لم تكن تحية مألوفة في تقاليد المملكة، لكنها بدت شديدة الرشاقة.
“اسمي أوفيليا فيرمان، وإن لم يكن في ذلك تطفّل… أود أن أعوّضك عن إساءتي اليوم بدعوتك لاحقًا لشرب الشاي، أيمكنني ذلك؟”
كان وجهها في تلك اللحظة صافيًا كالماء، خالياً من أي ظل.
وأدركت فجأة أنني لا أعرف شيئًا عن أوفيليا هذه.
ففي هيرومي، كانت مجرّد انعكاس للاعب. أي أنّ ما رأيته من أفكارها وأفعالها لم يكن يعكس ذاتها الحقيقية.
هنا، في هذا العالم، أنا أجهل كليًّا ماهيتها، وربما أكثر مما أجهل نفسي.
ومع ذلك، ولحسن الحظ، لم يُبدِ النظام أي مؤشر إلى اعتبارها وصية على ليو.
لذا ربما من الأفضل أن أراقبها عن كثب أولًا.
بادلتها التحيّة النبيلة نفسها، بانحناءة رشيقة: “أنا بليندا بلانش، ان أرسلتي بطاقة الدعوة إلى قصر آل بلانش، فسأحضر في الوقت المحدد.”
بعد تبادل الأسماء، استدارت أوفيليا بلا تردّد ومضت بخطى ثابتة، كما لو كان أمامها هدف واضح لا يحيد.
وقفتُ أتابع ظهرها المبتعد طويلًا، ثم سمعت تيري تسألني بهمس وقد لمحت وجهي المتأمل.
“هل تعرفينها يا سيدتي؟”
تذكرت أنني في وقت مضى كنت أظن أنني أعرفها، بل كنت مستعدة لتسليم ليو إليها. أما الآن…
فقلت بحزم.
“لا، إنها غريبة عني تمامًا.”
كانت حقًّا غريبة.
غريبة كل الغرابة.
***
في المعبد ، الإمبراطورية المقدّسة.
قال أحد المساعدين وهو يقدّم أوراقًا لرجل يتأمل المشهد من نافذة عالية.
“حضرة الكاردينال ، لقد جمعتُ الوثائق التي طلبتها.”
كان جوزيبي، وقد أخفى هويته لسنوات متنكرًا ككاهن بسيط يجوب معابد مملكة كزينوس في رحلة حج طويلة، ورغم ذلك، بدت هيبته تتجلّى في طهارة زيّه ومهابته.
ألقى نظرة سريعة على الأوراق، ثم قال بنبرة هادئة راضية.
“هذا القدر من الفساد يكفي لإسقاط المسؤول الأعلى في كنيسة كزينوس… أحسنت.” غير أن ابتسامة الثناء منه لم تُذهب الحزن عن وجه ليونيل، مرافقه.
فما اُستقبل به جوزيبي عند عودته من الحج لم يكن سوى خبر عزله من منصبه.
الذريعة: أنه أسرف في استخدام قواه حتى أضرّ ببصره، فلم يعد مؤهَّلًا ككاردينال يحمي الإمبراطورية.
لكن الجميع يعلم أن السبب الحقيقي لم يكن هذا.
رغم أن جوزيبي فقد جزءًا من بصره، إلا أنه كان يمتلك قوة مقدسة تليق بالبابا، وكان قادرًا على استخدام رمح الشهاب الذي لا يستطيع أيٌّ كان استعماله، كما كان نزيهًا إلى درجة لم يرتكب فيها ذنبًا واحدًا طوال حياته.
ومع ذلك، فإن ما دفعهم إلى الإطاحة بجوزيبي هو أن رمحه كان كثيرًا ما يضرب بلا رحمة المفسدين داخل الإمبراطورية، دون أن يفرق أو يتساهل معهم.
وفي النهاية، غادر جوزيبي الإمبراطورية، ليقَرّر تعيينه كـ الكاهن الأعلى لمملكة كزينوس.
كان ليونيل قد همّ بالاعتراض على هذا القرار حتى لو كلّفه جميع مناصبه، لكن جوزيبي أوقفه بابتسامته المألوفة.
حينها فقط أدرك ليونيل أن سيده كان يتوقع هذا المصير منذ البداية، بل ذهب إلى كزينوس في رحلة الحج وهو على يقين بما سيؤول إليه أمره.
فقد أراد أن يطهّر الكنيسة هناك من كل كاهن فاسد، بلا استثناء.
خلع جوزيبي نظارته، ومسح عينيه المتعبتين، ثم نادى بهدوء.
“السير ليونيل.”
“نعم، يا حضرة الكاردينال.”
قال بصوت عميق.
“أحيانًا، حين نؤدي واجبنا، يكون لزامًا علينا أن نغادر حتى وطننا.”
كان ليونيل تابعًا له، لكنه أيضًا قائد فرسان الكاردينال، لذلك لم يكن بمقدوره أن يرافقه إلى كزينوس.
وقد ترقّب أن يطلب منه سيده أن يلحق به، لكن كلماته التالية بدّدت الأمل.
“اوعدني… أن تبقى هنا في الإمبراطورية لِبعد ثماني سنوات من اليوم.”
كانت عبارة غامضة، فأجاب ليونيل بمرارة، ثم تشجّع ليسأل ما كان يخفيه في قلبه طويلًا.
“اسمح لي أن أسألك بصراحة هذه المرّة، ما الذي سيحدث بعد ثماني سنوات؟”
ابتسم جوزيبي ابتسامة باهتة وأجاب.
“أحيانًا يكون جهل المستقبل أفضل من معرفته.”
ثم أنزل الوشاح الرقيق الذي كان يغطي شعره ليغطي به وجهه أيضًا.
وعبر ذهنه، مرّ شريط لمستقبل لا يستطيع البوح به حتى لأوفى رجاله.
حاجز الغابة ينهار، وحشود من الوحوش الشيطانية تتدفّق، وفي مقدمتها ملك الشياطين، متوَّجًا بتاج رهيب.
ثم… زوال البشرية.
لقد رأى ذلك المصير منذ طفولته. وكان يدرك أن أي محاولة لمنعه قد تصبح بدورها جزءًا من النبوءة، لذلك ظل صامتًا.
لكن… لم يعد بإمكانه الانتظار.
فقد لفت نظره سطر صغير في تقرير بيده.
قرية كان يفترض أن تُدفن في انهيار جبلي، لكن أعيد بناؤها ونجا أهلها.
“لأول مرة… النبوءة أخطأت.”
وكم كان عظيمًا ذلك الأمل الذي استشفّه من جملة واحدة!
وهكذا، اتجه جوزيبي إلى مملكة كزينوس، متشبّثًا بذلك الخيط الرفيع من الرجاء.
التعليقات لهذا الفصل " 136"