الطالِب الذي صادفته في ممر الجناح الجانبي كان قد حذّر من الأفضل ألا يعرف الحقيقة، لكنّي كنت أنا من أصرّت على منعه وأجبرته على كشفها في النهاية.
لذلك، لا يمكن لوم أي شخص، ومع ذلك شعرت بالندم على تجاهلي لتحذيره.
كان ذلك الرجل من الطلاب الذين تم اختيارهم مع توبياس للمجيء إلى الدوقية، وربما كان ما أرسله توبي إليّ في رسالةٍ سابقة يتضمن شيئًا عن ذلك.
لم أسمع القصة كاملة، قال بضع جملٍ فقط.
أولها أنّ توبياس كان لديه شخص يحبّه……
وأشار إلى أنّه لا يوجد طالبٌ في الدوقية لا يعلم أنّها ستأتي قريبًا.
ثم ذكر حادثةً، حين خرجوا جميعًا لتناول العشاء بمناسبة عيد ميلاد أحد الزملاء، وشاهدوا ثمرة سُكرٍ يثير الفوضى، وحين حاول توبياس التدخل، تورّط في الشجار.
نتيجة ذلك، سقط بطريقة مروّعة خارج النافذة…… ولسوء الحظ، كان المكان أحد أشهر المطاعم في لُنووس. علمًا أنّه مطعمٌ مكوّن من ثلاثة طوابق، والطريق أمامه مزدحم بالعربات طوال السنة……
حين وصلتُ إلى هذا الجزء، طلبتُ منه ألّا يواصل السرد. كانت مضحكة، فقد كنتُ أنا من كنتُ توسلت لسماع التفاصيل من قبل.
أنهى الرجل كلامه مؤكدًا أنّ ‘هذه القصة سرّية، فلتتظاهر بأنك لا تعرفين شيئًا’.
عندما سألت بحذر عمّا إذا كان الحادث مرتبطًا بآلان، لم يجب، لكنني رأيت بوضوح الخوف في عينيه قبل أن يدير ظهره.
عدتُ أدراجي إلى غرفتي بدلًا من صالة الطعام. شعرتُ أن ساندرا لاحظتُ عدم استقراري، فلم تعلق، مما سمح لي بالمشي بصمت.
عضّيتُ شفتي مرارًا، ملامسةً شعور الندم على نسياني لتوبياس المسكين الذي اضطرّ للعودة إلى وطنه بسبب الحادث الفظيع.
حتى مع ذلك، كنتُ أرجو أن يكون هذا الحادث لم يكن نتيجة مكيدة من آلان ليوبولد. رغم أنّني رأيت كيف اهتزّ عند سماع اسمه، لم أستطع تصديق أنّه تورّط.
كان طبيعيًا أن أشعر بالاشمئزاز من نفسي. لقد حظيتُ بأقصى درجات الرفاهية في منزل آلان ليوبولد، وشربت أحيانًا معه، تناولت الطعام معه، تقاسمت القبلة، وتُفهمتُ كفتاته، وغرقت في تلك اللحظات الحالمة، مدفونةً عزيمتي للتخلص منه في أعماق قلبي……
لم أعد أملك الحق في الصراخ بأن وجودي هنا لم يكن بإرادتي.
خارج الجناح كانت العاصمة الغريبة تموج بأحداث لم أعرفها، ولم يكن لديّ الشجاعة لأعيش مكان شخص آخر وأدّيه.
حلمي بالدراسة بالخارج كان كبيرًا، لكن مجرد التفكير في الذهاب وحدي إلى الأكاديمية كان مخيفًا، حتى أنّني رغبت في التمسك بالقول أنّ الأكاديمية ليست بمرافق جيدة كدرعٍ واقٍ.
كل هذا كان بسبب ضعفي، وكان يجب أن يكون كذلك.
لم يكن صعبًا أن أتخيل نفسي مستسلمة لآلان ليوبولد، ممسكةً بقيوده، لهذا شعرت بالخوف. لم يكن لديّ أي رغبة في الابتعاد عنه، وكان عليّ أن أؤمن بذلك لأتحمل هذا التناقض.
