عاد من الأكاديمية مغطّى بالتراب، بعد أن كان قد غادر في الصباح بوجه حزين محبط لعدم قدرته على العثور على حيوان رسول.
آنذاك أدركتُ أن ما كنت أخشاه قد وقع أخيرًا.
لم يكن تصديق كلماته “لا شيء حدث” و”أنا بخير حقًا” إلا وهمًا أمني به نفسي.
هرعتُ إليه غارقة في الندم والقلق، لكن ليو استقبلني بابتسامة عريضة حتى انحفر خدّاه، وقال بفخر مبهور.
“آنسة بليندا! لقد… لقد كوّنت صديقًا!”
كانت كلماته مذهلة حدّ أنني بقيتُ للحظة بلا رد.
أيّ عين تراها، فإن هيئته أشبه بطفل عاد للتو من معركة شرسة، ثم يقول إنه كوّن صديقًا!
بينما كنت أفحصه بعناية، أبحث بعينيّ عن أي أثر لإصابة، ظلّ ليو لا يستطيع إخفاء حماسه، يثرثر بلا توقف عن صديقه الجديد.
“إنه يحب السيف! إيان يلقّبه بالقرد الأزرق، وهو ماهر جدًا في المبارزة، آه، اسمه أسيلي، كان يُلح عليّ منذ زمن أن نتبارز، فاستشرت الفارس بشأن الأمر…”
“مبارزة؟”
في تلك اللحظة أدركت بالبداهة أن ذلك “القرد الأزرق” هو السبب الذي أعاد ليو إلى البيت منكسرًا في أول أيامه بالأكاديمية.
لا أعلم كيف انتهى بهما المطاف إلى أن يصيرا صديقين، لكني شعرت أن عليّ على الأقل أن أرى وجه ذلك الصبي لأفرغ شيئًا من غضبي.
وضعت يدي على كتف ليو، وقلت بلطفٍ متعمَّد.
“لابد أن تحضره يومًا إلى هنا.”
“عفوًا؟”
أفلتت مني الكلمات من بين أسنان مشدودة.
سرعان ما ابتسمت متصنّعة السكينة وعدت أقول:
“أقصد… لابد أن تحضره إلى هنا يومًا ما، إنه أول صديق لك في الأكاديمية، ويجب أن أستقبله أنا بنفسي وأرحب به كما يليق.”
“نعم!”
احمرّت وجنتا ليو من شدّة الفرح، فيما لمحتُ من زاوية عيني تيري وهي ترسم إشارة الصليب كمن يستعيذ من سوء قادم.
وفي ذلك المساء بالذات، استدعى ليو حيوانًا رسولًا لم يكن يظن قط أنه سيكون له: ابن عِرس صغير.
سألته بخفوت عن سبب هذا التغير المفاجئ في قلبه، فأجاب وهو يحك خده بتردد:
“في الحقيقة… الفارس كتب لي رسالة يخبرني فيها كيف أصادق الآخرين.”
“بما أنني استطعت أن أصادق أشيلو، ظننت أن بإمكاني أن أصادق ابن العِرس أيضًا.”
هل يعقل؟! ذلك الفارس الكتوم… هو من حلّ عقدة ليو؟! شعرتُ بغصّة من هزيمة مبهمة، لكن في المقابل، بفضله تمكنتُ من نقل المانا إلى تشاشر في الوقت المناسب.
وهكذا انتهت الأزمة بسلام.
مرت الأيام، والجوّ يزداد حرارة يومًا بعد يوم.
وفي أوقات الشاي بالملحق أُضيفت مكعبات الثلج إلى الأقداح.
رغم انشغالها بأعمال المشغل وتطوير الأدوات السحرية الجديدة، كانت فيفيان تحضر دائمًا شاي المساء معنا.
ذات يوم، لمحت حيوان ليو الرسول وقد تمدد بارتياح وسط الطاولة، بطنها للأعلى، فتهلّلت عيناها فرحًا.
“مبارك يا ليو! الآن يمكنك أن تقول بفخر إنك صرت ساحرًا بحق!”
تبادلت مع ليو كلمات مليئة بالحماسة والمرح، فيما كانت تيري تتفحص ابن العرس بعين متحفظة، ثم علّقت ببرود:
“إنه… أبيض تمامًا، أليس كذلك؟”
رفعتُ حاجبي متسائلة عن قصدها، فأردفت بفتور:
“لم أرَ ابن عرس أبيض إلا وهو مسلوخ الجلد في هيئة معطف فرو.”
انقبض قلب ليو، فالتقط حيوانه من على الطاولة واحتضنه كمن يحميه من سهام مسمومة، بينما ارتجفت عينا فيفيان قلقًا.
شعرت تيري بزلة لسانها، فسارعت تبرر:
“أقصد… أن رؤية ابن عرس أبيض في العاصمة نادرة للغاية.”
لكن تبريرها أيقظ تساؤلي.
“ألَا يعيش ابن العرس الابيض في العاصمة؟”
حقًا، ابن العرس الذي ظهر للناس في الحديقة كان لونه بنيًّا داكنًا، بينما ليو استدعى واحدًا أبيض كالثلج.
أجابت تيري بصوت متردد:
“ليس أنها لا تعيش هنا، بل لا تستطيع، أظنه ابن عرس شماليًا، والدليل سواد أطراف ذيله كالمغمس بالحبر، هذه الفصيلة تغيّر فراءها مع الشتاء، في الصيف يكون بنيًا داكنًا، لكن مع نزول الثلوج يتحول إلى الأبيض الناصع.”
