“غالبًا ما يختار الناس رَسولهم الحيواني بناءًا على حيوانات أو نباتات يكنّون لها مشاعر خاصة، أو تربطهم بها ذكريات مميزة، بما ان ليو لم يسبق له أن ربى حيوانًا أليفًا، فمن المرجح أن يختار حيوانًا يشعر بألفة تجاهه لأنه يراه كثيرًا في حياته اليومية.”
أضاف تشاشر هذا الشرح الموجز أثناء اختياره للحديقة الجنوبية في العاصمة الملكية كموقع للتعلم الميداني.
وليس بالمجرّد منتزهٍ فحسب، فقد كان المكان شاسعًا حتى يكاد يكون غابةً، تحتضنُ أنواعًا لا حصر لها من الحيوانات والنباتات، وتنبض بحياةٍ بريةٍ متنوِّعة.
كان تشاشر يظنُّ أن هناك، في ذلك المكان، فرصةٌ جيدةٌ للعثور على الحيوان الرسول الخاص بليو، وقد كان تخمينه أقرب إلى الصواب ممّا توقع.
حتى في هِيرومي كان المتنزه الجنوبي من الأماكن التي تكاد تصل فيها احتمالات لقاء الرسول الحيواني لَـ ليو إلى نسبة تسعين في المائة.
وصلوا المتنزه، وبعد قليلٍ حدث الآتي.
“هناك سنجاب!”
سمع ليو صوت حفيفٍ في مكانٍ ما؛ شدّ آذانه وتحوّلت عيناه إلى ناحية الضوضاء، ثم علِم بوجود السنجاب بسرعةٍ، فأخرج كميّة من المكسرات التي أحضرها معه واستدرج الحيوان، ورقّبَه بعينِ مراقبةٍ متحمّسة.
ما إن أتمَّ رقابته حتى التفت إلى تشاشر بوجهٍ جديٍّ للغاية، ثم بدأ يجمع الطّاقة السحرية بكلتا يديه.
“فكّر في تشكيل سنجابٍ من الطّاقة السحرية ببطءٍ، كما لو أنك تُعجنُ طينًا.”
أرشد تشاشر بوقارٍ شِبهٍ تطلّعي، هيئة معلمٍ يعلّم تلاميذه.
التقط ليو الشفةَ الممدودةَ التي تظهر فقط عند تركيزه وبدأ يقرِّب الطّاقة كما لو أنه يلعب بصلصالٍ؛ ثم أطلق صرخةً متحمِّسَةً.
“سنجاب!”
لكن النتيجة كانت محطّمةً للآمال.
مع صوتٍ مقطوعٍ، تلاشت الطّاقة التي كانت تتجمع في يدي ليو كأنَّها حبات رملٍ تُسرقُ من بين الأصابع.
ومع ذلك، لم ييأس ليو، بل أسرع في استهداف حيوانٍ آخر.
“حمامة!”
“هامستر!”
“عصفور!”
“قطة!”
“بطة!”
كلما وجد حيوانًا شعر بأنه ‘هو المنشود’، حاول ليو استحضار رسوله الحيواني، لكن تجرّعه مرارة الفشل في كل مرّة.
انقضت المكسرات التي كانت في جيبيه الاثنان، فتوقف ليو عن المراقبة، وتحاكت يده الفارغة بخجلٍ وحيرةٍ وهو يتبادل كلمات تبريرٍ صغيرة،
“ظننتُ أنّها المرة التي سأنجح فيها…”
أردت أن أقول الجواب لليو مباشرة، لكن لسوء الحظ كانت هناك عقبة بيننا.
“ما الذي فكرت فيه للتو كرسول؟”
سأل تشاشر؛ ونظر ليو إلى جوهرةٍ سحريةٍ على شكل فراشة تتمايل حولي، ثم أجاب مغازلاً،
“تَوري، ظننتُ أن تَوري سيصبح رَسولي.”
ابتسم تشاشر قائلاً، “الفراشات هي رسولتي، عليك أن تَجد تَورَك الخاص.”
كان الحيوان الذي استخدمه ليو كنموذج لرسوله حذرًا من البشر، لذلك كان عليه أن يذهب إلى منطقة أقل كثافة سكانية بدلاً من طريق مزدحم للعثور عليه.
قمت بإمالة المظلة التي كنت أستخدمها نحو ليو وهمست بصوت خافت بما يكفي حتى لا يسمع تشاشر،
“لا تعتمد على النظرية، اعتمد على حدسك.”
“لا تكثر التفكير النظري الآن، جرّب الاعتماد على حدسك.”
«الحدس؟”
“أحيانًا تكون الإجابة هي ما يخطر في بالك بلا قصد، مثلًا… ماذا عن مخلوقٍ شعرهُ مُجعَّدٌ وذو جسمٍ مُستطيلٍ؟”
أُلقيتُ ذلك التلميح سرًا وتوقعتُ ألا يكون له أثر، لكن ليو توقّف فجأة واقفًا وكأن تفتّح شيءٌ في فؤاده.