حتى لو غطّتني تلك الحقيقة الدافئة واللطيفة، كنتُ أعلم أنّ آلان ليوبولد قادر على تدبير أي مكيدة ببراعة.
بل إنه وريث ثروة وسلطة كبيرة، وقادر على التعامل مع أي شخص دون أن يلوث أصابعه، كما يفعل دائمًا بوجهٍ هادئ.
لذلك، لا تنسي، مِيلِيسَا.
لقد حذّرني بالفعل عبر رسالة بأن أبتعد عن توبي، وعندما تجاهلت التحذير، استغلّ انتخاب الطلاب لتوبياس كذريعة لأخذه إلى لُنووا.
كنتُ أريد أن أصرخ من شعوري بالغباء لرغبتي في تصديق أنّ الحادث لم يكن بأمرٍ من آلان.
أرجوك، لا تحبّيه مجددًا.
لا تنسي ما فعله.
لا تفتقدي حرارة وملمس شفتيه.
قاومي تلك المشاعر……
قضيت يومي وسط أفكارٍ معقدة لا يمكن تنظيمها أو تعريفها. ومع هذا الضجيج الداخلي، لم أستطع الكتابة أو القراءة.
حاولتُ كتابة اليوميات لتخفيف شعوري، لكن سرعان ما تراجعت. ما كنتُ لأدون سوى انطباعات باردة عن قبلةٍ أولى وكابوس الحادث الذي ألمّ بتوبياس ميلر.
لم أرغب في ترك أي شيء على الورق. شعرت بالخيبة.
طلبت من ساندرا التخلص من زهور الفريزيا في المزهرية، لكنّها توسّلت بعيون واسعة ألا أتخلص منها. شعرت بالعجز والمعاناة أمام هذا الطلب.
“إذًا، ضعيها حيث لا أراها. أي مكان سيكون جيدًا.”
“نعم، سيدتي…….”
في تلك الليلة، حلمتُ مجددًا بعد وقت طويل. كان حلمًا بأحد الرجال الطويلين والجميلين، بشعرٍ أحمر يتطاير فوق قناع أبيض، يطارِدني.
ماذا كان سيحدث لو أمسك بي؟ لا أتذكر، لكن ربما الموت أو شيء فظيع مشابه.
ركضتُ في الظلام الدامس، وكأن آلاف السكاكين تمزّق رئتيّ. كان طعم الدم في حلقي حقيقيًا، ونفَسي يختنق حتى أصبح صراخًا. كانت تلك لحظة خوف لم أرغب في تذكرها أبدًا.
—
لقد جاء آلان إلى المنزل بعد سنوات عديدة. لم تستطع مونيكا إخفاء دهشتها وفرحتها.
“آلان!”
وقف مقابل البوابة، والغياب الشمسي خلفه، وشعره الأسود كالليل، وزيّه الأنيق بلون مماثل، تتخلله حواف حمراء خافتة. مشهد أشبه بالرسم جعل قلب مونيكا يفيض.
لو كان بإمكانها رؤية ذلك كل صباح ومساء، لكان أمنيتها الوحيدة.
حتى في نسيم صيفي دافئ، بدا آلان ليوبولد أكثر برودة من الشتاء، بلا إحساس، كتمثالٍ من الثلج الأبيض.
“حسنًا، لقد عدت…….”
كانت مونيكا تخاف أن يختفي أمام عينيها، فاندفعت إليه مسرعة، شاعرة بالأمان كما لو كانت في الجنة.
“اتركيني، مونيكا.”
فصلها بسهولة، وتجاوز الخدم المنحنيين أمامه، ودخل القصر. لمحت عيناها الزرقاوان لمحةً من القلق، لكنها سرعان ما ضبطت تعبيرها وتبعته.
قادتها الخادمة إلى غرفة الاستقبال، حيث جلس آلان على أريكة زرقاء داكنة. وبشكل متزامن، ركع خادم آخر بجانبه، أشعل السيجار وأشعل النار.
جلست مونيكا مقابله، شعرها الأحمر مضفورًا على كتفها، وارتدت فستانًا أخضر شفافًا يبرز بشرتها، كزهرة تتساقط بتألق.