وبكلمات أوضح، ابن العرس الشمالي لا يكسو نفسه بالفرو الأبيض إلا حيث تتساقط الثلوج، أما في العاصمة الدافئة شتاءً، فلا حاجة له إلى ذلك.
تأملتُ الأمر مليًّا.
كنت أظن أن ليو اختار ابن العِرس رسولًا لأنه رآه من قبل، لكن إن كان العثور على ابن عِرس أبيض في العاصمة شبه مستحيل…
“إذن أين يمكن رؤيتهم؟”
“في الشمال بالطبع، سمعت أن بعض النبلاء هناك يربّونهم كحيوانات أليفة، ومعاطف الفرو كلها مستوردة من الشمال أيضًا.”
فقط في الشمال… يمكن رؤيتهم.
عندها خطر ببالي خاطر لم أكن قد التفت إليه من قبل.
ناديتُ ليو وسألته بحذر:
“ليو، هل سبق أن رأيت إبن عرس أبيض؟”
“لا.”
“وهل سافرت إلى الشمال من قبل؟”
“همم… فقط حين ذهبت معكِ يا آنسة بليندا في الرحلة، غير ذلك، قضيت حياتي كلها في دار الأيتام بالعاصمة.”
“أتذكر متى بدأت تعيش في دار الأيتام؟”
حرّك عينيه كمن ينقّب في ذاكرته، ثم هز رأسه.
“أظن أنني كنت هناك في الخامسة من عمري، لكن قبل ذلك… لا أذكر شيئًا.”
ربتُّ على رأسه بلطف، أتابع أفكاري.
لو صحّ ما قال تشاشر، فإن الحيوان الرسول يختاره المرء من الكائنات التي اعتادها.
لكن ليو لم يكن يعرف ابن العِرس قط.
فكيف ظهر إذن؟ أيمكن انه قد نسي؟ ربما رأى واحدًا في صغره، قبل أن يبلغ الخامسة… قبل أن يُودَع دار الأيتام. وربما كان يعيش حينها في الشمال، حيث ابن العِرس الأبيض مألوف.
‘لا، لا ينبغي أن أقفز إلى استنتاجات واهية…’
هززت رأسي أنفض عني الأفكار المبعثرة.
لم يكن الأمر هيّنًا؛ فالأمر يتعلق بأصل ليو نفسه.
كنت أظن دائمًا، كما في اللعبة هيرومي، أن بطل القصة ملاك صغير سقط من السماء بعدما فقد جناحيه.
لكن حين تحوّل العالم إلى حقيقة، أدركت بعمق أنه لا وجود لتلك الخرافة.
لابد أن لليو والدين من لحم ودم.
قررت أن أبحث في سبب وصوله إلى دار الأيتام.
بينما كنت شاردة في تلك الأفكار، تثاءبت تيري ممددًة جسدها وقالت:
“ما أهدأ الجو هذه الأيام.”
كانت على حق.
جلسات الشاي التي كانت تغصّ بالزوار لم يعد يحضرها سوى أنا وليو وتيري وفيفيان.
فمنذ اختفاء سيد البرج في ليلة فالبورغيس، والبرج يعيش فوضى عارمة.
انتشرت شائعات تتهم المعبد، وأحاديث مسمومة لا تنتهي.
لكن حين اكتُشف مختبر السيد السري، ووجدوا فيه جثته الممزقة على يد كيميرا، انقلبت الصورة.
هناك عُثر على أدلة تجارب محرّمة، أبرزها بحوث الخلود، التي تُعد إلى جانب “العودة بالزمن” من أعظم المحرّمات.
ربما كان سيد البرج قد تلوث بالظلام حقًا.
سارعت جمهورية السحرة إلى محو أثره، وبدأت تبحث عن خلفٍ جديد يعيد للبرج الرمادي سمعته.
وكان المتقدم… تشاشر.
كي يصبح سيدًا للبرج، عليه أن يجتاز خمسة اختبارات وينال موافقة الشيوخ الاثني عشر.
لم يكن له مناص من السفر إلى جمهوريته الأم.
وإن كنت أثق أنه سيعود، سيدًا للبرج الرمادي، إلا أن القلق ظل ينهشني.
‘كأنني أنظر إلى طفل أرسلته وحده إلى ماء جارٍ…’
بينما ضممت حاجبي أفكر فيه، قالت فيفيان بصوت مبتهج.
“صديقتي في البرج الرمادي أخبرتني أن تشاشر أنهى بالفعل الاختبار الأول، إن لم يحدث طارئ، فسيصبح أصغر سيد للبرج في التاريخ!”
أسرعت أُصغي إليها بشغف، فسألت تيري بدورها:
“أصغر؟ كم عمره؟”
“إن لم تخني الذاكرة… أتمّ طقوس البلوغ في صيف ما قبل عام.”
صيف ما قبل عام؟ أي في هذا العالم، حين يحتفل المرء ببلوغه الثامنة عشرة…
“يعني أنه لم يبلغ العشرين بعد؟”
“أتقولين إنه ما زال صبيًا يافعًا؟!”
صرختُ أنا وتيري في آن واحد، مذهولين.
إذن ذلك الجانح، الذي يكفي لسانه وحده ليجرّمه، لم يتجاوز التاسعة عشرة؟!
‘يا إلهي… إن كان هكذا وهو بعدُ فتى، فماذا سيصير حين يكبر؟ آه، نعم، سيصير سيدًا للبرج…’
التعليقات لهذا الفصل " 144"