وقال بارتباك:
“ها؟ لا أقصد السيدة المركيزة، بل تلك التي كانت خلفها.”
“خلف السيدة بليندا؟”
أدار ليو عينيه متذكرًا، ثم فتحهما على اتساعهما وسأل:
“أتعني السيدة تيري؟”
“أوه، إذًا اسمها السيدة تيري.”
وبمجرد أن تابع أسيلي حديثه، كان إيان، الجالس في زاوية الساحة يقرأ، قد فقد تركيزه تمامًا.
قال أسيلي بانبهار صادق:
“تكوين عضلاتها هو الأكمل بين كل النساء اللواتي رأيتهن، لا شك أنها أجمل امرأة في العالم.”
لم يستطع إيان سوى أن يرفع رأسه بذهول. صحيح أن معايير الجمال تختلف من شخصٍ لآخر، لكن كيف يمكن لرجلٍ أن يضع ملامح الماركيزة جانبًا، ويحكم على الجمال من شكل العضلات؟
(لا شك أنه فاقد الصواب تمامًا…)
وفيما كان إيان يهز رأسه بأسى، كانت شرارة الجدال قد اشتعلت بين ليو وأسيلي.
قال ليو بثقة طفولية:
“لكن أجمل امرأة في العالم هي السيدة بليندا.”
فصرخ أسيلي ساخرًا:
“هل عيناك في باطن قدميك؟”
“أسيلي، هل رأيت وجه السيدة بليندا حقًّا؟”
“طبعًا! لديها عينان وأنف وفم مثل أي إنسانة، لا عضلات، نحيفة وعادية تمامًا.”
شهق ليو، وقد تجمّدت الدهشة على وجهه، ثم قال بنبرة جادّة:
“اسحب كلامك حالًا! ليست مجرد عينين وأنفٍ وفم، بل أجمل عينين وأنفٍ وفم في الدُنيا!”
“وإن لم أسحب كلامي؟”
تحدّق الاثنان في بعضهما بحدة، ثم، كأن بينهما اتفاقًا مسبقًا، أمسك كلٌّ منهما سيفًا خشبيًا من جانب الساحة، وصاحا بصوتٍ واحد:
“إيان، أنت الحكم!”
شعر إيان للحظة بأن حياته ذات الأحد عشر عامًا قد ضاعت سدى.
لقد ظنّ حين يدخل الأكاديمية أنه سيلتقي أصدقاء مثقفين رصينين، يتحدثون في العلم والفروسية بأدبٍ ورزانة… لكن الواقع كان شيئًا آخر تمامًا.
(أين بدأت حياتي تنحرف بهذا الشكل؟)
وهو يسترجع الأيام الماضية، خطر له أن تلك الرسالة كان أصل كل هذه الفوضى.
***
كان ليو يسأل نفسه مؤخرًا:
كيف أتخلّص من أسيلي الذي يلاحقني في كل وقت ويطلب المبارزة؟
استشار تشاشر في الأمر، وقد أخبره إيان أن نصيحته كانت معقولة جدًا، ومع ذلك ظل ليو مترددًا لا يحسم قراره.
ثم وصل ذلك الخطاب في الوقت المناسب تمامًا، كأنه قرأ تردده.
كانت رسالة سيزار كالعادة مختصرة وواضحة:
“ما فعلته من لجوءٍ إلى العنف لم يكن صوابًا، لكنه كان دفاعًا عن شرف السيدة بليندا، اعترف بخطئك، لكن لا تندم، الأطفال يتعلمون بالنزال، فربما تصبحان صديقين إن واصلتما المبارزة، الفرسان يتعارفون ويتقاربون من خلال القتال؛ فلا تنظر إلى المبارزة كعنفٍ، بل كوسيلةٍ للتعلّم ومعرفة الآخر.”
قرأ ليو الرسالة مرارًا وتكرارًا، ثم رفع رأسه بوجهٍ حازم وقال:
“أريد… إن أمكن… أن أصبح صديقًا لأسيلي.”
