كانت الأشهر الستة الماضية زمنًا شاقًّا من الصبر والجلَد بالنسبة لــ تشاشر.
فهو كان قادرًا، متى شاء، أن يُنهي حياة سيّد البرج بمجرد إيماءة صغيرة من أصابعه.
أليست تلك الغاية التي من أجلها أجاد السحرَ الأسود؟
ومع ذلك، ظلّ يجمع الحجارة السحرية ويبحث عن طريقة لصياغة دائرة معاكسة لنقش العبودية، كل ذلك بدافعٍ واحد: ألا يظلّ في عيني تلميذه مجرّد أستاذٍ يُثير الخزي، كبرياء تافه، نعم… لكنه الكبرياء الذي قاده إلى اختيار الطريق الأصعب، ولو أنه لم يندم عليه قط.
“أيها السيّد… ابتداءً من الآن، لا يُسمَح لك بخطوة واحدة، ولا حتى بصياغة تعويذة.”
تمتم تشاشَر، وهو يحشد ما تبقّى من طاقته السحرية التي كانت قد أوشكت على النفاد.
أما سيّد البرج، وقد قُيِّدت أقواله وأفعاله، فلم يكن بوسعه إلا أن يحدّق فيه بعيون تتطاير منها الشرر.
تشاشر ردّ تلك النظرات ببرود، قبل أن يتقدّم نحو الزنزانة التي يعتني سيّد البرج بها عناية خاصة.
هناك، كان يرقد كائن هجين، قضى شيخٌ مسعور في التجارب عمرَه في صنعه، ليغدو أقرب ما يكون إلى كيميرا خالدة.
حين مدّ تشاشر يده إلى القفل، كان ذلك أول مرّة ينطق فيها سيّد البرج تحت وطأة ألمٍ اعتصر قلبه:
“توقـ… كك، توقَف!”
لكنه لم يأبه.
صرير معدني.
فُتح الباب، وانتفض الوحش لأول مرّة منذ وُلد مسجونًا، متذوّقًا طعم الحرية.
كان قد صُنع من لحوم وحوش وبشر معًا، يحمل في طبيعته نزعة عمياء لا تميّز بين عدوّ أو حليف.
ومع ذلك، بدا كأنه يعرف مهمته جيدًا؛ إذ تجاهل تشاشر تمامًا، وصوّب كل حواسه نحو سيّد البرج.
خطا الوحش خطوة بخطوة، في حذرٍ مميت، نحو سيّده الأسير.
“أغغغ…!”
“فكّر في الأمر وكأنها مراسيم توريث مبكرة ليس إلا.”
وما إن أدرك الوحش أن ضحيته عاجزة تمامًا، حتى انقضّ عليه.
طَقطَقة.
أصوات العظام وهي تتحطّم، واللحم وهو يتمزّق، ترافقت مع أنين موجع اخترق المكان.
“أيها السيّد، إياك أن تفقد وعيك، عليك أن تُبصر نهايتك بكل حواسك.”
كانت تلك آخر أوامر تشاشر… فأبقته سجينًا لألمه حتى الرمق الأخير.
ثم، وهو يستدير نحو الممر المؤدي إلى السطح، انطلقت خلفه صرخات تقطّع الدم:
“كككـ… قف… أرجوك، توقَف…!”
لكنها سرعان ما ذابت في طنين بعيد، إنه أثر الوعاء السحري الفارغ تمامًا.
راح تشاشر يترنّح، يصعد الدرج خطوةً إثر خطوة، بجسدٍ مُثقل.
هل هو من أثر الدوار؟ إذ بدأ يسمع في أذنيه صوت كيث، كأنه وهمٌ أو هذيان.
“كن صريحًا، ألم يخفق قلبك حين نظرت إلى السيّدة؟ ألم يعلُ وجهك حُمرة ويغرق كفّك بالعرق؟”
أجاب تشاشر في داخله، كما لو كان يردّ عليه.
“نعم، صدقتَ يا أخي… لقد وقعتُ في حبّها من النظرة الأولى.”
لكنّه، في اللحظة نفسها، أدرك شيئًا مريرًا: الحبّ أو العاطفة لا يمكن أن تكون له دافعًا للحياة.
الأشهر السبعة الماضية كانت الأهدأ في حياته.
حتى خُيّل إليه أحيانًا أن نار الانتقام في داخله قد انطفأت.
