“ه-هل قلتُ شيئًا غير لائق مرة أخرى؟! لكنك تضعين خاتمًا في يدك، فظننتُ أن لك خطيبًا بالفعل…”
أجبتها بتلعثم، وأنا أمسح فمي بمنديل قدّمته لي أوفيليا.
“هذا ليس خاتم خطوبة… بل مجرّد رمزٍ لوعد، أما عن الزواج، فأنا…”
إلى هنا توقفت، قبل أن يصفعني فجأة إدراك مروّع.
انتظري لحظة، إن كان السير تشيري هو نفسه دوق بالواستين، فهذا يعني أنني كنت على وشك أن أعقد معه زواجًا شكليًا بموجب عقد!
صحيح أنّني رغبتُ في بقاء السير تشيري إلى جانبي، لكن ذلك لم يكن إلا بصفته فارسي المرافق، ومعلّمًا لليو.
ومع أنّ الأمر قد مضى، إلا أنّ التفكير في أنه ربما كان من الممكن أن نصبح أقرب… كعائلة بمعنى مختلف تمامًا… أثار في داخلي شعورًا غريبًا لا يوصف.
“هـ-هاه! لقد كان وجهك قبل قليل في غاية الريبة! لا بد أن لكِ شريكًا بالفعل، أليس كذلك؟”
“مجرد شخص… كالعائلة.”
“بالطبع، بالطبع! فالأشخاص الذين نشعر أنهم كالعائلة هم أكثر من نعتمد عليهم، ومع الاعتماد القلبي، يأتي الاعتماد الجسدي… ومع الاعتماد الجسدي، لا بد أن تتلامس الشفاه في النهاية، هكذا تجري الأمور دائمًا.”
“قلتُ لك، ليس الأمر كذلك.”
“لكن… أوي! لا، لا… ههّم! هلا أعطيتني قليلًا من الليمون؟”
رفعتُ حاجبيّ إشارةً، فتنحنحت أوفيليا بسرعة، وأدارت عينيها المرتبكتين قبل أن تمسك بالخادمة وتطلب منها بعض الليمون.
أخذت قطعة ليمون طازجة وضعتها الخادمة في الشاي، ثم التقطتها مجددًا بملعقة وأزاحتها بهدوء، قبل أن تغيّر الموضوع بطلاقة.
“على أية حال، بما أن هذه المملكة أصبحت موطني الآن، فأنا أنوي أن أطوف أرجاءها شهرًا كاملًا ابتداءً من الأسبوع القادم.”
ثم فتحت خريطة المملكة أمامها، وشرعت تشرح بحماس خطط رحلتها، كأنها تتحدث إلى صديقة حميمة.
جلست أستمع إليها، ولم يسعني في النهاية إلا الاعتراف لنفسي.
إن الانطباع الغريب الذي شعرت به يوم لقائنا الأول لم يعد له أي معنى الآن.
أوفيليا إنسانة صريحة، صادقة، طيبة.
حسنًا، يكفي امتحانها بعد الآن.
“أوفيليا.”
“نعم؟”
أمعنت النظر في وجهها المنعكس في الشاي، ثم سألت دون وعي.
“هل سمعتِ يومًا باسم هيرومي؟”
***
من خلف جدار الزجاج المعتم لبيت الزهور، رأيت عربة الأجرة التي تقل أوفيليا تبتعد شيئًا فشيئًا.
عندها التفتُّ إلى الخادمة التي كانت تخدمنا طوال الوقت، وسألتها.
“جيري، ما رأيك بها؟”
وفجأة اختفت ابتسامتها المعتادة، وحلّ محلها وجه جامد، ثم انطلق من فمها صوتٌ رجولي.
“في حديثها نبرة واضحة من لهجة الإمبراطورية، ولها عادة إلقاء شرائح الليمون في الشاي كأمر طبيعي، كما أنها ارتدت ثوب الباسل الرائج في المملكة، لكنها لم تتخلَّ عن عقدات الشرائط والدانتيل على الطراز الإمبراطوري، من كل ذلك يتضح أنها عاشت في الإمبراطورية زمنًا طويلًا.”
كان كلام جيري الذي لا يضاهيه أحد في مراقبة الناس وتقليدهم لا يخطئ.
راح يمسح مساحيق الزينة التي شكّلت ملامحه، ثم تابع.
“أما عن سبب قدومها إلى المملكة، فهو ليس كذبًا، بعد أن خسرت عائلة فيرمان لقبها النبيل، حاولوا تسوية ديونهم الهائلة ببيع ابنتهم كزوجةً ثانية لنبيل ثري، لكن الآنسة أوفيليا لم تحتمل ذلك، فأقدمت على محاولة انتحار، كادت أن تموت، لكنها نجت بمعجزة، ثم فرت هاربةً من الإمبراطورية، لقد كان ذلك فضيحة شهيرة في مجتمعهم.”
إذن، أوفيليا التي قالت إنها جاءت إلى العاصمة لتعيش حياتها بإرادتها… تخفي خلف ابتسامتها المرحة ماضٍ ثقيل كهذا.
استرجعتُ وجهها عندما سألتها عن “هيرومي”.
