المترجمة: زوزيتا ✨️
طرقتِ البابَ بوجهٍ مُتوتِّرٍ.
“لقد أحضرتُها، آنِسَتي.”
ليسَ السَّيِّدُ لِيوبولْد، ولا الأميرُ بِنْتلي… بل آنِسة؟
“أأنا… لحظةً مِن فضلكِ. آنِسة؟ ماذا تَعنِين؟”
لم تُجِبِ الخادمة، فتبدَّد سؤالي في الهواءِ كأنَّه لا وزنَ له.
وفي تلكَ اللحظةِ انفتحَ البابُ أمامي على مصراعَيه، ودَفَعَتني الخادمةُ إلى الداخلِ في طرفةِ عينٍ، ثم أغلقتِ البابَ خلفي.
ما كانَ ينتظرُني في الغرفةِ وردةً… لا، بل امرأةً فاتنةً تُشبِهُ الوردة.
“آه، أنا…”
“…….”
كانت جالسةً باستقامةٍ أمامَ طاولةِ الشايِ الأنيقة، تُحدِّقُ إليَّ بلا رمشة.
انسابَ شعرُها الغزيرُ كموجٍ مُتموِّج، وكانَ فستانُها الأسودُ المُعلَّقُ عليهِ حُليٌّ فضِّيَّةٌ دقيقةٌ يلتفُّ حولَ جسدٍ مرسومٍ بإتقانٍ لا خللَ فيه.
“ميليسا كولينز؟”
حينَ اخترقَ بصري زوجٌ مِن العينينِ الزرقاوينِ الداكنتينِ كأنَّ فيهما ياقوتًا أزرق، وجبَ عليَّ أن أُواجِهَ حقيقةً تمنَّيتُ لو أستطيعُ تجاهلَها.
تلكَ المرأةُ التي كانت تختارُ الكعكَ في مقهى أَنْتريس، والتي ظننتُ طويلًا أنَّها حبيبةُ آلان… كانت الآنَ أمامي.
لا يُعقَلُ أن تخونني ذاكرتي؛ فلم ألتقِ ثانيةً امرأةً بهذا القدرِ مِن الألقِ والجمال.
ومهما حاولتُ التظاهُرَ بالجهل، كانَ ذلكَ مستحيلًا.
أتذكَّرُ كيفَ اجتاحتِ الشائعاتُ فلورين حينَ قيلَ إنَّ أحدًا رآى آلان ليوبولد معَ حبيبته، وكيفَ انتشرَ وصفُها أيضًا: حسناءُ ذاتُ شعرٍ أحمرَ غزيرٍ وجمالٍ أخَّاذ.
حينَ كنتُ أُردِّدُ تلكَ الكلماتِ وأتخيَّلُ غامضًا مدى جمالِها، لم يكنِ الأمرُ يُؤلِمني إلى هذا الحدّ.
فحبيبةٌ سريَّةٌ لآلان؟ بدا الأمرُ مجرَّدَ إشاعةٍ سخيفة، إذ مِن غيرِ المعقولِ ألّا يعرفَ أحدٌ في المجتمعِ امرأةً بهذا الجمال.
لابدَّ أنَّه اختلاقُ مُتباهٍ لا أكثر.
لكن حينَ رأيتُها في أَنْتريس… اضطررتُ إلى الاعترافِ بأنَّ الشائعةَ كانت صحيحة.
وفي الوقتِ نفسِه أدركتُ بوضوحٍ موجِعٍ ماذا يعني أن تقفَ هذهِ المرأةُ إلى جانبِ آلان ليوبولد حبيبةً له، حتى شعرتُ كأنَّ الأرضَ تنهارُ تحتَ قدمي.
كانَ مِن الطبيعيِّ أن يملِكَ قلبَه جمالٌ كهذا، ومعَ ذلكَ غمرني اليأسُ مِن جديد.
فمنذُ رأيتُها، لم يفارقني مشهدُهما معًا، وكانَ ذلكَ يُعذِّبني.
كأنِّي صدَّقتُ حقًّا أنَّه قد يصبحُ حبيبي… يا لغبائي.
