[قيل إن أزهار الربيع قد تفتحت في العاصمة، وها أنا أكتب إليكم راجيًا أن تحافظوا على صحتكم، إذ إن تقلبات الطقس بين الليل والنهار في هذا الفصل قاسية.
لقد حان وقت تساقط أزهار الـروزيل في العاصمة، ولأنك في ردك الأخير طلبتِ أن أحدثكم عن أخبار الشمال، فها أنا أفي بوعدي… لقد هطلت آخر ثلوج العام هناك.
والأيام الآن تزداد حرارة، وأخشى أن تكونوا تعانون من وطأة الصيف.
سمعت أن ليو سيخوض امتحان القبول في قسم فنون السيف بالأكاديمية الملكية، إن طبّق ما تعلّمه، فلا شك أنه سينجح بسلام…]
***
ذلك الصباح، جاءني من الشمال البعيد صقرٌ أليف يطرق نافذتي بجناحيه. كان الإرهاق باديًا عليه، فأسرعت أضع له ماءً ليشرب قبل أن أتحقق من الرسالة المربوطة إلى ساقه.
رسالة اللورد تشيري كانت – كما هي عادته – قصيرة مقتضبة.
فهو رجل قليل الكلام بطبعه، فلا غرو أن يكتب كذلك.
لكن ما يثير غيظي أن رسائله هذه، التي لا تزيد عن بضع كلمات عديمة الفائدة يُرسلها عن طريق طيور المراسلة على التي لا يُستخدم أمثالها إلا في الحالات الطارئة.
تنهدت وأنا أربت على رأس الصقر قائلة
“لقد ابتُليتَ فعلاً بِمالك سيء يا صغيري…!”
وكأنما يوافقني، قطع الصقر شربه فجأة وأطلق نغمة حزينة مؤلمة.
في تلك اللحظة بالذات، سُمِعَت طرقات ثلاث على الباب، متناغمة الإيقاع.
نقلت الطائر إلى المجثم، ثم قلت بهدوء.
“ادخل يا ليو.”
وما إن أذنت، حتى فُتح الباب قليلاً وأطلّ منه رأس ليو، وهو يرمش بعينيه بفضول:
“كيف عرفتِ إنه أنا؟”
ابتسمت.
“هناك طرق كثيرة لأعرف.”
فالحق أنني أستطيع تمييز خطواته من وراء الباب، فكيف لا أميّزه من طرقة يده؟
ثم أطلّ بجسده من خلف الباب، وعلى وجهه مزيج من التوتر والبهجة، وقال بحماسة.
“لقد انتهيت من الاستعداد!”
وما إن نطق، حتى ارتسم أمام عينيّ إشعار النظام.
[المهمة] [ الأكاديمية الملكية في بيلهيرن] – مكتملة
[لقد اجتاز النجم البطل امتحان القبول في قسم المبارزة بالأكاديمية الملكية بيلهيرن، واستُقبِل رسميًا في يومه الدراسي الأول.]
المكافأة: [100 قطعة نقدية].
ذلك الربيع، لم يجتز ليو امتحان القبول بسلام وحسب، بل حقق إنجازًا باهرًا حين دخل الأكاديمية الأول على دفعته.
تشيري قد لا يُحسن التعبير، لكنه ربّى تلميذًا واحدًا أحسن تربية.
مددت يدي بعاطفةٍ لأعدّل ربطة عنق ليو، وقد ارتدى بزّته المدرسية الجديدة، ثم سألته بلطف
“ليو، ماذا أوصيتك أن تفعل في الأكاديمية؟”
“أن أصادق الكثير من الأصدقاء!”
“بالضبط، فلا بأس إن لم تجهد نفسك في الدروس، الأهم أن تلتقي بالكثير من الناس وتجرب ما تشاء، أليس كذلك؟”
“نعم!”
وبينما أرتب ياقة بزته، لمحت خلف عنقه علامة صغيرة على هيئة نجمة.
كانت تلك هي شهادة النجم البطل.
ظننتُ في بادئ الأمر أنها وُلدت مع بطل القصة، كما في اللعبة.
لكن بعد أن أصبحت رسميًا وصية لليو من خلال «وثيقة التبني»، أدركت حقيقتها.
[تُمنح شهادة نجم البطل للبطل حين يعترف به النظام].
لكن… لأي غرض تُمنح هذه العلامة؟
كأنها خُلقت لتثبت أمام الآخرين أنه بطلٌ مميز، متى ما اضطر لإظهار ذلك.
امتدّت إلى نفسي غصّة، فأخذت أفرك العلامة بخفة، كمن يحاول محو لونٍ من على ورق
. فارتجف كتفا ليو وانفجر ضاحكًا:
“ههه! يالها من دغدغة يا سيدة بليندا!”
ابتسمت، وقد لاحظت أن توتره بدأ يزول.
“…الآن فقط أراك أكثر ارتياحًا.”
نزعت يدي عن رقبته، ونزلنا معًا إلى الطابق الأول.