“هيرومي؟ همم… أشعر أنني سمعت هذا الاسم من قبل… أليس لديكِ تلميح ما؟ أريد بشدة أن أجيبك بشكل صحيح!”
وجهها المنعكس في فنجان الشاي آنذاك كان هادئًا، خاليًا من أي اضطراب. لقد بدا أنها حقًا لا تعرف شيئًا عن “هيرومي”.
صحيح… ليس ثمة ما يضمن أنها، مثلما حدث معي، قد تلبّست شخصية لاعبة. وربما كان ذلك الانطباع الغامض الذي شعرت به عند لقائنا الأول مجرد وهم مني.
“هل ترغبين أن أضع من يرافق الآنسة أوفيليا في رحلتها، لتطمئني أكثر؟”
كادت الكلمات أن تفلت من لساني موافقة، لكنني ترددت فجأة… لأنني تذكرت ابتسامتها الخجولة في أول لقاء لنا حين قالت:
“إنه لأمر مفرح أن أول شخص تعرفت عليه هنا كان حضرتكِ انتِ.”
تنهدت، ومررت أصابعي في شعري.
اللعنة عليك يا شوفيل… ذلك الوغد جعلني أجد صعوبة بالغة في الوثوق بالآخرين. صرت أبدأ بالشك في كل إنسان… ربما يخفي نوايا أخرى.
حتى أنني لم أكتفِ وقتها بابتسامة أوفيليا واعتذارها، بل اضطررت إلى ارتداء نظارة كشف الكذب للتأكد من صدقها.
وبعد طول تردد، هززت رأسي.
“لا، ليس هناك داعٍ لذلك.”
نعم… أوفيليا لا تخفي أي سوء نية. أقنعت نفسي بذلك، ووقفت لأغادر.
عندها لمحتُ من بعيد فيفيان تركض نحونا، شعرها يتطاير خلفها، حتى أنها كادت أن تصطدم بزجاج باب البيت الزجاجي لولا أن جيري قفز بسرعة وفتحه في اللحظة الأخيرة.
“آنستي بليندا! كنت عائدة من الورشة حين رأيت… آه، شكرًا لفتح الباب!”
انحنت بخجل لجيري، ثم توقفت بدهشة.
متى غيّر ملابسه؟
نظرت إلى جيري الذي عاد في غمضة عين إلى هيئته المألوفة، مساعد الخياط المتواضع، فهززت رأسي. إنها سرعة لا تُصدق… ليست مهارة في التنكر فحسب، بل أشبه بتحوّل سحري.
“ل-لا… المهم أن حضرتكِ لم تُصابي بأذى، هذا ما يهم…”
همم؟ هذا غريب… رجلٌ قادر على تقليد كلام أي شخص في العالم، يتلعثم الآن؟ بل لقد رأيته يمسح مساحيقه قبل قليل، فلماذا وجنتاه ما زالتا متورّدتين؟
هل يُعقل…؟ رغم أنها مشاعر من طرف واحد، إلا أنّ هذه الأجواء الوردية التي تملأ المكان لا يمكن إنكارها!
“آنسة بليندا! يجب أن تعودي إلى القصر الرئيسي حالًا! إن ليو… لقد عاد إلينا أشبه بثمرة كستناء!”
“كستناء؟!”
“أقصد… عاد من الأكاديمية وهو في حال يُرثى لها، كأنه تشابك بالأيدي وشُدّ شعره في عراك.”
“ماذا؟!”
ركضت بكل قوتي نحو المبنى الرئيسي.
من بعيد، رأيت ليو واقفًا أمام باب القصر، يحاول بارتباك أن يصلح مظهره.
“ليو!”
ارتجف كتفاه عند ندائي، واستدار نحوي مرتبكًا، يحاول بسرعة أن يصفف شعره، لكنني كنت قد رأيت كل شيء.
شعره منكوش، واقف كالزغب حول رأسه مثل قنفذ صغير. ربطة عنقه مائلة إلى الخلف. وزيّه المدرسي متجعّد، كأنه كان عرضة للأيدي التي شدّته بعنف.
قلبي هبط إلى قدميّ في لحظة.
أسرعت أتفحص جسده بعناية، أبحث عن أي إصابة. الشكر للإله، لم أجد أثرًا لجُرح أو خدش.
“ليو… ما الذي جرى لك في الأكاديمية؟”
لم أرد إخافته، لكن مجرّد التفكير في ذلك الجبان الذي تجرأ على مسّه كان يطحن أسناني غيظًا.
رفع ليو عينيه نحوي للحظة، ثم أشاح عنهما سريعًا، كأنه خشي أن يرى شيئًا لا يجب أن يُرى. بعد لحظة طويلة من التردد، تمتم:
“ل-لا شيء حصل.”
“ماذا؟”
“ص-صدقًا… لم يحصل شيء.”
لكن عينيه المرتجفتين، كأن زلزالًا يهزّهما، فضحتاه بوضوح.
لم أكن بحاجة حتى إلى نظارة كشف الكذب… لقد كان يكذب.
التعليقات لهذا الفصل " 138"