ومع ذلك، فإنَّ السببَ الذي أغرقها في هذا اليأسِ المريرِ هو أنَّ قرائنَ تواصُلِها الخاصِّ مع الأميرِ كانتْ واضحة، ومع ذلك لم تلحظْ في آلان أيَّ اضطرابٍ عاطفيّ.
‘لم أكنْ أطمعُ حتى في الغيرة، كنتُ فقط…….’
ندمتْ مونيكا أشدَّ الندمِ على قبولِها عرضَ الأميرِ في لحظةِ غضب.
فلو تجاهلتْه لما اضطُرَّت إلى احتمالِ هذا البؤس.
لكنَّ الماءَ المسكوبَ لا يُستعاد.
فاكتفتْ مونيكا بعضِّ داخلِ فمِها وهي غارقةٌ في شعورٍ مُحطِّم.
“لا داعيَ لمثلِ هذا التعبير. صحيحٌ أنني جئتُ مسرعًا شوقًا إلى لقائِك، لكنني لستُ رجلًا سطحيًّا إلى هذا الحد.”
“…….”
“على الأقل، جلبتُ معي حديثًا كفيلًا بأن يُثيرَ اهتمامَك.”
لا بُدَّ أنَّه سيتحدّث عن تلك المرأةِ التي قيل إنَّها هوايةُ آلان الجديدة.
وكلماتُ الأميرِ ستُثيرُ عاصفةً أخرى في صدرِها المرتجف، ولن يكونَ على أحدٍ سواها أن يتحمَّلها.
“هل تعلمين أنَّ بعضَ خدمِ عائلةِ ليوبولد من أصولٍ ملكيّة؟”
“لم أكنْ أعلم، يا صاحبَ السموّ.”
أجابتْ مونيكا دونَ أن يتغيّرَ لونُ وجهِها، لكنَّها في الحقيقة كانتْ تعلم.
فهي الابنةُ الوحيدةُ لإيان ليوبولد، ومنذ أن بدأتْ ذاكرتُها تتشكَّلُ كانتْ تعدُّ قصرَ ليوبولد ملعبًا لها، لذا كان الأمرُ بديهيًّا.
قبلَ نحوِ عشرةِ أعوام، تمكَّنتْ مملكةُ سورن من إبرامِ اتفاقيّةٍ تجاريّةٍ مُرضيةٍ في أوّلِ لقاءٍ مع الدولةِ الشرقيّةِ العظمى “هوا”، وكانَ الفضلُ الأكبرُ في ذلك لإيان ليوبولد ورجالِه.
ومن بابِ الإشادةِ بذلك الإنجاز، أهدى القصرُ الملكيُّ العائلةَ عدّةَ هدايا، كان من بينها خدمُ القصر.
“العاملون في القصرِ الملكيِّ يكونون عادةً على قدرٍ كبيرٍ من التماسك.
فهم لا يتنقّلون بينَ العائلاتِ بحثًا عن ظروفٍ أفضل، ولذلك لا يتفرّقون بسهولة، كما أنَّ فخرَ العملِ لأجلِ القصرِ يُعدُّ أقوى روابطِهم.”
“……ما سببُ قولِك هذا؟”
“يُقال إنَّ ربَّ أسرةِ ليوبولد أرسلَ بعضَ رجاله مع ابنِه الوحيدِ الذي غادرَ إلى الدوقيّة.
حسنًا، ربما كانتْ له نيّاتٌ أخرى…….”
أدارَ الأميرُ كأسَ الشمبانيا نصفِ الممتلئة ببطءٍ في الهواء وأضافَ بصوتٍ خفيض:
“المهمُّ أنَّ بينَهم خادماتٍ من القصر، وهنَّ ما زلنَ على تواصلٍ مع نساءِ البلاط.”
“…….”
“ألا يثيرُ فضولَكِ ما الذي يُخفيه وريثُ ليوبولد النبيلُ داخلَ قلعتهِ الجميلة؟”
للحظةٍ، خُيِّلَ إلى مونيكا أنَّ لحنَ التشيللو العذبَ الذي ملأ المكان قد انقطعَ فجأة.
“يُقال إنَّ امرأةً تقيمُ في قلعةِ آلان ليوبولد.”
“ماذا…….”
بدتْ كأنَّ قلبَها يُسحَق، وغامتْ الدنيا في رأسِها.
وفي تلك الأثناء بدأ تقديمُ المقبلات على الطاولة، لكنَّ مونيكا لم تُدرك حتى اقترابَ الخادم.
كادَ وجهُ آلان يتجمّدُ برودةً لدى رؤيةِ الشيخِ يهرولُ نحوه، فاضطرَّ إلى إخفاءِ ذلك سريعًا.
وكما توقّع، انهالَ عليه اللواءُ بأسئلةٍ متحمّسة:
“جئتَ وحدكَ؟ ما يزالُ الوقتُ مبكّرًا على المغادرةِ بعدَ العشاء. أم تركتَ امرأةً تنتظرُك بالخارج؟ هاه؟ أهذا ما حدث؟”
“…….”
كانَ ليمان شخصيةً نافذةً في مجتمعِ لونوَا، ومعروفًا بسعةِ علاقاتِه. حتى إنَّ من يُريدُ بدءَ عملٍ هنا لا بُدَّ أن يمرَّ به، وأضحى تقديمُ التحيةِ له طقسًا اجتماعيًّا للشبّانِ الطامحين.
وكانَ آلان، وريثُ ليوبولد، قد تعرّفَ إليه قبلَ قدومِه إلى الدوقيّة، بل حضرَ معه بعضَ حفلاتِه برفقةِ والده.
لكنَّ ذلك كانَ في زمنِ الصبا. أمّا الآن، وقد خرجَ من ظلِّ أبيه، فإنَّ لقاءَه بليمان كشريكِ أعمالٍ مسألةٌ مختلفة.
زارَه في اليومِ التالي لوصولِه، وتحادثا باعتدالٍ عن التجارةِ والأوضاعِ الدوليّة، وقادَ الحديثَ بلباقةٍ جعلتْ اللقاءَ ناجحًا.
غيرَ أنَّ بينهما مشكلةً واحدة: أنَّ ليمان يُعجبُ إعجابًا مفرطًا بهذا الشابِّ الجميلِ الناجح.
“الجوُّ جميل، ما رأيكَ في نزهةٍ بحريّةٍ قريبًا؟ آه! بعدَ أربعةِ أيّامٍ يفتتحُ ابنُ أخي معرضًا، وأتمنّى حضورَك.”
لم يتوقّفْ فمُه المجعَّدُ عن الكلام وهما ينزلانِ الدرج.
ورغمَ ثروتِه ومجدِه، كانَ جسدُه الواهنُ يحنُّ بلا نهايةٍ إلى أمجادِ الماضي. وكانَ هوسُه المرضيُّ بالشبابِ يشتدُّ كلّما رأى شابًّا وسيمًا، وقد بلغَ ذروتَه مع آلان.
“ابنتي لا تكفُّ عن ترديدِ رغبتِها في رؤيتِك مجدّدًا.”
هل سيُرافقني حتى العربة؟ كبحَ آلان انزعاجَه بصعوبةٍ وأجابَ بتهذيب: “أحقًّا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 73"