كان العربة في انتظارنا عند الملحق، وبجانبها وقف إيان راتشيل، ابن عائلة راتشيل، الذي اجتاز هو الآخر القبول في الأكاديمية.
كالعادة، كان متجهّم الوجه.
“سعيد بلقائك يا سيدة بلانش.”
ثم ألقى بنظرة سريعة نحو ليو، لم تتجاوز كونها تحية عابرة.
رغم أن إيان كان يتردد على قصر بلانش في مسألة الرعاية المالية، ويلتقي ليو غير مرّة، إلا أن صداقتهما لم تتجاوز حدود المجاملة، على خلاف ما كنتُ أرجو.
“إذاً، سنعود قريبًا!”
أطلق ليو تحية مفعمة بالثقة، وصعد إلى العربة مع إيان، ظللت واقفة أتابع العربة حتى غابت عن ناظري.
عندها، رفعت تيري مظلتها فوقي وقالت بلطف.
“أأنتِ قلقة عليهم؟”
… لو قلت إنني لا أقلق، لكنت كاذبة.
أخشى أن يسمع ليو كلمات قاسية من أحد، فينطوي وحده باكيًا.
الأطفال أحيانًا ببراءتهم الجاهلة يكونون الأشد قسوة.
لو أُتيح لي الأمر، لبسطت رجالي في الأكاديمية كلها، كي لا يمس أحد شعرة من رأسه!
لكن…
قالت تيري بثقة.
“ليو قوي ، أن تثقي به هو أيضًا ما يحتاجه.”
ابتسمت بمرارة، متذكرة كلام رجلٍ ما: أن الثقة بالطفل هي أحيانًا خير عون له.
“…لا تقلقي.”
“بالطبع، فبعكسك يا سيدتي، ليو اجتماعي وسيتأقلم سريعًا، بل سيعود إلينا بصحبة أصدقاء كثيرين.”
انتبهت إلى مغزى كلامها… هل يعني أنني بلا أصدقاء؟!
رمقتها بنظرة باردة، فسارعت إلى تدارك نفسها “أقصد، لقد تعلّم منك كيف يصادق الناس، لذا سينجح هو أيضًا!”
عندها توقفت خطاي فجأة…
“…هل أبدو لك وكأن لدي أصدقاء؟”
“ألستِ كذلك؟ كنت أظن أن علاقتك بالآنسة أوفيليا إذ تلتقين بها أسبوعيًا دليل على انسجامكما، تبدوان سعيدتين معًا.”
في الواقع، نعم… اللقاءات بها ممتعة على نحو غريب.
نادرًا ما أجد من يشارك أفكاري وقيمي بهذا التوافق.
وحين ننغمس في الحديث، كثيرًا ما أنسى هدفي الأصلي.
أدركت تيري ارتباكي، فقالت بحذر. “هل ألغِي موعد شاي ما بعد الظهر مع الآنسة أوفيليا؟”
“…لا، لا داعي لذلك.”
فقد حان الوقت حقًا أن أقرر ما إذا كانت أوفيليا فيرمان صديقة أم عدوة.
***
قبل شهرين، حين بادرت أوفيليا بالاعتذار عن سوء تفاهم تسبب في كلمات جارحة، لم أظن أن لقاءاتنا ستطول هكذا.
“أرجو معذرتي… إنني أعاني من عادة التطفل، أحاول إصلاحها، لكنني ما إن أُدرك، أجد نفسي قد تصرفت بالفعل.”
“بالمناسبة، هل تتذكرين عندما رجحتِ لي محل حلويات فاخر هنا في العاصمة؟”
“تذكرت ما قلتِه عن حب ليو للحلويات بنكهة الليمون، فحضّرت له شارلوت بالليمون {حلى فرنسي} أيمكن أن تتقبليها مني؟”
في البداية، كنت ألتقيها بدافع الريبة فقط.
أردت أن أعرف حقيقتها.
فهي ليست وصية رسمية على ليو، ولا أحد يعلم كيف يمكن أن تؤثر على مستقبله.
وربما… كانت هي الأخرى شخصًا متجسّدًا من عالم آخر، مثلي.
لكن سرعان ما وَجَدتُني أجلس معها مرّتين أو ثلاثًا كل أسبوع، أستمتع بشاي الظهيرة معها.
“ثم فجأة قالوا لي إن عليّ الزواج برجل لم أره في حياتي! وأنا… كنت أريد زواجًا عن حب.”
“زواج الحب… نعم، جميل.”
“ألم أقل! كنت أعلم أن الماركيزة مثلك ستفهم.”
وكانت تلمع عيناها الوردية فرحًا، وهي تجد فيّ من يشاركها الرأي.
“ولهذا جئت إلى المملكة، أردت أن أعيش حياتي الوحيدة وفق اختياري!”
وافقتها بصدق، وأنا أرتشف من فنجاني.
كيف لإنسان أن يتزوج بشريك لا يعرفه؟ والاختلاف في الطباع وحده كافٍ ليكون السبب الأول في الطلاق…
التعليقات لهذا الفصل " 137"