لقد بَلَغَتْ عيناي من البكاء يومَ أمس حدّ الاحمرار وكأنّها ستُصْفَرّ أيّ لحظة، وكان شعورٌ بالوجع يرافق كل رمشة عين بطريقة شديدة الإزعاج.
آمُلُ أن يهدأ غدًا هذا الحال قليلًا.
“흐으으……. يا سيدتي، أرجو المعذرة بحقّ…….”
“……لا بأس.”
صحيح أنّ قول هذا وكأنّي أنظر إليها بهذه العينين لا يُقنع كثيرًا، لكنّي أيضًا لم أرغب في استرجاع أحداث الأمس. حتى أنّي لم أكتب يوميات تلك الليلة. لم أرغب في أن أترك أي أثر، حتى بحرف واحد.
بهذه المشاعر، كنت أهدئ ساندرا، التي قضت يومين متتاليين تبكي وتعتذر، بأقصى هدوء أستطيع أن أظهره على وجهي، وكأنّ حادثة البكاء أمس في غرفة الشاي بالبيت الكبير لم تحدث البتة.
“لكن…… بما أنّني لم أستطع المجيء فورًا، يا سيدتي، فقد….”
“…….”
نعم، صحيح. أنّه لم يأت أحد من بين العديد من الخدم في هذا القصر ليأخذني، كان أمرًا بائسًا بحقّ. إذ لم أستطع الخروج بسبب تمزّق ثيابي، واضطررت للبقاء في ذلك المكان المريع لساعات.
صوت المطر الذي يضرب النوافذ بعنف، والجوّ المزدحم بالرائحة الباردة، والشعور بالمهانة والعجز أمام عشيقة آلان التي لم أجرؤ على مجابهتها…… كل ذلك كان مؤلمًا بلا استثناء.
لذلك، لم يكن من الغريب أن تشعر ساندرا بالغضب قليلًا. فهي لم تكن بجانبي في تلك الساعات التي تعرضت فيها للإهانة الشديدة وأبكي بحالة من القلق.
كان هذا مناقضًا تمامًا لدورها كخادمة. كل ما كنت أريده منها، لم يكن أن تواجه مونيكا نيابة عني، بل مجرد أن أجد كتفًا أبكي عليه.
لكن عندما جاءتني مساءً، كانت تبكي بشدة وهي تغطيّني بالبطانية وتجرّني إلى غرفتي في الملحق. ملامحها، مع حواجبها البرتقالية المنتفخة، بدت كحيوان مذعور، ومثّلت ذلك كله براءة ومهانة.
كيف لي أن ألومها إذًا؟ هدأت ظهرها بلا حول مني.
أمس، كنت منهكة جدًا، وبعد الاستحمام غفوت على الفور. ومنذ أن فتحت عيني صباح اليوم، ظلت ساندرا تبكي بهذا المنظر.
“أه، يا سيدتي…… أرجوكِ سامحيني…….”
“…….”
لم أستطع طردها إذ أنّي لست سيدة المنزل، ومع ذلك، الطريقة التي تطلب بها الغفران بهذا الشدة، تُظهر أنّها تتحمل مسؤوليتها بصدق تجاه عملها.
وملامح الخوف في عينيها…… كانت موجّهة إلى مونيكا، لا إليّ.
طبعًا، شخصيتها الثرثارة كانت لتبوح بما حدث معها، لكنّها استمرت في الاعتذار دون أي حديث عن مونيكا، ما يعني أنّها تخفي شيئًا عمدًا.
قد تكون مونيكا قد أساءت إليها عندما كانت خادمة لآلان، أو شاهدتها تتصرف بوحشية، فهذا محتمل.
على أي حال، لم أكن لأتعرض لكل هذه الإهانة لو لم يكن هذا الحادث قد وقع. حركت شفتي بصوت خافت، محاولة الكلام بصوت متعب.
“……ساندرا، كل شيء مضى. كفى بكاء.”
“لكن، يا سيدتي…….”
“لكن سأسألك شيئًا واحدًا فقط. ألم تقولي أنّ لآلان لا عشيقة له؟”
“آه…….”
أجابت ساندرا، وهي مترددة ودموعها تتلألأ في عينيها:
“الشخص الذي جاء أمس…… ليس عشيقة السيد. لا أعلم ما سيحدث لاحقًا، لكن الآن…….”
“…….”
ما معنى هذا؟ هل كانت تلك المرأة تنتحل صفة العشيقة لتخيفني؟ أم أنّها مخطوبة فعليًا لآلان؟
لو كان الأمر كذلك، صحيح أنّني لم أكن لأشكّ في علاقتهم، لكن كانت طريقة تصرفها مبالغًا فيها للغاية.
فأثرت فيها آثار الأظافر الحمراء على ذراعي ووجهي لا تزال واضحة، وذكريات لحظة محاولة تمزيق ملابسي ما زالت تهز جسدي خوفًا وغضبًا.
وكان يمكن حل هذا بالحديث، لكنها فضّلت أن تدهسني بدل الاستماع.
“يا سيدتي…….”
بدا أنّ تعبير وجهي الجاد دفع ساندرا لأن تخاطبني بصوت مرتعش. قطرات دموعها تتساقط من عينيها النقيتين، وكنت أراقبها مشوشة.
“أنا أحبكِ حقًا…… أنا ضعيفة جدًا، ولا أستطيع أن أكون سندًا لكِ…….”
“…….”
“كل ما أريده أن أخبركِ بكل شيء…….”
“……بكل شيء؟”
عندما سألتها باندهاش، جففت دموعها على كمّها وقالت:
“يا سيدتي المسكينة، أرجو أن تمنحيني وقتًا للتحضير النفسي. حينها سأخبركِ بكل ما أعلم.”
—
بعد سماع هذا الوعد المبلل بالدموع، بدأت أحاول بوعي محو أي ذكرى عن مونيكا إلوود.
ومع استئناف الكتابة بقلمي، شعرت أنّني عدت إلى حياتي الطبيعية. بدأت أملأ يومياتي مرة أخرى، شيئًا فشيئًا.
الآن، وأقول هذا بعد فترة، الطعام هنا ممتاز حقًا. اكتشفت أنّي أحب السمك أكثر مما توقعت، وكنت أمس أتناول سمك السلمون وأفكر بذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 79"