سرعان ما عادت ملامح وجه تشاشر المعتادة من مكرٍ ولهو، ثم أجاب مبتسمًا بخفة:
“من يدري… ماذا سيحدث؟”
كان رده مراوغًا، خاليًا من أي تلميح، مكتفيًا بأن يرفع زاوية فمه بابتسامة جانبية وهو يحدّق في وجهي بثبات.
قرأتُ في تلك النظرة رفضًا صريحًا، يطلب مني بوضوح ألّا أتابع بالسؤال أكثر من ذلك.
لكنّ من أمامي ليس سوى “سيد البرج السحري”.
وتشاشر، أليس عبدًا مكبّلًا بخاتم الطاعة، مسلوبًا سحره ومقهورًا بيد مالكه؟ لعلّ انتقامه هذا قد يلتهم حياته ذاتها في النهاية.
كانت في صدري كلمات كثيرة أود قولها، لكنني في النهاية اكتفيت بأن أمدّ طرف المظلّة قليلًا باتجاهه، لتغطيه من لهيب الشمس الذي صبغ وجنتيه بحمرة محرجة، وألقيتُ ببرود:
“القلق… مسموح لي، أليس كذلك؟”
ضحك بصوت خافت وقال وهو يتظاهر بالتأثر: “سيدتي ، لمَ أنتِ رقيقة على غير عادتك اليوم؟ كأنكِ تحاولين أسر قلبي.”
أجبته بصرامة. “أريد جوابًا.”
تردّد لحظة، ثم هزّ رأسه بخضوع مستسلم:
“إن كان قلقًا… وفقط قلقًا، فلا بأس.”
ابتسمت في داخلي، فهذا يكفيني.
وفي تلك اللحظة دوّى صراخ ليو، الذي كان مشغولًا بخصومة نظرٍ مع الأرنب.
“آه! الأرنب!”
التفتت عينا تشاشر إلى ليو في غفلة خاطفة، فاستغليتُ الفرصة سريعًا وألقيتُ إحدى ريشات كاو التي استدعيتها من ظلال المظلّة إلى ظلّ تشاشر.
ثم نهضتُ كما لو أنّ شيئًا لم يحدث، وسرت بخطوات هادئة نحو ليو.
“ليو، ما الأمر؟”
أشار بأصبع مرتجف نحو مكان بعيد، ووجهه متجهّم وقد أوشكت دموعه على النزول.
“لقد خُطف الأرنب!”
وبالفعل، هناك، حيث كان يشير، وقف حيوان نحيل طويل الجسد، ممسكًا برقبة أرنب يكبره حجمًا، رافعًا رأسه بعزة وفخر.
عينان سوداوان صغيرتان لامعتان كالأزرار. رأس مثلث صغير وأذنان دائريتان.
أخيرًا!
هتفتُ في سري بفرحة لم أستطع كبحها. لقد ظهر أخيرًا النموذج المنتظر لحيوان ليو الرسول!
“ابن عِرس؟”
نعم، لقد كان ابن عِرس، حيوان ليو الرسول لم يكن سوى… ابن عِرس!
والآن، حتمًا سيستدعي ليو رسوله… أليس كذلك؟
لكن ليو خفّض رأسه، وتمتم بصوت صغير: “… لا، ليس هو.”
“ماذا قلت؟”
رفع رأسه فجأة، وصاح كما لو كان أحد أقارب الأرنب المسكين المذبوح، يريد الانتقام.
“لقد شعرت! ابن العِرس مستحيل أن يكون رسولي!”
آه، ليو المسكين… لا، بل هو رسولك بلا شك.
لكن هكذا، وَقف وجهًا لوجه أمام حيوانه الرسول، ولم يعرفه.
وفي النهاية لم يتمكن ليو في ذلك اليوم من استدعاء رسوله.
**
ليلة فالبرغيس.
… هكذا يُسمّي السحرة مهرجانهم، الذي يُقام كل بضع سنوات في ليلةٍ تتساقط فيها زخات هائلة من الشهب.
فالسحرة يؤمنون أن السحر نزل إلى الأرض على هيئة شظايا نجمية، ومن ثم كانوا يضحّون ويبيتون في العراء ليشهدوا ذلك المطر السماوي.
وبالطبع، كان البرج السحري يفرغ من الناس في تلك الليالي.
