الفصل 13 – الحلقة 127
“سيدتي، هل لي بكلمة؟”
كان ذلك بعدما خلعت فستاني الأسود المعتاد، وتأنقت على غير العادة، أرسلت الخادمات بعيدًا وبدأت أعدل من مظهري أمام المرآة.
تيري، التي كانت تساعدني في ترتيب الزينة الموضوعة على رأسي، سألتني بصوت خافت.
تلاقت نظراتنا عبر المرآة، وجهها، الذي بدا ناعمًا لدرجة لا تُصدق بالنسبة لقاتلة محترفة، بات يحمل ندبة صغيرة.
الندبة كانت تمتد بشكل واضح عبر حاجبها الأيمن وجفنها، ما جعلها بارزة للعيان.
مرّ على إصابتها أكثر من يوم، لذا لم يكن بوسع الأكسير أن يداويها بالكامل، تاركًا خلفه أثرًا دائمًا.
حولت بصري عن الندبة بصعوبة، وأومأت لها.
“تحدثي.”
“هممم، أنا عادة لا أجيد المجاملات، لكن لا بد لي من قول هذا… إنكِ تبدين اليوم في منتهى الجمـ…”
“مثل الملكة تمامًا!” قاطعها ليو الذي كان يدور حولي منذ قليل، يلمع في عينيه بريق الإعجاب.
كلماته تلك… جعلتني أرغب في عضه من شدّة لطافته، كبحت مشاعري العنيفة ومددت يدي لأعبث بخده بلطف.
“يا حبة الكستناء، حتى وجنتاك تبدوان طريّتين ولذيذتين أكثر من المعتاد.”
ارتسمت على وجه ليو تعابير صدمة، وعبس بشفتيه، لكنه لم يتزحزح عن لمستي.
يا إلهي، كم هو لطيف… ولهذا لا يمكنني التوقف عن مضايقته!
ربّتُ على رأسه لأرضيه وأعيد له مزاجه المرح، ثم التفتُ مجددًا إلى تيري.
“ما الذي كنتِ تقولينه للتو؟”
أطلقت تيري تنهيدة خفيفة ورفعت كتفيها.
“كنت فقط أريد القول إن هذه الندبة، بالنسبة لأهل الأحياء الفقيرة مثلي، تُعتبر وسام فخر، في الواقع، أشعر بالرضا، طوال حياتي كنت قوية لدرجة أنني لم أُصب بأي ندبة تُذكر.”
كانت تنوي قول شيء آخر، لكنني قررت تجاوز الأمر بصمت.
يبدو أنها شعرت بأنني متأثرة بندبتها أكثر مما أظهر.
“رجعتِ وأنتِ مصابة، ولدى لسانكِ الجرأة للتفوه بالهراء؟ تقدّمي أمامي، هيا.”
إن كانت تعلم ما أشعر به، فالأجدر أن تعود دون أن تُصاب، يكفي ما في قلبي من ضيق.
بشيء من التذمر، صفّفت ملابسي ونهضت واقفة.
عند الباب، كان السير بيناديل ينتظرني، فمددت له ذراعي تلقائيًا ليرافقني وسألته:
“ما رأيك، سيدي؟”
لم يكن هناك ايّ مأدبة رسمية اليوم، لكنني بذلت جهدًا خاصًا في مظهري، لأنه يوم مهم جدًا بالنسبة لي.
ظننت أنه حتى رجل بارد مثل السير بيناديل لن يستطيع تجاهل ذلك.
وبالفعل، بدا أن عضلات فكه قد تصلبت فجأة.
“أنتِ جميلة جدًا…”
يا للعجب، قال شيئًا لطيفًا!
“وماذا بعد؟”
“وجمالكِ ساحر…”
“………… وماذا أيضًا؟”
“جميلة.”
آه… نسيت لوهلة أنني أتعامل مع آلة محدودة المدخلات والمخرجات.
“فهمتُ، لكن في المستقبل، حين تسألك امرأة مثل هذا السؤال، عليك أن تُفصّل قليلاً، فهمت؟”
“نعم، سيدتي.”