“ربما…”
قال بصوتٍ خافت، ثم دفعةً من الحماس.
نعم، هذا هو يا ليو! ما يخطر في بالك الآن هو بالضبط…!
“ربما يكون دودةً قزّمية!”
ماذا؟ قبل أن أتمكن من منع القول، أمسك ليو بورقةٍ متدحرجةٍ من الأرض وراح يلوحُ بها أمامي.
“قد يكون حيوانًا صغيرًا، وليس حيوانًا ثدييًّا كما تتوقعين، قد يكون حشرةً!”
قالها بشجاعةٍ على ما يبدو.
اعتدلت نظراتي باتجاه الورقة، ووجدتُ على سطحها شيءً بَرّاقٌ أخضرُ اللون يزحفُ ببطءٍ؛ ثم رُفعَت رؤوسٌ ريشيةٌ صغيرة، وجسمهُ كان مغطىً بشعرٍ ناعمٍ وطويلٍ يُذكّرك بجسدٍ مرخٍ يمتدُّ كبرعمٍ.
عندما رفع رأسَه ونظر إليّ مباشرةً، لم تستطع شفتاي أن تُنطق صوتَ الصدمَة، فأنا لم أصرخ، بل قفزتُ خطوةً إلى الوراء فتعثرَت قدميّ في حجرٍ صغيرٍ.
“بليندا!” صاح أحدهم.
أغمضتُ عينيّّ بإحكامٍ كنتُ أتهيأ للألم الذي سيعقب، لكن بدلًا من أن أهبط على التراب، شعرتُ بجدارٍ صلبٍ يلامس جسدي ويُمسِكُني برفقٍ كقُبضةٍ داعمةٍ.
” واو أتخافين الحشرات! هذا يظهر جانبًا لطيفًا منكِ.”
فتحتُ عينيّ بحذرٍ وإذا بتشاشر قد أمسكني نصفَ احتضانٍ، يوازِن ما بين دعابةٍ ودفءٍ، وابتسامته كابتسامةِ شمسٍ في صباحٍ ربيعي.
سرّت حرارةٌ في وجنتيَّ؛ كم كان مَظهرِي مُخجِلًا! تملّصتُ من حضنه سريعًا، رتّبت ردائي وكحّلتُ حلقي بصفيرٍ خفيفٍ.
“أي شيء له أكثر من خمسة أطراف ، فهو تلقائيًا ‘خارج اللعبة’ بالنسبة لي، قلتُ ذلك بصوتٍ يختبئُ خلفَه شبّهٌ.”
“ولحسن الحظ أطرافي أربعٌ فقط، لو زاد واحدٌ لما صرتُ بخيرٍ!”
ردَّ تشاشر مازحًا.
ثم بحركةٍ طفيفةٍ، استدعى المظلّة التي طارت بعيدًا وسلّمها إلى يدي.
“سأفرشُ حولكِ طاقةً سحريةً تمنع هذه الحشرات من دخول هذه المظلة، طبعًا باستثناءي أنا.”
وليس مجرد كلامٍ؛ لحظاتٌ ارتسم فيها دائرة سحرية على سطح المظلة ثم تلاشت.
ما لبث ليو أن اقترب مني معتذرًا مرتبكًا…
“أنا آسف… لم أكن أعرف أنكِ تخافين من الحشرات.”
“لا بأس، لا خطأَ في ألا نتحيّزَ.” قلتُ مطمئنةً.
حقًّا، كم هو خالٍ من التحيّز ليو حتى يجرب أن يجعل دودةً رسولًا حيوانًا؟؟ بل والجرأة في أن يلمس ذلك الشيء المقزز والمروّع ببراءةٍ كذلك! ظننتُ أني ما زلتُ أراه طفلًا، لكنّي اندهشتُ كم نما فجأةً وشعرتُ بعاطفةٍ دافئةٍ نحوه.
وصلنا أخيرًا إلى منطقةٍ يُحتمل فيها ظهور رسول ليو، فأخذتُ فرصةً لأجلس على مقعدٍ قريبٍ بدعوى أنّي أريد الاستراحة، بينما انطلق ليو مجددًا في مراقبة الحيوانات البرية.
لم تمضِ سوى لحظات حتى سمعتُ..”ربما يكون ضفدعًا، أحسّت نفسي!”
قَد يرى الآخرون أنّ العثور على الرسول عمل يسير، لكن السبب في ضياعنا المطوَّل هو أن الهدف نادرًا ما يظهر.
“الجميع يجدون رسولهم بسرعة، لكن ليو يتوه بطريقةٍ غريبةٍ.”
قال تشاشر وهو يجلس إلى جانبي على المقعد ويراقب ليو، فسألتهُ،
“ألا يستغرق الأمر عادةً وقتًا أقل؟”
“عادةً الناس يعرفون ما يحبّون قليلًا على الأقل لكن أن لا تستطيع حتى أن تُنتج رسولًا بينما تحاول، فهذا أمر غير عادي.” أجاب تشاشر بهدوءٍ منطقيٍّ.
