بعد أن أنهت بليندا مراسم التنصيب وتولّت رسميًا منصب سيدة العائلة، عُقد الاجتماع الشهري الأول تحت قيادتها في أجواء غاية في الجدية والثقل.
أمراء البيوت الثلاثة الموالية لبلانش تبادلوا النظرات الخفية، وقد أصابتهم الدهشة من الهيبة التي أضحت تكسو بليندا خلال شهر واحد فقط، حتى بدت بالفعل سيدة يليق بها المنصب.
جرت التقارير عن تقدّم المشاريع الموكلة لكل عائلة، ومراجعة الخطط الجديدة، وبينما كان الجميع يقيّم كفاءة المالكة الجديدة بدرجة عالية، إذا ببليندا ـ التي لم تُبدِ تعبًا رغم أنه الاجتماع الأول لها ـ تفتح فمها بنبرة أثقل من أي وقت مضى.
قالت بصوت حازم.
“هناك أمر، أريد أن أستمع فيه إلى رأيكم جميعًا.”
في اللحظة التالية، اختفى ما خيّم على الاجتماع من استرخاء طفيف، وشدّت الجلسة أوتارها إلى التوتر من جديد.
نظر الرؤساء الثلاثة بعضهم إلى بعض. كما أنهم كانوا يختبرون بليندا، أدركوا أنها بدورها تزنهم بعينها النافذة.
تقدّم الكونت سيلفيو وهو يعبث بلحيته قائلًا، “تفضلي بالحديث يا سيدتي.”
أرسلت بليندا نظرة عميقة إلى الحضور قبل أن تبدأ.
“لو أن أبناءكم حاولوا إخفاء أمر ما عنكم… فماذا كنتم لتفعلون؟”
ارتبك الجميع.
“عفوًا…؟”
تابعت وهي تضرب مثلًا.
“أعني، على سبيل المثال فقط… لنفترض أن إبنكم في الأكاديمية دخل في شجار مع زميل له.”
كانت تقول “لنفترض”، غير أن صوتها ارتفع شيئًا فشيئًا وكأن الأمر وقع حقًا أمامها.
“لكنه لا يخبركم مطلقًا مع من، ولا لأي سبب حدث الشجار، وهو طفل رقيق دائم التفكير في غيره، لذا من المؤكد أن الطرف الآخر هو من بدأ الشجار، بل إنه لا يزال يُضايق بعد ذلك، فأحيانًا يعود بملابس مدرسية مبعثرة…”
صرير.
انغرست أظافر بليندا في خشب مقبض الكرسي حتى صدرت حدة الصوت.
“إذن، إلى أي حدّ عليّ أن أسحق ذاك الطفل الذي يجرؤ على إيذاء ولدي حتى يكون الأمر عادلًا؟!”
التقت عيناها البراقتان بنظرات الكونت سيلفيو، فتنحنح قبل أن يجيب بوقار رجل خبير بالتربية.
“الخطوة الأولى هي فهم الوضع، اسألي السيد الصغير عمّا جرى.”
بيليندا بحدّة.
“وإن أبى الكلام؟! حتى حين هددته بحرمانه من التنظيف لأسبوع كامل لم ينبس بحرف!”
“حرمانه… من التنظيف؟”
“أجل، إنه عقاب رهيب بالنسبة له لا يقل عن منع الخروج.”
“إذن، إن لزم الأمر، عليكِ أن تشددي العقاب حتى يخبرك الحقيقة، وإن لزم أن تقسي عليه.”
ترددت بليندا، ثم قالت،
“لكن ماذا لو جُرح كبرياؤه؟ ماذا لو أنه لا يريد أن أتدخل أصلًا؟”
تلعثم أحدهم.
“فـ… في تلك الحال، ربما من الأفضل ترك الأمر للصغار ليحلّوه فيما بينهم؟”
صرخت بليندا بغضب متوتر.
“أتظنون أني أستطيع الجلوس مكتوفة اليدين بينما ابني قد يتعرض للتنمر؟!”
ارتجف البارون راشيل وأسرع بالموافقة. “بلى، بلى، معكِ الحق تمامًا!”