غير أن اللحظة التي علم فيها أن سيّد البرج يوشك أن يُتم آخر تجاربه ليعود بعدها إلى الجمهورية السحرية… لم يسيطر عليه الحزن لفراق بليندا، بل هاجمته رعشة قلق من أن يصبح قتله أصعب بعد ذلك.
إذن، لم يكن هناك ما يعلو فوق انتقامه.
وحين بلغ أخيرًا قمة السلم، خرج إلى الرواق، ليسند ظهره إلى الباب، ثم ينهار على الأرض.
لم يبقَ في جسده ما يسمح بتحريك حتى إصبع واحد.
كل إحساس أخذ يخفت، وكل صورة تغيم أمام عينيه.
لقد اعتاد من قبل أن يُرهق نفسه حتى الإغماء، لكنّه، بدافع غريزة البقاء، كان دومًا يُبقي على قدرٍ ضئيل من الطاقة في وعائه.
هذه المرة، استنزف كل شيء.
ولم يفكّر، للحظة، في العودة إلى تلميذه أو إلى بليندا.
الآن جاء وقت دفع الثمن.
“حين تفرغ طاقته تمامًا… قيل إن ذلك يعني الموت.”
وإن لم يمت، بل أغمي عليه فحسب، فسوف يُكشَف أمره.
فمع بزوغ الفجر، سيعثر السحرة العائدون من ليلة فالبرغيس على جثة سيّد البرج.
ولذلك حشد ما تبقّى من طاقة، واستدعى رسولًا سحريًا واحدًا أخيرًا… أضعف ما صنع في حياته.
فراشة صفراء صغيرة… تمامًا كالفراشة التي عبرت قضبان زنزانته في طفولته، وسقطت ميتة بين يديه.
لكنه، الآن، شعر بالامتنان حتى لهذا.
همس للفراشة المتردّدة في كفّيه: “اخبري ليو وسيّدتي… أنني ممتنّ.”
حلّقت الفراشة من يديه، تتخطّى نافذة البرج.
وعندها، سمح لوعيه أن ينطفئ.
لم يبقَ في قلبه أي تعلّق.
وربما، لو مات هكذا، فلن يكون سيئًا.
فقد حقّق غايته أخيرًا.
ضحك على نفسه ساخرًا: ما كانت حياته إلا حياة بائسة، يقودها الانتقام وحسب.
وأخذ جفناه يثقلان، حتى خبت الرؤية، وأصوات العالم حوله تلاشت.
لكن، قبيل أن يغرق تمامًا، لمح شيئًا باهتًا أبيض يقترب.
أيمكن أن يكون الوحش الذي فرّ من الزنزانة؟
لم يعد قادرًا حتى على صده.
فأغمض عينيه، مستسلِمًا.
غير أنّ ذلك الشيء ارتمى في صدره، دافئًا.
تشاشر فتح عينيه مدهوشًا.
لقد شعر بوعائه الفارغ يُملأ، ولو بقدر يسير.
“ما… هذا؟”
وفي حضنه، انكمش مخلوق أبيض طويل الجسد… ابنُ عِرسٍ صغير، بعينين سوداويين لامعتين.
رفع رأسه، نظر إلى تشاشر مرة واحدة، ثم سلّمه ما بقي من طاقته السحرية، واختفى كالضباب.
كان رسولًا سحريًا على هيئة ابن عرس أبيض.
وتشاشَر أدرك فورًا لمن تعود تلك الطاقة النقيّة.
“ليو…!”
صُعق.
لماذا، بحق السماء، رسول ليو هنا؟
وكأنه يجيبه، اهتزّ طرف ظلّه، لينبثق منه غراب أسود ذو عينين حمراوين.
حين رآه تشاشَر، كتم أنفاسه.
“لم أُرِد أن تريني هكذا… يا سيّدتي… إنك قاسية حقًا.”
متى زرعت بليندا هذا الغراب في ظله؟ لم يعلم.
بخطى متعثّرة، تبع الغراب الذي قاده، لا إلى مخرج البرج… بل إلى حجرته الخاصة.
هناك، كان باب الخزانة الخشبية مشرعًا قليلًا، يسطع من خلاله نور غريب.
وعلى بابه كان محفورًا نقشٌ سحري معقّد.
تذكّر فورًا مفتاح العائد: تعويذة تسمح بالارتباط بين أي باب وغرفته، حيثما كان.
“لا أحد يقدر عليكِ…” تمتم مبتسمًا بمرارة.