صرخ إيان في وجهه مذهولًا:
“هل جننت؟ كيف تتصادق مع ذلك القرد؟”
لكن ليو أجابه بثقة الطفولة:
“الفارس قال إننا نتعلّم ونتقرّب من بعضنا بالقتال!”
“مهلًا… أتقول إن هذا مكتوب في الرسالة فعلًا؟”
وهكذا بدأت أول مبارزة بين ليو وأسيلي.
القواعد كانت بسيطة:
لا توجّه الضربات إلى الوجه أو المواضع الحساسة.
من تصيب ضرباته جسد الخصم ثلاث مرات يفوز.
انتهت المبارزة بالتعادل.
وبعدها كان الاثنان مغطّيين بالتراب، ممدّدين على الأرض يلهثان من التعب.
رفع أسيلي رأسه بصعوبة وأعلن بصوتٍ أجشّ:
“اعتبارًا من اليوم، أنت خصمي اللدود!”
احمرّ وجه ليو حتى أذنيه، لكنه ابتسم ابتسامةً مشرقة كالشمس:
“وأنا أيضًا كنت أريد أن أكون صديقك!”
“هاه؟ الخصم ليس صديقًا!”
“لمَ لا؟ أنت تسألني كل يوم عمّا أحب وما أكره، أليس هذا ما يفعله الأصدقاء؟”
“أنا أسأل لأعرف نقاط ضعفك، وهذا طبيعي!”
“وتحضر كل الحصص نفسها التي أحضرها.”
“أجل، لأتفوّق عليك فيها!”
“وتتبعني أينما ذهبت.”
“لأنك لا تقبل المبارزة إلا إذا لحقت بك!”
“وأخيرًا، لم تتكلم يومًا بسوء عن السيدة بليندا، مع أنك تغار مني بسببها.”
“هذا لأن النيل منها سيكون تصرفًا خسيسًا!”
تلعثم أسيلي، وتوقف عند آخر سؤال طرحه ليو:
“إن لم نكن صديقين، فما نحن إذًا؟”
فتح فمه ليردّ، ثم عجز عن الكلام. فهو يعرف ما يحبه ليو وما يكرهه، ويحضر الدروس نفسها، ويقضي أغلب وقته معه…
(إذن ما الفرق أصلًا بين الخصم والصديق؟)
لكن الاعتراف بذلك بدا له كالهزيمة، فانتفخ وجهه وقال بعناد:
“على كل حال، الأمر مختلف! أنت خصمي ولا شيء غير ذلك!”
“حسنًا، كما تريد.”
ابتسم ليو، متفهّمًا تمامًا.
ربما كان أسيلي يسمي “الصديق” خصمًا فحسب.
ثم تدحرج ليو على الأرض، وقفز واقفًا بمرحٍ طفولي:
“أنا ليو بلانش! هيا لنتبارز كل يوم!”
فصاح أسيلي بحماسة مماثلة:
“موافق! أتحداك بذلك رسميًا!”
وفي ذلك اليوم، كتب ليو رسالةً إلى سيزار يخبره فيها بفخر:
“لقد أصبحت صديقًا لأسيلي! أيها الفارس، كم لديك من الأصدقاء؟ لا بد أنك تملك الكثير، بما أنك بارزت عددًا هائلًا من الناس!”
وبعد ثلاثة أيام، حين وصلت الرسالة إلى سيزار، أدرك خطأه. فكر طويلًا، ثم كتب ردًّا صريحًا دون أن يستطيع مخالفة طبيعته الصادقة:
“والآن أدركت أنني لم أكن يومًا صديقًا لمن بارزتهم، آمل ألا يخذلك جوابي هذا يا ليو.”
لكن – لسوء الحظ أو لحسنه – أضاع الصقر الذي كان ينقل الرسائل بين الشمال والعاصمة تلك الرسالة بالذات.