“ألا تعرفينَ كيفَ تتكلَّمين؟”
اخترقني صوتٌ حادّ، فلم أدرِ ماذا أقول، واكتفيتُ بالعبثِ بأطرافِ أصابعي.
كنتُ خائفةً كأنِّي ارتكبتُ ذنبًا، وقد بدأَ عرقٌ خفيفٌ يتجمَّعُ في راحتي.
لم يكنِ السببُ مجرَّدَ جمالِها الذي يسلبُ الكلام، ولا مواجهتي لبؤسي حدَّ أن أودَّ إنكارَ نفسي.
بل لأنَّ هذهِ المرأةَ تعرفُ اسمي، وتشربُ الشايَ في المبنى الرئيسيِّ وكأنَّه منزلُها، والخادماتُ يُعاملنَها كما لو كانتِ السيِّدة.
أليسَ هذا كافيًا ليُثبِتَ أنَّها حبيبةُ آلان؟
إذن فأنا، بالنسبةِ لها، مجرَّدُ دخيلة.
وربما كانَ مِن الطبيعيِّ أن أتحمَّلَ هذهِ النظراتِ الشرسة… فهذا المكانُ أصلًا—
“ها، أنتِ أسوأُ ممّا توقَّعت. أن يُخفيَ شيئًا كهذا…”
…لكنَّ ذلكَ لا يعني أن أتحمَّلَ إهانتَها صامتةً.
أنا لستُ خادمتَها، ولم أختَرِ البقاءَ هنا بإرادتي.
أن أتلقَّى هذا الاحتقارَ مِن غريبةٍ؟ مستحيل.
“…ماذا تقصدين؟”
غيرَ أنَّ غضبي لم يتجاوز همسةً واحدةً دونَ أن أجرؤَ حتى على النظرِ في وجهِها.
كانَ غضبُها الحادُّ يملأُ الغرفةَ الفاخرة، وبالنسبةِ إليَّ المرتجفة، كانَ هذا أقصى ما أستطيع.
للأسف.
“ماذا أقصد؟ أقصدُ أنَّكِ تُزعجينني لدرجةٍ لا تُطاق.”
انحنت شفتاها الحمراوانِ الجميلتانِ في قوسٍ أنيق، لكنَّ الكلماتِ التي خرجتْ مزَّقتني بلا رحمة.
“حتى لو كانَ مجرَّدَ تسليةٍ، فكيفَ احتفظَ بطفلةٍ مثلَ هذه… هااه.”
“أنا وآلان…!”
في اللحظةِ التي نطقتُ فيها اسمَه، تغيَّر الجوُّ.
“آلان؟”
وضعتِ المرأةُ فنجانَ الشايِ بعنفٍ كأنَّها تقذفه، ثم نهضت، فتراقصَ شعرُها الكثيفُ وطرفُ فستانِها بنعومةٍ ساحرة.
تضاءلتُ أمامَ هيبتِها، ومعَ ذلكَ لم أستطعْ أن أشيحَ ببصري عنها.
اقتربتْ بخطواتٍ خفيفةٍ وهي تبتسمُ بسخرية.
“أتدرينَ اسمَ مَن ناديتِ للتوِّ بهذهِ الوقاحة؟”
“…أيمكنُكِ الالتزامُ بالأدب؟ أنا لا أعرفُ حتى مَن أنتِ.”
ضحكتْ بخفَّةٍ ساخرةٍ وهي تُثبِّتُ عينيها عليَّ.
وللحظةٍ خُيِّلَ إليَّ أنَّ غرورَها يُشبِهُ غرورَ آلان، فانقبضَ قلبي بلا مقاومة.
“سأُخبِرُكِ، فاحفَظيه جيدًا. أنا مونيكا إلوود، حبيبةُ آلان ليوبولد، والمرأةُ التي ستُصبِحُ زوجتَه. أفهِمتِ؟”
“…إلوود؟”
ما إن تمتمتُ الكلمةَ المألوفةَ حتى ندمتُ فورًا.
كانَ الختمُ على شمعِ ظرفِ الرسالةِ التي أعطاني إيّاها آلان يومًا يحملُ اسمَ “إلوود”.