في ليلة فالبرغيس ذاتها، كان تشاشر يتجوّل في الممرات الخاوية للبرج، مسترجعًا كلمات تلميذه في الدرس الأخير.
كان يبدو مشوّش الذهن، وللوهلة الأولى خُيّل أنّ السبب عجزُ التلميذ عن استدعاء الرسول.
غير أن ما قاله التلميذ، وهو ممسكٌ بثوب أستاذه بخجل، فاق توقّعات تشاشر.
“أستاذ… فكّرت كثيرًا، و… أظن أنني لا أريد أن أبحث عن نقطة ضعف اسيلي ولا أن أنتقم منه… بل… بل أريد أن أجرب أن أكون صديقًا له.”
كان ذلك اعترافًا ثقيلًا على قلب ليو، فقد أخبر أستاذه أنه لا يستطيع اتباع نصيحته.
لم يعرف ليو أنه بهذا القول منح أستاذه راحةً عظيمة.
“يا برعمي الصغير، ما أسعدني أنّك تفكر بطريقة مختلفة عني.”
ابتسم تشاشر في سرّه، ممتنًا لكون تلميذه على خلافه، ثم مدّ يده ليكسر ختمًا سحريًا كان يحجب مدخل قبوٍ مظلم.
تشقق الختم، وانفتح الطريق إلى مختبرٍ سرّي دنس كان سيد البرج يخفيه.
كان الهواء المنبعث منه باردًا إلى درجة أنّ العرق البارد سال على ظهر تشاشر، لكن دون تردد خطا إلى الأسفل، نحو الدرج المظلم كالحبر.
مع كل خطوة، تفتّحت حول قدميه فراشات صفراء صغيرة، تحلّق في الظلام مثل زهور ضوء.
وما لبث أن انكشف أمامه مشهد غريب: عدد لا يُحصى من الأحجار السحرية ومن الكائنات المرسلة تملأ القبو.
كان المنظر جميلاً كأنه بستان يفيض بعطر الزهور… لكن ما شمّه لم يكن سوى رائحة دمٍ لزج و رطوبة وعفن.
ورافق ذلك صوت بارد أجوف:
“أيها الوغد، كيف تجرأت ودخلت هنا؟”
رفع تشاشر نظره نحو المخلوقات المحبوسة خلف قضبان الحديد، ونحو الكيميرا المصنوعة من عظام ولحم مختلط.
كان مشهدًا بغيضًا… ومع ذلك مألوفًا له حدّ الألم.
ابتسم بسخرية وقال: “يا لها من ذائقة راسخة لديك، يا أستاذي، هذا المكان يشبه تمامًا المكان الذي قضيت فيه طفولتي، أكاد أشعر بالحنين!”
زمجر سيد البرج.. “أجبني يا تشاشر.”
“لا داعي لأن تكون متوترًا، سيدي، تلميذك البائس قد اكتشف مختبرك المقزز، لكنه لم يفشِ السرّ لأحد.”
قال ذلك وهو يبتسم ابتسامة صادقة لأول مرة… وأيضًا لآخر مرة.
كان هذا المختبر قد أُنشئ سرًا ليجري سيد البرج تجاربه المحرّمة: ابتكار كائن خالد يتحدى الموت، بعيدًا عن أعين جمهورية السحر.
إن خرجت سجلات هذه الأبحاث، ولو ورقة واحدة، إلى الخارج، فمصيره سيكون السقوط التام.
كل من تشاشر وسيد البرج يعرفان ذلك.
لذا، وبينما يتفحص سيد البرج الأحجار الكثيرة التي تضيء القبو على هيئة فراشات، تردّد بأسى: “لم يكن عليّ أن أتركك حرًّا هكذا.”
مدّ العجوز يده والتقط عصاه السحرية من زاوية مظلمة.
“ها قد أجبرتني على تحطيم أعظم منجزاتي بيدي… يا تشاشر اللعين.”
ابتسم تشاشر ببرود: “أتعلم، يا أستاذي… لسانك ماهر، لكن مهارتك في السحر؟ بائسة للغاية.”
زمّ سيد البرج شفتيه. “سأمزّق أوصالك وأخيط فمك كي لا تكرر مثل هذه الكلمات الوقحة بعد الآن.”