“ستبقين هنا؟ هل يجب أن نبدأ بالعشاء؟”
حتى الزهور كانت تخفض رأسها أمام سحرها، ومع ذلك، كانت نظرتها تتبع أصابعها المزينة بالسيجار وشفتيها المتلألئة بالدخان الأحمر.
هو لم يجب بل بدأ بالمباشرة.
“لقد جئت إلى منزلي؟”
“آلان، أنا――”
“لماذا تحاولين اختبار الحدود.”
قبض على السيجار بوجه عابس، وكأنّه يعبث. لم تستطع مونيكا مقاومة رغبتها في الاقتراب، لكنها صمتت.
“……حقًا جئت لهذا الغرض؟”
“كلام بديهي.”
“هاه…… هل أخبرتك تلك المرأة؟ كيف سأقبل أنّ السبب وراء قدومك بعد سنوات هو تلك المرأة؟”
“لا تقبليه، استمعي فقط.”
ابتلعت مونيكا كلماتها، مُطمئنة نفسها بأنّه لم يغضب بشدة.
بالطبع، آلان لن يغضب بسبب امرأة عادية. ربما كان تحذيره غير كافٍ فقط.
تمنّت لو تعامل بنفس الطريقة مع ابنة الجنرال ريمان، لكنها صبرت. لم يكن لديها صبر لتصفح امرأة سخيفة تختبئ في جناح آلان.
إذا شعرت بالظلم، فعليها لوم نفسها.
“لماذا لم تقدميه لي؟ أن تقولّي إن هناك امرأة جاءت معي إلى الدوقية؟ لا أصدق أننا لا نعرف بعضنا.”
“عائلة.”
أجاب آلان بصوت جاف. كانت الكلمة أكثر مقززية في ذهن مونيكا.
“عائلة…….”
لكنها شعرت بالصدمة. كان يرسم حدودًا. جاءتها بنفسه، ثم أعلن بصوت بارد بسبب امرأة أخرى. جعلها هذا على حافة الانهيار.
“……حسنًا، سأفعل ما تريد.”
ابتسمت مونيكا، غير معارضة، وفتحت شفتيها الحمراء بفتنة.
“أصدقاؤك، والدتك، وحبيبتك الوحيدة……
يمكنني منحك كل شيء.”
“…….”
“أنتَ تعرف أنّي الوحيد القادر على فهمك واحتضانك، أليس كذلك، آلان…….”
ارتجفت شفاه مونيكا ضعيفة، كأنها على وشك البكاء، قبل أن يرد آلان.
“لا، هناك شخص آخر.”
“ماذا؟ من…….”
“لقد رسمتِ ذلك بنفسك.”
انفتحت عيناها على اتساعهما بدهشة.
ماذا سمعت الآن؟
“أصلحي عادتك، مونيكا، إن لم تريدي أن يحدث لك شيء.”
“ماذا……؟”
“أستطيع أن أفعل أشياء أكثر. هل تريدين أن تعرفي؟”
شعرت مونيكا بألمٍ مروع. هل سبق أن قال لها هذا؟ حتى لو طُعن قلبي، كنتُ سأكون سعيدة لو كان هو……
“ماذا تقول؟ لم أفعل شيئًا―”
“تكذبين بلا رمشة عين. الدم لا يكذب.”
وضع السيجار على صحن الكريستال، وضحك بخفوت.
“أهذه المرأة الوحيدة التي تفهمك؟ تعلم أنّ هذا مستحيل؟ تلك المرأة لا تعرف شيئًا، آلان…….”
“هذا كل ما أريد قوله.”
جلست مونيكا منتصبة، ودموع لؤلؤية بدأت تتكون في عينيها.
“قلتَ إنك لا تحبني.”
“…….”
“لماذا تؤذيني إلى هذا الحد؟ كل هذا بسبب امرأة عادية…….”
“الحب؟”
سخر آلان ببرود.
“ليس بهذا التافه.”
“…….”
ثم غادر دون أن يلتفت. ترك وراءه في غرفة الاستقبال الدخان الأبيض الرقيق والمرأة وحدها.
“وهذا العالم…….”
الحب، يا آلان.
لم تصدق الكلمات التي لم تُقال، فانهمرت دموعها على وجنتيها.
التعليقات لهذا الفصل " 82"