***
‘لو أن ليو لم يقرأ ذلك الخطاب اللعين…’
تنهد إيان، وهو يجد نفسه عالقًا بين ابن دوقٍ ووارث بيت تابعٍ له، محكومٍ بولاءٍ متبادلٍ لا مهرب منه.
قال ببرود:
“سنجري هذه المرة المبارزة في مكانٍ آخر.”
ثم ساق القردين الصغيرين، كما أسماهما في نفسه، إلى قاعة الدراسة.
وبين أكوام الكتب المكدّسة، جلس أسيلي متجهمًا كوحشٍ عاجزٍ أمام قوةٍ مقدسة، وقد تلاشى منه كل حماسٍ للقتال.
أعلن إيان بصرامةٍ مصطنعة:
“ليو فاز.”
“آه، هذا غير عادل!”
تمتم أسيلي باستياء وهو ينظر حوله، ثم وقعت عيناه على كتابٍ مألوف على الرف.
اقترب مترنّحًا وسحبه، فإذا به كتاب قصصي يصوّر مغامرات الملك الأول، بطل مملكة كزينوس، الساحر من الدرجة التاسعة، والفارس الذي بلغ قمة فنّ الأورا، وصاحب القوة المقدسة ذات التسع نجوم.
قرأ أسيلي الكتاب حتى نهايته رغم النعاس، بدافع الإعجاب بالملك الأول، ثم قال فجأة بنبرةٍ مريبة توحي ببدء مغامرةٍ ما:
“هل تعرفان أن الملك الأول ترك إرثًا هائلًا مدفونًا في المعبد الكبير؟”
“ما الذي تهذي به الآن؟” قال ليو متشككًا.
“إرث الملك الأول؟” ردّ إيان بفتور.
التفت إليهما أسيلي بجدية، كأنه يوشك أن يبوح بسرّ خطير:
“هذا سرّ من مصادر عليا، تحت المعبد الكبير شبكةٌ معقدة من الممرات المائية، ويُقال إن أحد الكنوز المقدسة التي استخدمها الملك الأول مدفونة هناك.”
“كفّ عن الهراء! حتى لو صحّ كلامك، فكيف تجرؤ على مدّ يدك إلى ممتلكات الملك؟ تلك أملاك ملكية، من الطبيعي أن تبقى في حوزة القصر!”
“صحيح إن كان كنزًا عاديًا، لكننا نتحدث عن أداةٍ مقدسة! ولأنها كذلك، طالب الكهنة بأن تكون تحت رعاية المعبد، ألم تريا سيف الملك الأول المعروض أمام المعبد كأنه ملكهم هم؟”
قال إيان ساخرًا:
“أوه، بالطبع، كما تقول يا صاحب الأسرار العظمى.”
لكن أسيلي تجاهل سخريته وأكمل بحماس:
“الكهنة في المقاطعة الجنوبية مؤيدون للملك، وقد أخبرني كبيرهم أن في جدار المعبد الخارجي فتحةً صغيرة تؤدي مباشرةً إلى الممرات تحت الأرض!”
“فتحة؟!” قال ليو بعينين تلمعان بالدهشة.
“نعم!” صاح أسيلي بلهفة، وقد تأججت في عينيه شرارة مغامرةٍ خطرة.
“لو استطعنا العثور عليها، فسنتمكن من دخول الممرات والوصول إلى إرث الملك الأول بأنفسنا! والكهنة منشغلون هذه الأسابيع، والمعبد مغلق تمامًا منذ مدة، أليس كذلك؟”
أضاءت نظراته بوميضٍ طفولي من الحماسة والجنون في آنٍ واحد. ثم قال بابتسامةٍ واسعة:
“ما رأيكما؟ ألا نبحث عن الفتحة التي تؤدي إلى الممرات تحت المعبد؟”
التعليقات لهذا الفصل " 146"