انقضى صيف قائظ كانت فيه الشمس الملتهبة وزعيقُ صراصيرِ الليل يسيطران على كل الأجواء.
هذا العام، عانت العاصمة من حرٍّ أشدّ من المعتاد…
(مقتطفات من الرسالة محذوفة)… يُرجى الحذر من التسمم الغذائي إذ إن الطعام يفسد سريعًا…
(مقتطفات أخرى)… ومع تغيّر الطقس وازدياد الفارق بين الليل والنهار، احرصوا على ارتداء ما يقي البرد… (مقتطفات أخرى)…
أما يومي فقد مضى كما مضى بالأمس… (مقتطفات أخرى)… تناولنا لحم غزال على العشاء…
(مقتطفات أخرى)… أكتفي بهذا القدر، وأختم رسالتي اليوم.
لقد انحسر قيظ الصيف، وبدأت مواسم ألين.
كعادتي، بدأت يومي بتفقّد الرسائل والطرود التي وصلت بالأمس. وما إن فتحت أول رسالة حتى وضعت يدي على جبيني بتنهيدة.
كنتُ قد أوضحت للسيد شيري ألا يرهق نفسه بإرسال الرسائل كل يوم، وأن الجودة أهم من الكثرة، لكن يبدو أنه أساء فهمي تمامًا.
فقد جاءني طائر البريد حاملاً رسالة ثقيلة مؤلّفة من ست صفحات مكتوبة حتى آخر سطر.
وكان الطائر، وهو يرمقني بحدة، كأنه يقول:
“أهذا هو أفضل ما تستطيعين فعله بي؟ أتحسنَت رفاهيتي أم ازدادت سوءًا؟”
أما محتوى الرسالة، فحدّث ولا حرج.
“أهذه رسالة شخصية أم تقرير رسمي؟” تمتمتُ بضيق.
كنتُ قد طلبتُ منه ألا يكتفي بالسؤال عن حالي، بل يخبرني هو أيضًا عن أيامه. فإذا به يرسل رسالة تشبه تقارير الموظفين التي تُرفع إلى الرؤساء في نهاية اليوم.
تنهدتُ غير مرة قبل أن أبعث إليه بردّ قصير مقتضب.
ثم تناولت الطرد الصغير الذي أرسلته أوفيليا.
في الطرد كانت بطاقة بريدية عليها صورة ميناء غريب من شرق البلاد، وقد كتبت فيها:
“ليس شيئًا ثمينًا، لكنني أظن أنه يليق بالماركيزة، أرسلتُ لكِ دانتيل شانتيه، أحد المنتجات المميزة في الشرق، سأعود محملة بقصص رحلاتي، لكن بشرط أن تدعيني على فنجان شاي حينها.”
ابتسمتُ، إذ إن رسالة أوفيليا – كعادتها جاءت أنيقة وذكية، فشعرتُ وكأن صدري قد انفتح بعد انقباض.
أدركتُ أنها الآن في رحلتها الأخيرة إلى الشمال، فأرسلتُ إليها ردًا أطلب فيه أن تستخدم بلا تردد قصر بلانش الصيفي هناك.
بعد ذلك انشغلتُ طوال الصباح بمراجعة الرسائل والتقارير التجارية.
لكن شيئًا ما أقلقني، فبدأت أقلب الرسائل من جديد.
وكما توقعت… لم يكن بينها أي رسالة من تشاشر.
صرتُ أبحث عن رسائله من غير وعي، منذ أن علمتُ من ليو أن تشاشر يبعث له رسالة أسبوعيًا بلا انقطاع.
كان ليو، في غياب تشاشر، مضطرًا لحضور حصص السحر في الأكاديمية الملكية.
والمفاجأة أن نتائجه لم تكن سيئة كما كنت أخشى.
صحيح أن الأكاديمية الملكية تشتهر بقسم فنون السيف أكثر من تعليم السحر، فهي أضعف بكثير من برج السحر.
لكني سرعان ما عرفت السبب حين قال ليو:
“المعلم يرسل لي كل أسبوع رسالة، ومعها واجبات، في الحقيقة… دروسه ممتعة أكثر من دروس الأكاديمية.”
تجمدتُ في مكاني. “تشاشر… يرسل رسائل؟”
“نعم.”
هذا الوغد؟! لم يرسل لي ولو سطرًا واحدًا، بينما يغدق على ليو رسائل وتعليمات؟!