وفي لحظة، اشتعلت عينا تشاشر بوميض ذهبي. تشابكت حوله دوائر سحرية مذهلة، متداخلة كأغصان، تغطي أرض القبو الملطخة بالدماء.
أما سيد البرج، فحتى دائرة سحرية سليمة لم يستطع أن يشكّل.
وما إن جذب تشاشر كل ما خُزن من طاقة في الأحجار السحرية ليكمل دائرته، حتى دوّى صوت سيد البرج بأمر قاطع:
“تشاشر أوقف تدفق السحر فورًا.”
صرخ جسده ألمًا، وفقد السيطرة على تدفق السحر.
انحنى وهو يتقيأ دمًا أحمر قانٍ.
تساقطت الأحجار حوله خامدة، كأنها فقدت حياتها.
نظر إليه سيد البرج من علٍ، وهز رأسه ساخرًا.
“أيها الأحمق… غرك غرورك فنسيت مقامك، مهما فعلت، فأنت لست سوى عبد.”
اقترب بخطوات ثابتة، ملوّحًا بعصاه:
“لقد استهنت بخاتم العبودية المنقوش على قلبك، حياة العبد أهون من كلمة من فم سيده.”
كانت معركة خاسرة منذ البدء. فعبد الجمهورية السحرية لا يمكن أن يعصي سيده، لحظة التمرد، ينقلب الخاتم على قلبه ويمزّقه ببطء.
رفع سيد البرج عصاه الثقيلة، مزمعًا أن يغرس فيها ختمًا قاتلًا في جسد تلميذه.
لكن تشاشر، ممسكًا صدره المتألم، رفع رأسه بصعوبة وحدّق فيه بابتسامة محتقرة.
تردّد سيد البرج فجأة: “لماذا… تضحك؟”
قال تشاشر والدماء تلطّخ شفتيه: “أتدري… ما هي أول تعويذة… وما هي آخر تعويذة ألقيتها للتو؟”
تحفّز سيد البرج، وبدأ يحلل الدائرة بنظراته الجانبية. كانت متشابكة، معقّدة، مليئة بدوائر مساعدة دقيقة… لكن جوهرها كان واضحًا وبسيطًا.
“دائرة عكس…؟”
همس مصعوقًا، نعم، سحر عظيم يُعيد القوة الموجّهة نحو صاحبه.
ابتسم تشاشر وهو يفسر بهدوء، “لقد صنعتُ دائرةً لعكس ختم عبوديتي، لطالما عذّبت عقلي حتى وجدت الطريقة.”
وبحركة بسيطة من أصابعه، فعّل الدائرة.
طَق!
أضاءت الأرضية، وانقضّت الدائرة على سيد البرج نفسه. تحطمت الأحجار كلها إلى غبار، وقد استنزفت آخر ذرة سحر فيها.
صرخ سيد البرج بجنون: “مستحيل! هذا ختم العبودية الذي صاغته الجمهورية عبر مئات السنين! كيف يجرؤ حقير مثلك…!”
أفلت عصاه، وغيّر خطته، فبثّ سحرًا في صوته:
“توقف، تشاشر! آمركَ أن تتوقف!”
لكن تشاشر لم يسقط كما في السابق.
بل ازداد بريق دائرته قوة، وبلغت صيحات سيد البرج الغاضبة ذروتها.
ثم، فجأة، انطفأ الضوء كله، كأنه لم يكن.
ارتبك سيد البرج، وسقط مترنحًا وقد تلاشى السحر الذي كبّله.
نهض صارخًا بلعنة: “أيها الخائن! هكذا ترد جميل من أنقذك! سأجعلك تتعذّب حتى لا يبقى منك سوى قلبك، وأمزّق أطرافك واحدًا واحدًا—!”
قاطعه صوت بارد كالسيف: “اصمت.”
صرخة مكتومة، ثم سقط سيد البرج ممسكًا صدره، وعيناه تتسعان رعبًا.
شعر في أعماقه… أن تعويذة تشاشر قد نجحت. لقد انقلب الختم، وانتقل إلى قلبه هو.
رفع تشاشر رأسه، وابتسامة باردة مرعبة ارتسمت على شفتيه الملطختين بالدماء:
“ألم تقل أنت قبل قليل… أن حياة العبد أهون من كلمةٍ يتفوّه بها سيده؟”
التعليقات لهذا الفصل " 142"