لكن يده، وهي تمسّ مقبض الباب، توقّفت.
أدرك لتوّه أن ملابسه ملوّثة بدم سيّد البرج. لو رآه ليو أو بليندا هكذا…
كان على وشك التراجع، حين جاءه صوتها عبر الباب:
“ليو أرسل لك رسوله، ثم غفا، فلا تقلق. تشاشَر… أنت بخير.”
بخير؟ كيف؟ هو نفسه لا يدري لماذا لا يقوى على فتح الباب.
لكن كلمتها التالية قصمت قلبه:
“سأكون شريكتك في الجريمة، تعال.”
إن فتح الباب، فسيجرّها معه إلى طريق الانتقام، ولو انكشف أمره، لن تنجو بليندا أيضًا.
فابتعد خطوة عن الباب.
لكن صوتها عاد، مرتجفًا:
“أنا وليو بحاجة إليك، فلا تتركنا.”
وما إن انتهت، حتى انفتح الباب ببطء.
كان تشاشَر، متعبًا حتى العظم، يخطو إلى الداخل.
كانت بليندا قد أعدّت نفسها لتوبّخه بقسوة، لتصفعه حتى يعود إلى صوابه… لتصرخ في وجهه: لماذا تستسلم للموت بهذه السهولة؟
لكنه لم يمنحها الفرصة.
“سيّدتي… فقط هذه المرة، دعيني أتكئ عليك، أرجوك.”
كان وجهه أشبه بطفلٍ تائه، لم تستطع إلا أن تهزّ رأسها موافقة.
اقترب منها، وعانقها بحذر، كأنه يخشى أن ينهار.
برد أصابعه بدأ يذوب بدفئها، قلبه الخافت عاد يخفق من جديد.
وفي صدرها، اعترف بصوت واهن: “أفتقد أخي… قتلتُ سيّد البرج، لكنني أريده أن يموت مرارًا، أريد أن أشرح صدره بيدي، أن أعبث بقلبه.”
لم يفعل ذلك، فقط لأنه يعلم أنّه، متى تلطّخت يداه بالدماء، فلن يتوقف عن تعذيبه إلى أن يصرعه بكاءً.
“كنت أظنّ أن قتله سينهي كل شيء… أنني سأعيش من جديد… لكن لم يتغيّر شيء.”
“تشاشر…” همست.
“سيّدتي، أنا رجل بائس… عشتُ فقط لأنتقم، والآن، بعدما مات، لم يعد لدي سبب لأعيش.”
رأت وجهه الحقيقي لأول مرّة، لم تستطع أن تجيب فورًا.
لكنها تماسكت، وضعت كفّيها على وجنتيه، وأجبرته أن ينظر في عينيها:
“لك أن تنطق باسم كيث الآن، لمَ تقول إن شيئًا لم يتغيّر؟”
بموت سيّد البرج، اختفت التعويذة التي كبّلته.
وبشجاعة مُغتصبة من الخوف، نطقت باسمه: “أخوك… كيث؟، ألم يترك لك وصية؟”
أجاب بصوت مبحوح: “أن أعيش… حرًّا، عن نفسه وعنّي.”
“إذن تمسّك بالحياة أولًا، الغاية ستأتي لاحقًا، الحياة غريبة… قد تجد نفسك فجأة داخل مرآة سحرية، مع عائلة لم تحلم بها يومًا، صدّقني، هذه هي الحياة.”
نظر إليها مذهولًا من جديّة حديثها الطفولي، ثم ابتسم بخفوت.
ومن خلف النافذة، تدفّق وابل من الشهب السماوية.
لو كان ساحرًا آخر، لتمنّى أمنية، أمّا هو، فلم يتمنَّ شيئًا،اكتفى بأن يلتفت إليها قائلاً:
“إذن، سيّدتي… أصدري أمرًا، أيّ أمر.”
“أمر؟”
“نعم. اجعليني أعيش على طاعتك الآن.”
صمتت لحظة، ثم قالت: “ابدأ بمدح ليو لأنه استدعى رسوله.”
ضحك تشاشَر بخفة، وكأنّه لم يتوقع هذا. رفع يدها إلى شفتيه، وقبّل راحتها.
“كما تشائين، إن كان هذا ما تطلبينه، فسيكون هدفي.”
ومنذ تلك اللحظة… اصبحت بليندا الوحيدة القادرة على إصدار الأوامر له.
التعليقات لهذا الفصل " 143"