حتى لو اضطرَّ إلى إخفاءِ اسمِه الحقيقي، فأن يستخدمَ أشياءَها بلا تردُّد… لا شكَّ أنَّهما—
فجأةً مرَّ طعمٌ مُرٌّ في فمي.
أأنا حقًّا أملِكُ ذاكرةً بهذهِ القوَّة؟ أم أنَّ الذكرى كانت شديدةً لدرجةٍ لم أستطعْ محوَها؟
وخزَ قلبي بلا سبب، فوضعتُ يدًا مرتجفةً فوقَه.
مضحكٌ أن يهبِطَ قلبي هكذا لمجرَّدِ أنَّها حبيبةُ آلان ليوبولد،
“لكن… على حدِّ علمي… ليسَ لآلان حبيبة.”
ومعَ ذلكَ وجدتُ نفسي أُعارِضُها في النهاية، ويا لهُ مِن تصرُّفٍ مثيرٍ للشفقة.
فساندرا قالت ذلكَ بوضوح: آلان بلا حبيبة.
“ها؟ ماذا تهذِينَ؟”
اقتربتْ مونيكا إلوود ساخرةً ببرود، ثم أمسكتْ بذقني فجأة.
غاصتْ أظافرُها الحادَّةُ في بشرتي الطريَّة، فتجمَّعتِ الدموعُ في عيني مِن الألمِ والعداءِ.
“آلان… هل ضمَّكِ؟”
“…….”
المُدهِشُ أنَّ عطرَها كانَ نفسَ عطرِ آلان ليوبولد.
عبيرُ حديقةِ الورودِ الساحرُ ازدادَ كثافةً في الهواءِ الرَّطبِ حتى تسلَّلَ إلى أعماقي.
“أجيبي، أيتها الفاتنة.”
“…….”
شعرتُ بحرارةٍ تلسعُ عيني، ثم بدأتِ الدموعُ تنهمر.
“كيفَ أغويتِه وأنتِ بهذهِ الهيئةِ البائسة؟”
ربَّتتْ بأطرافِ أصابعِها الناعمةِ كالحَرِيرِ على خدِّي، ثم مرَّتْ على عنقي وقفاي بطريقةٍ مُقزِّزة.
“…لا تلمسيني!”
صرختُ مكبوتةً وأنا أُبعِدُ يدَها، لكنَّ تمرُّدي التافهَ أشعلَ غضبَها.
كأنَّها تبحثُ عن آثارِ آلان، مزَّقتْ بعنفٍ فتحةَ عنقِ فستاني الرقيق.
“آآه! اترُكيني…!”
غطَّيتُ صدري بذراعَيَّ لأمنعَها مِن شدِّ ملابسي، لكنَّ جسدي كلَّه كانَ يرتجفُ خوفًا وخزيًا.
وفي هذا الموقفِ غيرِ المتخيَّل، انفجرتِ الدموعُ كسيلٍ جارِف.
“إن كنتِ لا تريدينَ أن يزدادَ المشهدُ سوءًا، فالتزمي السكون.”
“آه…!”
خدشَتْ أظافرُها ذراعي بخشونة، فاشتعلَ الألمُ كالنار، وانكمشَ جسدي.
ثم رفعتْ يدَها كأنَّها ستصفعُني، فخذلتني ساقاي وسقطتُ جالسةً.
“…لِمَ تفعلينَ بي هذا؟ لماذا…؟”
لم أعُد أستطيعُ إيقافَ يدِها وهي تعبثُ بملابسي وتغوصُ إلى الداخل، فلم يكنْ أمامي سوى البكاءِ وأنا أتلقَّى الإهانة.
وحينَ ابتعدتْ يدُها أخيرًا، كنتُ جالسةً بملابسِي الداخليَّة فوقَ خرقةٍ ممزَّقةٍ لم تعُد تُشبِهُ فستانًا.
ارتجفتُ مِن العارِ والذلِّ وأنا أحدِّقُ بها.
“لم يحدثْ شيء…!”
“نعم، يبدو ذلك. كانَ عليكِ أن تُجيبي منذُ البداية.”