على الأقل، هو يُجيد الإجابة دائمًا.
هززت رأسي بيأس ثم نظرت من النافذة. رأيت عدة عربات تمر عبر البوابة الرئيسية وتتجه نحو القصر.
لم أعد أشعر بالتوتر أو الخوف، بل كان في داخلي شعورٌ مبهج ومُنتشٍ، فتحركت بخفة.
***
بعد إعدام شوفيل، سادت الفوضى في قصر بلانش.
الخدم وقفوا عاجزين، يتبادلون النظرات مع رئيس الخدم ورئيسة الخادمات كأطفال لا يعرفون ما يفعلونه.
لكن حتى هذين الاثنين لم يكن بيديهما شيء.
فرغم أنهما يتحكمان بسير العمل في القصر، إلا أنهما في النهاية مجرد موظفين ينتظرون الأوامر.
ببساطة، القصر كان بحاجة إلى شخص يُصدر الأوامر.
عندها، ظهرت بليندا بلانش.
دخلت القصر الكبير بصحبة ثلاثة دوبرمان، وكأنها كانت تستعد لهذه اللحظة منذ أمد بعيد، وبدأت تُنهي كل ما تُرك من مهام معلّقة تخص العائلة.
وأول ما فعلته كان استدعاء جميع الموظفين وطرد من شهد ضدها في المحكمة المقدسة.
لم تُعطهم حتى مستحقات نهاية الخدمة أو خطاب توصية، لذا قد رحلوا وهم يجرّون حقائبهم بوجوه يائسة.
أما التمرد، فقد حدث حين أقالت أيضًا من شهد ضد شوفيل في محكمة القصر الملكي.
أولئك الذين كانوا يأملون في مكافأة سخية منها، فوجئوا وكأن السماء قد سقطت فوق رؤوسهم.
لكن بليندا قطعت احتجاجهم بكلمة واحدة:
“كان بأمكانهم رفض الاستدعاء، ومع ذلك لبّوه وأدلوا بشهادات أهانت سيّدهم علنًا، أأُبقي على أمثالهم بقربي؟”
لم تكن تطلب ولاءً يصل لدرجة التفاني بالحياة، لكنها أرادت التمييز بين من يُحسن حفظ لسانه ومن لا يفعل.
وبناء على هذا المبدأ، فَقَد الكثيرون وظائفهم.
“يا رئيس الخدم، من الآن فصاعدًا، المسائل المهمة تُنقل إليّ أو إلى مساعدتي.”
“مساعدتك؟ تقصدين السيدة تيري؟”
“نظرك حاد أكثر مما ظننت.”
ثم أضافت:
“أعلم أن عددًا كبيرًا من الموظفين قد غادر، وسنكون مشغولين لبعض الوقت، لكن ذلك لا يعني أن أي فعالية ستتأجل أو تُلغى.”
“سيدتي، أقصد… نائبة ربّ العائلة…”
ظهر على رئيس الخدم ارتباك حقيقي وهو يحاول اختيار اللقب المناسب، لكنه استطاع أن يُكمل:
“هل تعنين… الاجتماع الشهري الأول لهذا الربيع؟”
“أحسنت التذكير، أرسل الدعوات إلى راتشيل، ودوكوف، وسيلفيو، وحتى إلى أبناء الفروع الثانوية من العائلة، سنُري الذئاب الطامعة أنني ما زلت واقفة، لا مجال للخطأ.”
رئيس الخدم بلع ريقه وهز رأسه بالموافقة.
بمهارة فائقة، ضبطت بليندا الشؤون الداخلية، وسيطرت على النفوذ الخارجي.
عندها فقط تذكّر رئيس الخدم أن بليندا تلقت تدريبًا لتكون وريثة في وقتٍ ما من الماضي.
وبهذا، بدأت الاستعدادات للاجتماع الشهري تُجرى على قدم وساق.
***
وفي يوم الاجتماع.
حين دخل الضيوف المدعوون، بدأ يتضح لهم أن هذا اليوم سيكون حاسمًا في تعيين الوريث الجديد لعائلة بلانش.