تساءلت… لماذا يجد الآخرون استحضار رسولهم بسهولةٍ، بينما يواجه ليو عسرًا شديدًا؟
ربما لأنّه حديثٌ في تشكيل تفضيلاته ، الآن بدأ فقط في تكوين ما يعجبه وما لا يعجبه ، وقد يؤثّر ذلك بلا شك.
بينما كنا نناقش تفسيراتٍ معقولةٍ، قال تشاشر كمن يمرّر ملاحظةً بالهواء،
“آه، لا حاجة بعد الآن أن تدفعي لي رسوم دروس ليو بالجواهر السحرية.”
لم أستطع أن أستوعب وانقلبتُ إليه مذهولةً،
“ألم تعُد بحاجة إلى الجواهر السحرية؟”
التقينا بنظراتٍ مباشرةٍ وكأنّ السؤالَ نطق قبل أن أُتمّه.
أجاب ببساطةٍ: “لا، لدي ما يكفيني الآن.”
“ما يكفيني؟” تردّدتُ في الصِدق مع معنى العبارة، ثم تذكّرتُ ذاك اليوم في رحلتنا الشتوية حين استدعيتُه وأخضعتُه بقسوةٍ، ودفعت ثمن ذلك بالكثير من الجواهر السحرية.
ومنذ ذلك الحين، طلب تشاشر تسديد أتعابه بالجواهر، فتدفّقَت إليه كمياتٌ معتبرةٌ من الجواهر.
حتى البرج السحري تساءَل إن كنتُ أحاول احتكار الجواهر وشرائها كدافعٍ خفيٍّ، لكنّي لم أطرح أبدًا سؤالًا عن حاجته للكمِّ الهائل من الجواهر.
ثم قال تشاشر، “ويبدو أننا سنؤجِّل درسَ ليو لـ الأسبوع المقبل، حدث أمرٌ لا يمكن تأجيله، ويصادف يوم الدرس.”
كان ذلك الخبر غريبًا؛ فطوال الوقت كان تشاشر يقدّم دروس ليو فوق كل شيءٍ، ومع ذلك حالما امتلك الجواهر الكافية صار لديه ما هو أهمُّ من دروس ليو؟
قبضتُ على مقبضِ المظلة وومضت بذاكرتي معلومة فقلتُ بحذرٍ.
“لقد سمعت أن برج السحر ضجَّ وضجيجُه كثر في الآونة الأخيرة.”
بعد تولّيُّي للّقب أصبحَت أمورٌ كثيرة تتغيّر، ومن بينها تحسّن واضحٌ في نوعية وكمية الأخبار التي تصل إلى أذنيَّ.
فمتى ما راقبت شؤونَ العائلة وأعمالها، رصدتُ تدفق الأموال في العاصمة، وحركات المعابد، وبرج السحر، وغير ذلك من المؤسسات الكبرى.
أخبرتُه بما سمعتُه عن أخبارِ البرج السحري.
تبادل تشاشر نظرةً معبرة ثم قال.
“هل كنتِ تعلمين؟ الأسبوع المقبل هو ليلة والبورغيس والسبب الحقيقي لإلغاء درس ليو هو….”
‘ليلة والبورغيس هي احتفال تقليدي في أجزاء من أوروبا، يُقام ليلة 30 أبريل، وتُعرف بأنها: ليلة ساحرات، بحسب الفولكلور الأوروبي. يُقال إنها الليلة التي تتجمع فيها الساحرات على قمم الجبال وتحتفل بطقوس سحرية. تُعتبر ليلة غامضة وسحرية، تُشعل فيها النيران وتقام فيها الطقوس لطرد الأرواح الشريرة.’
“سيد البرج السحري اعلن تقاعده ، ونيته للعودة الى الجمهورية السحرية.”
تشنّجت ملامح تشاشر للحظةٍ وأطبَقَ فمهُ، بينما واصلتُ الكلام غير مبالية بردّه.
“إن عاد سيد البرج إلى وطنه وغادر البلاد، فماذا سيحل لِمكان إقامتك انت؟”
لو غادر سيد البرج البلاد فلن يبقى أمام تشاشر من خيار سوى أن يغادر معه، فهو ما يزال عبدًا أو خاضعًا لسيد البرج، ولن يترُكَه سيده طليقًا ببساطةٍ.
في النهاية، دلّ ذلك على أنه لم يتغير شيء منذ اليوم الذي رحل فيه تشاشر.
تذكّرت كلامه تلك الليلة عندما همس وهو يكاد يقسمُ..”سيدتي، سأقتل سيد البرج يومًا ما، ومع ذلك، هل سأظل المعلم الجيد لِـ ليو؟”
التعليقات لهذا الفصل " 141"