“هُو… هِق…”
أردتُ أن أُذيقَ هذهِ المرأةَ الوقحةَ الرهيبةَ الألمَ نفسَه، لكنَّ ذراعَيَّ المرتجفتينِ لم تحملَا أيَّ قوَّة.
“يا لهُ مِن منظر.”
نهضتْ، فرفرفَ ذيلُ فستانِها وأثارَ نسمةً صغيرة، ومعَها اندفعَ مجدَّدًا عطرُ آلان.
“ها…”
انسابتِ الدموعُ المختلطةُ بالأنينِ على خدِّي حتى ذقني.
“هذا تحذيرٌ لكِ، آنِسة كولينز.”
“أن تقومِي بشيءٍ كهذا… وأنتِ حقًّا…”
“تشكِّكينَ أنَّني حبيبةُ آلان ليوبولد؟”
“…….”
“إلى أيِّ حدٍّ ستزدادينَ إثارةً للشفقةِ بهذا الشكل؟”
رفعتُ رأسي فرأيتُ شيطانةً بهيئةٍ كاملةٍ تُحدِّقُ بي مِن علٍ، تهمسُ بلهجةِ سورنيَّةٍ متقَنةٍ لا تُشبهُ لونوآ على الإطلاق، وكأنَّها تُلقي لعنةً.
“توقَّفي عن أوهامِكِ المقزِّزة. طفلي يُقدِّسُ باروكةً تُشبِهُ شعري، واشترى المقهى الذي أحبُّه بلا تردُّدٍ لأنَّه يعشقُني. بجنون.”
“…….”
“إنَّه يُخفي الأمرَ فقط لأنَّه يكرهُ الضجَّة.”
شعرتُ كأنَّ نصلًا حادًّا شقَّ صدري.
إذن فاستحواذُه المفاجئُ على أَنْتريس كانَ بسببِ هذهِ المرأة…
والباروكةُ رأيتُها فعلًا؛ كانت حمراءَ متَّقدةً كشعرِ مونيكا إلوود.
“أفهمتِ الآنَ مكانَكِ؟”
“لا شيء…” تمتمتْ وهي تستديرُ مبتعدة، وصوتُ كعبَيها ينغرسُ في صدري كالأشواك.
التقطتْ قبَّعةً فاخرةً مِن فوقِ الأريكةِ ووضعتْها برشاقةٍ على رأسِها، فبدتْ نبيلةً حدَّ أن يُطرِقَ المرءُ رأسَه أمامَها.
أمَّا أنا، فكنتُ ملفوفةً بخرقٍ ممزَّقةٍ لا يُمكِنُ النظرُ إليها، فعادتِ الدموعُ تتدفَّق.
“أيتها الساحرة.”
تلكَ الكلمةُ التي قذفتْها غرستْ نفسها خنجرًا في صدري البائس.
لماذا أتعرَّضُ لهذا الذلِّ؟ لماذا أُهانُ هكذا…؟
“كما تعلمين، آلان مُرهَقٌ منذُ وصولِه إلى الدوقيَّة.”
“…….”
“وأنتِ أثرٌ جانبيٌّ لذلك.”
أغمضتُ عينيَّ وسددتُ أُذنيَّ كي لا أسمع، لكنَّ يدي الواهنتينِ لم تمنعا صوتَها المتسلِّل.
“سأتولَّى تهدئتَه، فاجمعي أمتعتَكِ وارحلي فورًا.”
تقدَّمتْ نحوي وهي تنطقُ بكلماتٍ لا تُصدَّقُ قسوتُها.
“هذا ليسَ… بيدي… اُوه.”
أطبقتُ عينيَّ غريزيًّا وضممتُ كتفي، لكنها تجاوزتني نحوَ الباب.
وسُرعانَ ما دارَ المقبضُ، وانسابَ صوتُها اللَّطيف:
“أثقُ أنَّكِ فهمتِ جيدًا، كولينز.”
“…….”
دوَّى صوتُ البابِ وهو يُغلَق كأنَّه إشارةُ بدء.
انهرتُ في مكاني، وبكيتُ طويلًا بكاءً مُرًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 78"