بينما كانت مِيلِيسَا تقترب خطوة خطوة نحو الطاولة، لم يخفِ آلان نظره عن وجهها.
لم يرمش بعينه حتى. كانت نظرات مِيلِيسَا الحزينة موجهة إلى الأرض، إلا أنّها كلما اقتربت بدا أثرٌ أحمر باهت على داخل ذقنها واضحًا. شعر آلان بأنّ شعوره بالاستياء يتضخّم.
وعندما جلست مِيلِيسَا أمامه بدلًا من جانبه، سمع صوت تهاوي عقله. فقد قضى يومًا كاملًا أشبه بالحرب وسط أشخاص لا يطيقهم.
“اقتربي إلى جانبي.”
لم تُجب مِيلِيسَا، ولم ترفع جسدها، بل خفضت رأسها فقط. تساقطت خصلات شعرها البني الناعم مثل الأمواج، وكانت كتفاها الرقيقان يرتجفان خفّة.
“هل عضّيتِ لسانك؟”
“……”
لم يكن قصد كلامه أن يثير بكاءً، ولكن فجأة انفجرت دموع مِيلِيسَا. شعرت بالدهشة وكأنّه قد صُدم بشدة. كان شعورًا غريبًا، بين الاشمئزاز والانزعاج.
أطلق آلان زفرة منخفضة طويلة.
“……لماذا.”
مسحت مِيلِيسَا دموعها بكفها دون إجابة، وظلت كتفاها تهتز بين الحين والآخر، ورأسها لم يُرفع. عندها تكشّفت على ساعديها آثار حمراء تحت الأكمام المائية الرقيقة، وهي تلتف حتى الكوع.
شعر آلان بإزعاج شديد. لم يستطع تحديد سبب شعوره بالغضب: هل لأنها تتصرف وكأنّه لا يراها، أم لأنها ما زالت تحمل جروحًا صغيرة رغم أمانها؟
“عليكِ أن تتحدثي لأعرف، مِيلِيسَا. هل تريدين أن تجهدي نفسك معي أيضًا؟”
خرج صوته بقوة لم يقصدها، فارتجفت كتف مِيلِيسَا، ثم رفعت رأسها على مضض.
التقت عيناها البنيتان المبللتان بالدموع بعينيه. بدا عليها الارتباك، وكأنها لا تعرف سبب بكائها.
“……أنا أكرهك.”
“ها.”
التوى شفاهها الحمراء الباردة بتجهم. أمسك آلان بها ببرود شديد، مستندًا إلى ظهر الكرسي.
“كم مضى منذ أن قلت إنك تريدين تناول العشاء معي يوميًا، وأن أشتري لك الزهور؟”
كان صوته هادئًا، لكن عينيه القاربتان من الصقيع تحدقان بها كسيف. أدركت مِيلِيسَا فورًا أنّ تصرفها أغضبه، لكنها لم تتراجع.
قبضت مِيلِيسَا على قبضتيها فوق الطاولة.
“جاءت امرأة تقول إنّها حبيبتك……. وأمرتني أن أغادر فورًا. لذلك…… يجب أن أذهب الآن.”
“……ماذا؟”
“حاولت أن أتخلص من ذلك، لكن لم أستطع. ما زلت لا أفهم لماذا عليّ أن أتحمل هذا…… لو لم تكن أنت، لما واجهت تلك الذكريات المؤلمة……”
كانت مِيلِيسَا تحدق فيه بعينين مليئتين بالغضب، ولكن لم يكن الغضب وحده؛ الحزن واليأس والاشمئزاز كلها كانت واضحة في عينيها البنيتين الشفافيتين.
تذكر آلان أول مرة لاحظ وجود مِيلِيسَا فيها، في إحدى حفلات القصر الملكي.
آلان، الحساس جدًا لوجود الناس حوله، شعر بنظرة تلتقطه من بين الحشود المزعجة. كانت النظرة مألوفة لكنها مزعجة، وعندما التقت عيناه بعينها، اندهش قليلًا وأسرع لإخفاء تعابيره.