شعر راتشيل أن هذا النقاش سيستغرق أطول من كل ما سبق من موضوعات الاجتماع.
وكان إحساسه صحيحًا، إذ امتدّ الحديث أكثر فأكثر.
حينها التفت الكونت سيلفيو إلى شخص ظلّ صامتًا طوال الوقت ـ الكونت دوكوف ـ وسأله.
“وما رأيكِ يا كونتيسة؟”
الجميع نظر إليها، فهي معروفة بصلابتها ورجاحة عقلها.
رفعت ببطء أوراقها، نقرَتها مرتين على الطاولة ثم تكلمت كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة:
“لدي أمران أقولهما.”
ثم أردفت دون تردد.
“أولًا، يا سيدتي، أنصحكِ بالكف عن شراء أحجار المانا بشكل شخصي، إنكِ لا تستهلكينها ولا تبيعينها بل تكدسينها فقط، وقد بدأ برج السحر أن يشك في أنكِ تحتكرينها لرفع السعر، وليس من مصلحتنا أن نثير غضبهم، لذا الأفضل أن تطلقي بعض الكميات في السوق تدريجيًا.”
“وأخيرًا… أرجو أن يُحصر النقاش في الاجتماعات الشهرية بما يخص الشؤون الرسمية دون أحاديث جانبية.”
تنهّدت بيليندا وقالت.
“صحيح، أما الأحجار فقد بعتُ كميات صغيرة عبر معارف، فبلّغي البرج بذلك كي يطمئنوا.”
“حسنًا.”
في تلك اللحظة، ضرب البارون راتشيل صدره بجرأة وقال،
“لا تقلقي يا سيدتي! ابني يرافق السيد الصغير في الذهاب والإياب من الأكاديمية، سأحاول أن أستدرجه بلطف وأسأله حتى أكتشف ما جرى.”
عندها اتسعت عينا بليندا بوميض مفاجئ، كيف غاب عنها ذلك؟
تمامًا كما قال راتشيل، ربما يعرف إيان شيئًا.
خصوصًا أن علاقتهما في الآونة الأخيرة صارت أوثق بكثير من ذي قبل.
نظرت إليه بليندا بثقة حقيقية قائلة.
“أعتمد عليكَ وحدك يا بارون.”
“اتركيه لي!”
***
“هكذا… حدّثني والدي قائلًا إن السيدة بليندا تظن أنك تتعرض للضرب في مكان ما.”
صوت إيان جاء مرتبكًا، فيما أسدل ليو يديه على وجهه ولم ينطق بكلمة.
الحقيقة لم تكن كما تظن بليندا.
ليو لم يخفِ عنها الأمر لأنه يتعرض للتنمر أو يعيش معزولًا في الأكاديمية.
‘كان يجدر بي أن أتصرف ببرود أكثر في ذلك اليوم…’
بيليندا تراه أنعم طفل وأضعف قلب في الدنيا، لكن الواقع مغاير.
كيف عساه أن يخبرها بالحقيقة؟ أنها، بلسانها، طلبت منه أن يكوّن أصدقاء… بينما هو في يومه الأول في أكاديمية فيلهيرن هيمن بلا قصد على قسم المبارزة كاملًا.
وإيان راتشيل وحده، شاهِد العيان، يعرف القصة كاملة.
***
الطفل اليتيم ذو العشر سنوات الذي تبنّته عائلة بلانء، وصفه الناس بـ”أسعد إنسان على وجه الأرض”.
“سمعتُ أن جماله الفائق جعل السيدة بليندا تربيه كحيوان مدلل.”
“لا، بل سمعتُ أنه كان خادمًا مخلصًا ساعدها بكل ما يملك حين قضت على شوفيل.”
“أما أنا فأظنه نجل غير شرعي لعائلة عظيمة.”
لأن بليندا أخفت كل شيء عن ماضيه، راحت الشائعات السخيفة تتناسل، وأغلبها لم يكن وديًا تجاهه.
وسط تلك الغيرة والافتراء، بدا ليو طفلًا وديعًا لا يستحق حظه المذهل ولا يقدر على حمله.