فشوفيل أُعدم دون أن يترك وصية، وتبيّن لاحقًا أنه لم يكن وريثًا شرعيًا من الأصل.
ربما، أخيرًا، سيحصل أحدهم على عرش الذهب الغنيّ لعائلة بلانش.
هكذا كانت تطمح الفروع الثانوية من العائلة.
‘بليندا بلانش أيقظت قدرة العائلة… ربما سيكون من الصعب انتزاع الوراثة منها.’
لكنها لا تزال صغيرة ومغرورة.
يمكن تملقها وجعلها دميةً في أيديهم.
دخلوا الاجتماع بخططهم تلك، ولكن وجوههم تقلّبت حين رأوا بليندا تجلس بكل ثقة على المقعد الأعلى، كما لو كان ذلك طبيعيًا.
“آنسة بليندا، لم يمر حتى أسبوع على إعدام شوفيل بلانش، ألن يكون من الحكمة أن تتركي هذا المقعد فارغًا احترامًا له؟”
نظرت بليندا إلى المتحدث مليًا، ثم أطلقت تعبيرًا ساخرًا:
“أوه، زوج ابنة جدّي الثالثة، أليس كذلك؟”
“…أليس من الأفضل أن تناديني بخالة عمّك؟ هكذا يبدو أقرب.”
“ممم، لا أظن أنني أرغب بالقرابة مع من يُدافع عن مجرم، أظن أنه من الأفضل أن تبقى العلاقة بيننا بعيدة، تفضل بالجلوس في أقصى الطرف هناك.”
عض الرجل شفتيه، لكنه لم يجرؤ على الاعتراض.
ثم طُرحت مسألة تعيين الوريث الجديد رسميًا.
وقبل أن يتمكن أفراد الفروع من تقديم اقتراحهم بشأن الابن الثاني للجدّ الأكبر، سبقهم راتشيل بالكلام.
“إن موسيقى النصر لعائلة راتشيل ستُكرّس من الآن فصاعدًا لتمجيد بليندا بلانش وحدها.”
جن جنون الجميع.
حين تمت محاكمة شوفيل، أمطروا رؤساء عائلات راتشيل، سيلفيو، ودوكوف بالرشاوى.
فقط دوكوف أعاد الهدايا ورفض التورّط.
أما راتشيل وسيلفيو، فظنوا أنهما قد استُميلتا.
لكن الآن، راتشيل أخذت الرشوة وخانتهم!
‘لا بأس، ما زالت سيلفيو ودوكوف…’
لكن دوكوف، الذي ظلّ صامتًا بوجه مكفهر، رفع يده وتحدث:
“دوكوف أيضًا، يختار بليندا بلانش كأثمن قيمة في ميزان الذهب.”
“ماذا؟!”
انفجر أحدهم غاضبًا ونهض من مقعده.
بليندا التي كانت تراقبهم بهدوء أمالت رأسها نحوه وسألته:
“ابن عم جدّي الثاني، هل لديك شيء لتقوله؟”
“أ-أنا… لا أقبل بذلك!”
“مفهوم، لكن… ثم ماذا؟”
“…ماذا؟”
“هذا الاجتماع ليس لسماع آرائكم، كل ما عليكم فعله هو التزام الصمت والاستماع للقرار.”
“يا لكِ من وقحة، آنسة بليندا! نحن أقاربكِ!”
انفجر الرجل واقترب منها وكأنه على وشك مهاجمتها، لكن رجلًا ضخمًا كالدب الأبيض تنحنح ودخل الحديث.
“لا داعي لكل هذا الانفعال.”
رغم ملامحه الطيبة، كان جسده الضخم كافيًا لجعل الغاضب يتراجع قليلًا.
“ومن تكون أنت؟”
“الابن الأكبر لرئيس عائلة سيلفيو، أشارك اليوم نيابةً عن والدي الذي يعاني من وعكة صحية.”
وبهذه الجملة، اجتذب كل الأنظار إليه.
وبدا عليه أنه مستثقل لهذا الاهتمام، فأطلق عدة سعال قبل أن يبدأ كلامه…
التعليقات لهذا الفصل " 127"