كانت نظرتها مباشرة وصريحة، لكنها لطيفة كنسيم أو كأمواج. نادرًا ما يشعر آلان بأنّ عيون الآخرين صافية هكذا.
رغم ذلك، لم تقترب منه قط رغم تلك النظرات المليئة بالحنين لسنوات طويلة.
تساءل آلان إن كانت تلك مشاعر حب حارة أو شوق عميق، لكنه شعر بسخرية نفسه وهو ينتظر شيئًا لا يحدث.
عام الماضي، عندما امتلكت الشجاعة للمرة الأولى منذ سنوات، كان ذلك أمرًا مدهشًا، رغم أنّه استخدم أسلوبًا مبتذلًا: طلبت منه أن يلتقط لها كتابًا. شعر بخيبة أمل غامضة. هل هذه المرأة أيضًا ليست مختلفة؟
مع ذلك، أقنع نفسه بأنّ فيها شيئًا خاصًا، وبدأ يراقبها. كان ذلك أول خروج له عن مساره المعتاد.
منذ ذلك الحين…… حدثت أشياء كثيرة. جعلته يواجه تغييرات صغيرة وكبيرة على حد سواء.
على الرغم من تصرفاتها المتهورة أحيانًا، لم يستطع التخلي عنها. لم يستطع إنكار أنّها توفر له عزاءً لا يمكن لأي شخص آخر تقديمه.
لكن مِيلِيسَا كولينز، التي تفاجئه دائمًا، لم يظهر مثل هذا الوجه من قبل. كانت صغيرة كالطائر، بلا تهديد تقريبًا.
هل لأنه لم يعرفها بعد، أم أنّ مونيكا إلوود جعلتها تحمل سمًا في قلبها؟
“مونيكا إلوود؟”
عندما نطق الاسم، تجعّدت جبين مِيلِيسَا، وارتدت كقطة صغيرة متوترة، تتنفس بعمق.
عاد نظر آلان إلى الخطوط الحمراء على بشرتها الرقيقة.
“……تشش.”
“بسببك…… كم……”
أفرغت مِيلِيسَا تنهيدة حارة، تغمرها مشاعر الألم من صوته الجاف.
“مونيكا إلوود،”
غطّى آلان عينيه بالغضب تجاه مونيكا وفشله في منع تصرفها المفاجئ. كانت العروق الزرقاء على كفه الأبيض واضحة.
“ليست حبيبتي.”
“إذن، ماذا……”
ارتجفت قبضة مِيلِيسَا. لم تعد تريد أن تنخدع بشفتيه الحمراء ولسانه وصوته العذب. لم تعد تريد أن تشعر بالحقارة أو التفاهة.
“حتى إيهام الناس بالغباء…… اكتفي بهذا الحد……. قبل أن آتي إلى المملكة، كنت قد سمعت كم كنتما تبدوان حميمين……”
صمت ثقيل خيم بعد كلامها. بقيت عيناه الباردتان على عينيها الحمراء.
كانت مِيلِيسَا تتمنى أن يقول شيئًا، سواء اعتذار أو تفسير، لتخفيف ألم قلبها الممزق بفعل تلك المرأة.
“إنه أمر عائلي.”
لكن مِيلِيسَا أرادت سماع تفسير، لا اعتذار.
“ماذا يعني ذلك……”
“يعني قصة لا يمكن روايتها لمن هو خارج أسوار العائلة.”
أجاب، وكأنّه يرمي قلبها إلى الأرض الباردة. عنف راقٍ وأنيق، شعرت بالغضب، لكنها لم تجرؤ على تحديه باسم ليوبولد.
ثم أطلق صوتًا منخفضًا يشبه الزفرة من شفاهه الجميلة.
“لكن أريد أن أخبركِ كل شيء، فقط لكِ.”
“……”
أخرج منديلًا أبيض من معطفه، ونهض، واقترب منها. عندها تساقطت الدموع التي لم تذرف بعد ببطء على خديها.
التعليقات لهذا الفصل " 80"