سواءً كان ذلك بسبب الريح أو التوتر، كانت يداي باردتين كالثلج.
كان مظهر سفينة مونلايت الخارجي مهيبًا ومثيرًا للإعجاب، لكن تصميمها الداخلي كان فخمًا بشكلٍ يخطف الأنفاس.
الممرات، بجدرانها وأرضياتها المغطاة بسجاد أحمر، كتمت صوت خطواتي القلقة.
تبادلت السيدات ذوات القبعات الكبيرة المزينة بالريش تحيات أنيقة، بينما كان السادة ذوو الهيبة يسيرون جيئة وذهابًا ورؤوسهم مرفوعة.
مرّ كلبان بنيان، بفرائهما المصقول بعناية، بجانب أقدامهن.
بدت بطونهما أنعم من شعري.
خفضتُ رأسي لأتجاهل النظرات المريبة الموجهة إليّ. تمنيتُ لو أختبئ في مكانٍ ما.
فكرة قضاء أسبوع تقريبًا على متن هذه السفينة أصابتني بفراغٍ جديد.
على الأقل نزلنا في لونوا. ليتنا وصلنا إلى وجهتنا النهائية…
في الحقيقة، لا تتساوى الشهرة والثروة دائمًا، وحتى بين النبلاء، يوجد الكثير من الفقراء أو المقتصدين.
لهذا السبب، وسط حشود المجتمع الراقي، لم أكن مميزة لا للأفضل ولا للأسوأ.
لكن مقصورة الدرجة الأولى في سفينة مونلايت بدت كعش طواويس مبذرة، كل منها يتوق إلى التباهي بثروته. هنا، كنت غريبة تمامًا،
“هاه…”
” نجسة قذرة.”
فكرت للحظة أنه كان عليّ إحضار الفستان الذي أهداني إياه السيد لونغهورن، لكن عندما استنشقت عطرًا فخمًا لنبيلة، لا يمكن تمييزه عن جوهرة أو إنسانة، أغمضت عيني. مع تنهيدة ساخرة من نفسي.
شعرتُ بالعبث، متمنيًا لو كنتُ في الدرجة الثالثة، رغم أنني حظيتُ بشرف ركوب سفينة “مون لايت”، حلمٌ يراود الكثيرين، بل وحتى الدرجة الأولى.
إن لم يكن هذا هو الخداع الذي أكرهه بشدة، فما هو إذن؟
حسنًا، لم يعد الأمر مهمًا الآن.
كان جسدي وعقلي منهكين كأعشاب بحرية تجرفها الأمواج.
اتبعتُ الطاقم بجدّ، على أمل أن تظهر مقصورتي قريبًا، في مكان ما في هذا الممرّ اللامتناهي. “ها هي. المفتاح بالداخل.”
“شكرًا لك…”
في اللحظة التي فتح فيها الباب، نسيتُ حتى أن أشكره.
كانت المقصورة العطرة، المزينة بأنواع مختلفة من الزهور، دافئة ومضاءة.
كانت الجدران والأرضية مصنوعة من خشب داكن لامع وأنيق، وأضافت الزخارف المذهبة بدقة، التي بدت وكأنها تصور سيقان نباتات، مزيدًا من الرقي.
كانت طاولة وسرير “باليساندر” الأنيقان عتيقين كقطع الملوك، وكانت الملاءات النظيفة خالية من التجاعيد.
كانت غرفة من الجمال بحيث تركتني عاجزًا عن الكلام.
ربما كنتُ الوحيد الذي لم يتألق في هذا المكان. لم يكن هناك شمعدان واحد أو فنجان شاي مبهر.
غادر الطاقم، فألقيتُ بنفسي على السرير، وشعرتُ بإحساس غريب لم أختبره من قبل. شعرتُ وكأنني أحلم، أو كأنني أسبح بحرية في مياه دافئة تغمرها أشعة الشمس.
“آه.”
للحظة، شعرتُ بتمايل القارب.
وبالفعل، انطلقت صفارة من الخارج، مصحوبة بهتافات خافتة. انتابتني موجة من الحماس سرت قشعريرة في جسدي.
كانت هذه أول مرة أغادر فيها المملكة، أعبر البحر لأحقق حلمي.
وبينما كنتُ أفكر في هذا الأمر، شعرتُ فجأة بالرعب، ولكن لم يكن هناك مكان أتراجع إليه الآن. لم أكن أعرف حتى السباحة.
عانقتُ كتفيها، حيث بدأت القشعريرة تتشكل، وهمستُ بتعويذة رقيقة.
“لا بأس… سأبذل قصارى جهدي.”
“هناك…”
بينما كنت أتنفس ببطء، شعرتُ بوضوح بصدري الرقيق يرتفع وينخفض تحت ذراعيّ المرتجفتين.
كان قلبي يخفق بشدة حتى كاد ينفجر.
غمرتني مشاعر القلق والحماس والتوتر والإرهاق، فأغمضت عينيّ، وشعرت وكأنني أهذي، أتأرجح بين الواقع والخيال.
التعليقات لهذا الفصل " 56"