طبعًا، أعلم أنه من الجميل أن يعتني بليو حتى من بعيد، لكن مع ذلك، لا أنكر أنني شعرتُ بغصّة.
استدعيتُ نافذة الإحصاءات الخاصة بليو بعد طول غياب:
أجبتها بحزم: “إن كان يبكي من هذا، فلا يستحق أن يكون صديقًا لليو.”
هزّت رأسها وقالت: “اهدئي، إنه مجرد صديق، لا زفاف لابنك الوحيد.”
أعلم… وربما أبالغ،لكن… لكن!
ماذا لو كان صديقًا مزيّفًا؟ ماذا لو حاول استغلاله أو إيذاءه؟!
لا أطمئن حتى أراه بنفسي.
وها هو الباب يُفتح، ورأس يطل بحذر.
كاد كير أن ينبح بأمر مني، لكنني رفعتُ يدي فأخرسته، ثم سألت القادم:
“إيان؟ أين ليو وضيفه؟”
كان يلهث من الجري، فأجاب مسرعًا:
“جئتُ لأنوه سموّ الماركيزة، أسيلي ليس شريرًا! إنه ببساطة غبي، يفكر بعضلاته لا بعقل، لو كان يحمل شرًا حقًا، لصرّح به مباشرة، لأنه لا يعرف كيف يخفي شيئًا!”
‘أجل… أشعر أن الحقد الحقيقي عندك أنت يا إيان، لا عنده’
وقبل أن يكمل كلامه، اندفع صوتٌ عالٍ مع فتح الباب:
“أنا الثاني!”
كان فتى طويل القامة، ذو شعر أزرق، صوته يملأ القاعة.
تلاه ليو وهو يلهث: “إيان! أسيلي! هذا ليس عدلًا!”
حين رأيته، أيقنت أنه صديق ليو الموعود، ملامحه بدت مألوفة على نحو غريب، لكني تجاهلت ذلك، ورسمتُ ابتسامة مهددة.
“إذن أنت صديق ليو؟”
لكنه ردّ ببرود: “أنا لست صديقًا… بل منافسًا.”
ارتجفت عيناي، منافس؟ أهو يتنمر عليه؟!
لكن الفتى الأزرق ما لبث أن جذب ليو قائلًا: “أرني ساحة التدريب حالًا!”
ليو، وقد بدا كالكبار، وبّخه: “أولًا اغسل يديك بعد العودة من الخارج.”
“أين المغسلة؟”
“في آخر الممر إلى اليمين—”
لم ينتظر حتى يكمل، بل اندفع كالريح إلى هناك.
“الذي يصل أولًا هو الفائز!” صاح.
ركض ليو خلفه بعد لحظة، يصرخ محتجًا:
“لا! لم نبدأ العدّ بعد، هذا غش!”
“إذن، واحد، اثنان، ثلاثة! هاها! هذه المرة سأن— آآخ! استدعاء المرافق ممنوع!”
“أنت بدأت الغش أولًا!”
وتواصل جدالهما حتى بلغا المغسلة.
“لا ترش الماء!” “أنت من بدأ أولًا!” “قلتُ ذلك وأنا أعد، فيُحسب!” “إذن سأعد أنا أيضًا!” “آآخ!”
كان صراخهما يملأ الممر، بينما إيان يغسل يديه بهدوء في إناء فضي.
عادا إليّ مبللين كأنهما ابتلا بمطر مفاجئ.
قال أسيلي وهو يقطر ماءً: “غسلنا أيدينا، الآن أرنا الساحة.”
سأل ليو بأدب: “آنسة بليندا، هل لنا أن نذهب إلى ساحة التدريب؟”
رغم الصخب، لم يكن بينهما حقد ظاهر، وإيان، وقد اعتاد على هذا المنظر، ناولهما منشفته.
“جففوا أنفسكم أولًا.”
قال أسيلي: “إذن أنا أولًا—”
قاطعه إيان: “هذا منزل بلانش والأولوية لصاحبه.”
احتج أسيلي: “هذا غير عادل!”
ابتسم ليو: “حين نزور بيتك، ستكون أنت الأول.”
تمتم أسيلي بضيق: “حسنًا، لكن انتظر، حين تأتي لبيتي، سأسبقك مهما كان!”
‘هممم، إذن سيفكر بدعوته فعلًا… ليس سيئًا.’
راقبتُ علاقتهم بعناية، ثم أعدتُ كلاب الجحيم إلى الخلف، بدا واضحًا أن الأمر ليس كما تخيلت.
التعليقات لهذا الفصل " 145"