‘لو كان كما يقولون، مغرورًا متعجرفًا، لكان أهون…’
هكذا فكّر إيان وهو يتبعه متثاقل الخطى، يراه يذرع أرجاء المدرسة بحماس كجرو صغير، يتأمل كل زاوية بفضول طفولي.
في عينيه، بدا ليو أشبه بقرد غريب سقط فجأة وسط جماعة قرود مسالمة… يرتدي فوق ذلك ثيابًا من حرير يثير الطمع.
لو كان متجهمًا شرس الملامح، لخشيه الآخرون.
لكن بابتسامته الطفولية واندفاعه البريء صار هدفًا سهلاً للمتطفلين.
“أيها الغلام! سمعتُ أنك يتيم، صحيح؟”
لم يكن غريبًا أن يلقى مضايقة.
ألقى إيان نظرة على المتحدث، وتبددت آماله.
فذلك الطفل الذي يتبعه رفاق كثر، جميعهم من عائلات متنفذة في العاصمة، وهو لم يكن سوى الإبن الثالث لِـ دوق هيريوس حاكم البحار الجنوبية وصاحب أخصب السهول الزراعية، ووصيف قسم المبارزة هذا العام.
أشهر مشاكس معروف، بشَعر أزرق، اسمه أسيلي هيريوس. وإيان يعرفه جيدًا، طبعه بسيط، يميل للقوة، يعشق المبارزة.
منذ اللحظة التي طلب فيها والده أن يرافق ليو في طريق المدرسة، توقّع إيان أن تقع كارثة كهذه.
نظر بقلق إلى ليو، فإذا أساء التصرف الآن… ‘فسأقطع علاقتي به فورًا’
لكن ليو أجاب ببساطة مدهشة، “نعم، كنتُ يتيمًا… لكن لم أعد كذلك.”
وقف أسيلي مدهوشًا للحظة، ثم زمجر مستهزئًا، “هاه! اليتيم يظل يتيمًا للأبد! ماذا تعني بقولك لم تعد كذلك؟!”
‘انتهى أمري…’ أغمض إيان عينيه مودّعًا أحلام حياة مدرسية هادئة. فمهما كان ليو طيبًا، كيف يمرّ على إهانة كهذه مرور الكرام؟
لكن خلافًا لتوقعاته، أجاب ليو بوجه صافٍ وبصوت واثق.
“كلمة يتيم تقال للأطفال الذين فقدوا أهلهم، لكن الصغار يكبرون ويصبحون كبارًا، إذن من المستحيل أن يظل أحد يتيمًا إلى الأبد.”
“ماذا… ماذا تقول أيها الوقح؟! أتحاول أن تُظهر ذكاءك امامي!”
احمرّ وجه أسيلي غضبًا، وخطف ورقة جدول الحصص من يد ليو صارخًا.
“لنرَ! لدينا الصفوف نفسها! سأريك من هو الأقوى!”
غير أن صوته خفت تدريجيًا وهو يطالع الورقة.
“لماذا تسجلتَ في دروس السحر؟!”
ابتسم ليو ببراءة وقال.
“كنتُ فضوليًا لأعرف كيف تُدرّس مادة السحر هنا، إن كان يعجبك… نلتحق سويًا؟”
صرخ أسيلي مبهوتًا. “أيها الأبله! دروس السحر لا يُسمح بها إلا لمن يملك قوة سحرية من المستوى الأول فما فوق!”
“أجل، أنا أملك قدرًا بسيطًا من السحر، مستوى أول فقط، لكني أظن أن هذه الدروس ستساعدني على بلوغ المستوى الثاني.”
ضحك بخجل، فاندهش أسيلي.
‘هو بارع في السيف، ثم لديه موهبة في السحر أيضًا؟!’
تجمّد مكانه، فيما هتف أحد أتباعه محاولًا إنقاذ الموقف.
“لا تصدقه! محض ادّعاء!” “حتى المركز الأول في المبارزة… ربما اشتراه بالمال!” “أنظروا لضعفه! مستحيل أن يكون الأول!”
التعليقات لهذا الفصل " 139"